كان هذا الزقاق المتوسطي الخلّاب في الأصل حلاً للحرارة

في زقاق متوسطي قديم، تتقارب الجدران حتى لا تصل الشمس إلى الرصف إلا في نطاق محدود، بينما توزع الواجهات الفاتحة ضوءًا منعكسًا على الممر. ما يبدو اليوم تكوينًا خلّابًا صاغته، في جانب كبير منه، الحاجة إلى تخفيف التعرض للشمس والحرارة عند مستوى الشارع.

عرض النقاط الرئيسية

  • تشكلت الأزقة المتوسطية الضيقة استجابةً لاحتياجات مناخية، لا لمجرد ذوق جمالي.
  • تقلل الشوارع المظللة والمغلقة من التعرض المباشر لأشعة الشمس وتحسن الراحة الحرارية في الخارج.
  • يؤثر عرض الشارع وارتفاع المباني واتجاهها بشدة في مدة بقاء الظل خلال اليوم.
  • تعكس الجدران المطلية بالأبيض أو بالألوان الفاتحة الإشعاع الشمسي، مما يساعد على تقليل اكتساب المباني للحرارة.
  • في الأزقة الضيقة، ترتد الإضاءة النهارية أيضاً عن الجدران الفاتحة إلى المناطق المظللة، فتظل الشوارع مضيئة من دون تعرض كامل للشمس.
  • يمكن للبناء الحجري السميك والكتلة الحرارية العالية أن يبطئا تراكم الحرارة ويخففا تقلبات درجات الحرارة على مدار اليوم.
  • يعتمد الأثر التبريدي للأزقة القديمة على مزيج من الظل والانعكاسية والمواد والاتجاه والمناخ المحلي.

تظهر أولًا السمات المألوفة للبلدة القديمة: واجهات مضيئة، ومسافة قصيرة بين المباني، ومقياس عمراني يمنح المشاة إحساسًا بالاحتواء. غير أن الراحة هنا مرتبطة بعمل الظل، وبكمية الإشعاع التي تمتصها الجدران والأرض ثم تطلقها لاحقًا.

تصوير فابيان باخلي على Unsplash

الظل هو آلية التبريد الأولى

تحجب الشوارع الضيقة أشعة الشمس المباشرة عن أجزاء أكبر من الرصف والجدران، وتطيل المدة التي تبقى فيها تلك الأسطح مظللة. حين تمتص الأسطح قدرًا أقل من الإشعاع الشمسي، تختزن حرارة أقل وتعيد إشعاع مقدار أقل منها نحو أجسام المارة. وقد لا تنخفض حرارة الهواء وحدها بالقدر الذي يتوقعه المرء، لكن انخفاض الحمل الإشعاعي المحيط يغيّر الإحساس الحراري مباشرة.

قراءة مقترحة

درست إيليني أندريو هذه العلاقة في بحثها المنشور عام 2014 في مجلة Renewable Energy بعنوان The effect of urban layout, street geometry and orientation on shading conditions in urban canyons in the Mediterranean، في المجلد 63، من الصفحة 587 إلى 596. قارنت الدراسة تخطيطات وشوارع ذات خصائص مختلفة، ووجدت أن شكل النسيج العمراني وعرض الشارع وارتفاع المباني واتجاه المحور تؤثر كلها في مقدار الظل المتاح في البيئة المتوسطية.

يستخدم علم مناخ المدن مصطلح «أخدود الشارع» لوصف ممر تحف به مبانٍ تؤثر واجهاته في وصول الشمس وحركة الهواء. ويمكن التعبير عن هندسته بعلاقة ارتفاع المباني بعرض الشارع: كلما ارتفعت الجدران قياسًا إلى عرض الممر، امتدت ظلالها عبر مساحة أكبر منه. أما الأخدود العريض، فتصل الشمس إلى أرضه في وقت أبكر وتظل الأسطح مكشوفة مدة أطول.

من هنا يأتي التباين بين زقاق قديم مريح نسبيًا وشارع واسع مكشوف في الحي نفسه. عند اقتراب الظهيرة، يكون الرصف المكشوف قد امتص ساعات من الإشعاع، بينما تظل أجزاء واسعة من حجارة الزقاق بعيدة عن الشمس المباشرة. الجلد يستجيب للحرارة المشعة من الأسطح المحيطة، لا لقراءة درجة حرارة الهواء وحدها.

ماذا تفعل الواجهات البيضاء؟

استُخدم الجير والطلاء الأبيض طويلًا في مناطق البحر المتوسط لأن السطح الفاتح يعكس من الإشعاع الشمسي أكثر مما يعكسه السطح الداكن. يقلل ذلك الطاقة التي يمتصها الجدار، ويساعد على الحد من اكتساب المبنى للحرارة. ويعتمد الأثر النهائي على مادة الجدار وسماكته ومدة تعرضه للشمس، لا على اللون وحده.

