قد يبدو متحف كونستهيستوريشس فيينا قصراً، لكنه بُني منذ البداية متحفاً عاماً

تمنح القبة المرتفعة، والكتلة المركزية الثقيلة، والجناحان المتناظران، والحجر المنحوت متحف كونستهيستوريشس هيئة مقر ملكي في قلب فيينا. وقد صُممت هذه الفخامة لإيواء المجموعات الإمبراطورية لآل هابسبورغ وإظهار مكانتها في العمارة، ولهذا يبدو الالتباس مفهومًا عند النظر إلى الواجهة للمرة الأولى.

عرض النقاط الرئيسية

  • افتُتح متحف كونستهيستوريشس عام 1891 بوصفه متحفاً شُيّد لهذا الغرض، لا قصراً حُوّل لاحقاً.
  • وكان مظهره الشبيه بالقصور مقصوداً، إذ أريد له أن يمنح الثقافة العامة المكانة المعمارية نفسها التي كانت للسلطة الإمبراطورية.
  • وقد شُيّد المتحف على شارع الرينغشتراسه في فيينا، فاحتل قلب المدينة الاحتفالي والمدني إلى جانب مؤسسات عامة كبرى.
  • وصممه المعماريان غوتفريد زيمبر وكارل فون هازناور بتناظر واضح وقبة ومنحوتات تشير إلى السلطة والغاية العامة معاً.
  • وجعل تموضعه التوأمي في مواجهة متحف التاريخ الطبيعي من فعل الاقتناء إعلاناً عمرانياً عاماً، لا مجرد عرض خاص تابعاً لسلالة حاكمة.
  • ومع أن المتحف كان عاماً، ظلت حواجز اجتماعية مثل الطبقة والتعليم والمال تؤثر في من يشعر بالترحيب داخله.
  • ويُظهر المبنى أن الفخامة الأثرية يمكن أن تخدم الإتاحة المدنية، فتجعل الفن والتاريخ قيمتين مشتركتين ظاهرتين في المدينة.

لم يكن المبنى قصرًا أعيد استخدامه لاحقًا، بل مشروع متحف منذ البداية. يذكر متحف كونستهيستوريشس أن غوتفريد زيمبر وكارل فون هازيناور صمماه، وأن تشييده امتد من 1871 إلى 1891 بتكليف من الإمبراطور فرانتس يوزف الأول. وافتتح للجمهور في 17 أكتوبر 1891، بعد نقل معرض اللوحات وغيره من المجموعات الإمبراطورية إلى المبنى المكتمل على شارع رينغشتراسه.

تصوير كريستوفر بوبوفيتشي على Unsplash

كان المطلوب مبنى يضاهي المقتنيات التي يحتويها في الأهمية، لا وعاءً محايدًا للعرض. ومن هنا جاءت اللغة المعمارية التي تستعير هيبة القصور: مدخل محوري، وقاعدة حجرية مرتفعة، وقبة تسيطر على التكوين، وزخارف تحيط بالنوافذ والواجهات. تحمل هذه العناصر رسالة إمبراطورية واضحة، لكنها تخدم في الوقت نفسه مؤسسة تستقبل الزوار وتعرض المجموعات أمامهم.

قراءة مقترحة

رينغشتراسه وضع المتحف بين مؤسسات المدينة

يفسر الموقع جانبًا كبيرًا من ضخامة المبنى. فقد نشأ شارع رينغشتراسه في القرن التاسع عشر بعد إزالة تحصينات فيينا القديمة، ولم يُعامل كسلسلة من المساكن الخاصة وحدها. وتعرض الصفحة الرسمية لمدينة فيينا ضمن مبانيه البارزة متحف التاريخ الطبيعي، وأوبرا فيينا، ومسرح بورغ، والبرلمان، ودار البلدية، إلى جانب المتاحف والمنشآت العامة الأخرى.

كان الشارع واجهة عمرانية للعاصمة الإمبراطورية، تعرض فيها الدولة مؤسسات الحكم والثقافة والفنون. ووجود متحف كونستهيستوريشس في هذا الصف يوضح سبب عدم الاكتفاء ببناء وظيفي متواضع: كان المتحف جزءًا من تكوين حضري احتفالي، تُقرأ فيه مكانة كل مؤسسة من حجمها وطرازها وموقعها.

تظهر دلالة الموقع أيضًا في علاقته بمتحف التاريخ الطبيعي المقابل له عبر ساحة ماريا-تيريزين-بلاتس. فالمتحفان شُيدا في الفترة نفسها، ويواجه أحدهما الآخر بتكوين متقارب. وبينهما تقع الساحة العامة، لا فناء سكني خاص أو حديقة داخلية معزولة. وهكذا صار جمع الفن والتاريخ الطبيعي جزءًا من فضاء المدينة المرئي.

تؤدي الواجهة وظائف تتجاوز الاستعراض. فالتناظر يجعل محور الدخول مقروءًا من الساحة، والقبة تمنح المؤسسة علامة واضحة في الأفق، أما المنحوتات الخارجية فتربط المبنى بالفنون والتاريخ قبل أن يعبر الزائر بابه. وحتى الكتلة الحجرية الثقيلة، التي يمكن أن توحي بالتحصين، تمنح المتحف رصانة مؤسسية كانت عمارة القرن التاسع عشر تربطها بالدولة والدوام.

المظهر القصري والبرنامج المتحفي

يمكن التفريق بين القصر والمتحف بالنظر إلى تنظيمهما الداخلي، لا إلى القبة والزخرفة وحدهما. يُرتب القصر حول السكن الخاص، وشؤون الأسرة الحاكمة، وحياة البلاط ومراسمه. أما مبنى كونستهيستوريشس فخُطط حول قاعات العرض، وانتقال الزوار بينها، ووضع المقتنيات في تسلسل يمكن مشاهدته. لغته الخارجية ملكية، بينما برنامجه الداخلي متحفي.

يمنع هذا التفريق خطأين متعاكسين. الأول هو افتراض أن كل مبنى مهيب كان مسكنًا لحاكم. والثاني هو اعتبار الزخرفة الإمبراطورية تفصيلًا منفصلًا عن وظيفة المؤسسة. فقد اختيرت تلك الزخرفة تحديدًا لأن المجموعات جاءت من آل هابسبورغ، ولأن المبنى أُقيم في عهد فرانتس يوزف الأول ضمن مشروع عمراني يمثل العاصمة.

كما أن افتتاح المتحف للجمهور سنة 1891 لا يجعل تجربته الاجتماعية مماثلة لفكرة المتحف المتاح للجميع في القرن الحادي والعشرين. كانت الطبقة والتعليم والمال وعادات الثقافة الرفيعة تؤثر في قدرة الناس على زيارة هذه المؤسسات وفي مقدار شعورهم بالارتياح داخلها. والمجموعات نفسها بقيت موسومة بتاريخ السلالة التي اقتنتها.

مع ذلك، كانت الوظيفة العامة فعلية وليست زينة لغوية. فالمقتنيات وُضعت في مبنى أُنشئ للعرض، على شارع رئيسي يضم مؤسسات عامة، وفي مواجهة متحف آخر عبر ساحة حضرية. لم يعد الوصول إليها مرتبطًا بالدخول إلى مسكن ملكي أو التحرك داخل حياة البلاط الخاصة.

كيف تُقرأ الفخامة في مبنى عام؟

قد توحي السلالم الحجرية والقباب والتماثيل اليوم بالمسافة الاجتماعية، لكنها استُخدمت في فيينا أواخر القرن التاسع عشر أيضًا لمنح المؤسسات العامة وزنًا يوازي وزن القصور ومقار الحكم. كانت العمارة التاريخانية تستدعي أشكالًا من الماضي لتعلن وظيفة المبنى ومكانته؛ ولهذا تشترك المتاحف والبرلمان ودار البلدية والأوبرا في قدر من الاستعراض، مع اختلاف أغراضها.

يمكن قراءة مبنى كونستهيستوريشس من خلال ثلاث طبقات ظاهرة في مكان واحد. أصل المجموعات إمبراطوري، والطراز المعماري احتفالي، أما الاستخدام الذي خُطط له فهو عرض الفن والتاريخ أمام الجمهور. لا تلغي طبقة منها الأخرى، واجتماعها هو ما يمنح المبنى مظهره الملتبس.

ولهذا لا تكفي الهيئة الأرستقراطية للحكم على الغرض من المبنى. يساعد موقع المدخل، وعلاقة القاعات بحركة الزوار، والكتابات والمنحوتات التي تعلن موضوع المؤسسة، وموقعها بين مباني المدينة العامة، على تمييز متحف فخم من قصر خاص. وفي حالة كونستهيستوريشس تتفق هذه العلامات مع سجل إنشائه: مبنى للعرض العام يحمل في حجره أصل المجموعات وسلطة الجهة التي أمرت بتشييده.

كان انتقال المجموعات الإمبراطورية إلى هذه المؤسسة سنة 1891 تحولًا مدنيًا حقيقيًا، مع بقاء تاريخ آل هابسبورغ ولغة الحكم الإمبراطوري ظاهرين في قبتها وواجهاتها وقاعاتها.