داخل الزقاق الضيق، تؤدي الواجهة الفاتحة وظيفة بصرية أيضًا. فهي تعيد جزءًا من ضوء النهار إلى الأجزاء الواقعة في الظل، بحيث تبقى تفاصيل الطريق واضحة من دون تعريض الممر كله للشمس المباشرة. يجمع هذا التكوين بين الحجب الشمسي والإنارة المنعكسة: الجدران المتقاربة تصنع الظل، والأسطح الفاتحة توزع الضوء داخله.

أما الجدران الحجرية السميكة في البناء الأقدم فلها كتلة حرارية مرتفعة. يعرّف الدليل الحكومي الأسترالي للتصميم السلبي الكتلة الحرارية بأنها قدرة المادة على امتصاص الحرارة وتخزينها ثم إطلاقها، ويشير إلى أن التأخر الحراري يصف سرعة انتقال الحرارة المختزنة وخروجها. في المناخ الذي يبرد ليلًا، يمكن لهذه الخاصية أن تؤخر وصول ذروة الحرارة وتخفف التفاوت داخل المبنى بين النهار والليل.

لا تحوّل الكتلة الحرارية الزقاق إلى حيز بارد تلقائيًا، كما أن الجدار الثقيل الذي لا يفقد حرارته ليلًا قد يحتفظ بها. نجاح الحل يعتمد على تعاقب التسخين والتبريد، وعلى تعرض الجدار للشمس والهواء. ومع ذلك، يفسر بطء انتقال الحرارة لماذا لا تستجيب الأسطح السميكة لتغيرات النهار بالسرعة نفسها التي تستجيب بها مادة رقيقة خفيفة.

الاتجاه يغيّر ساعات التعرض

عرض الممر وارتفاع واجهاته لا يكفيان وحدهما لتوقع الظل. فالشارع الممتد من الشرق إلى الغرب يتلقى الشمس على جدرانه ورصفه في ساعات وزوايا تختلف عن شارع يمتد من الشمال إلى الجنوب. كما يتغير موضع الشمس خلال السنة، ولذلك قد يكون الجانب المظلل صباحًا مكشوفًا في وقت آخر أو فصل آخر.

أظهرت دراسة أندريو أن اتجاه أخدود الشارع جزء أساسي من تحليل الظل إلى جانب هندسته وتخطيط المنطقة المحيطة. وهذا يفسر إمكان اختلاف زقاقين متساويين تقريبًا في العرض والارتفاع: اتجاه كل منهما يحدد توقيت دخول الشمس، فيما تحدد نسبة ارتفاع الجدران إلى العرض المساحة التي تستطيع الظلال تغطيتها.

تدخل حركة الهواء في النتيجة كذلك. تقارب المباني يشكّل مسار الرياح وقد يحمي الممر من بعض الظروف، لكنه قد يحد من التهوية في ظروف أخرى. لهذا تُقرأ الراحة الحرارية من اجتماع الإشعاع والظل وحرارة الأسطح وحركة الهواء، لا من ضيق الشارع منفردًا.

للأسطح العاكسة كلفة عند مستوى المشاة

الانعكاسية العالية ليست مكسبًا خالصًا. فالواجهة الساطعة قد تخفض مقدار الطاقة التي يمتصها المبنى، لكنها تستطيع إعادة الإشعاع نحو الرصف والواجهات المقابلة وأجسام المارة. وبذلك قد تتحسن حرارة سطح الجدار نفسه بينما يزداد الوهج أو الانزعاج الإشعاعي في الشارع.

بحث هيوك لي وزملاؤه أثر رفع انعكاسية جدران أخدود حضري في دراسة بعنوان Thermal comfort of pedestrians in an urban street canyon is affected by increasing albedo of building walls. خلص الباحثون إلى أن تغيير انعكاسية الواجهات يؤثر في الراحة الحرارية للمشاة، لأن الإشعاع المنعكس يصبح جزءًا من الحمل الذي يتلقاه الجسم داخل الأخدود.

تتحدد النتيجة إذن من تركيب اللون وعرض الشارع واتجاهه ومادة البناء والمناخ المحلي. قد يكون الطلاء الفاتح مناسبًا لجدار يتلقى الشمس مباشرة، بينما يسبب سطح شديد السطوع مقابل ممر للمشاة وهجًا وانعكاسات غير مرغوبة. الحل المتوسطي التقليدي يعمل حين تتعاون عناصره، لا حين تُنسخ الواجهة البيضاء وحدها في أي موقع.

كما يفسر الأداء المناخي استمرار بعض هذه السمات بعد رحيل البنائين الأوائل. فقد أصبحت الأزقة الضيقة والواجهات الكلسية جزءًا من هوية البلدات، لكنها بقيت أيضًا لأنها جعلت الحركة اليومية في الصيف أكثر احتمالًا، خصوصًا في الساعات التي تكون فيها المساحات المكشوفة تحت الشمس.

اقرأ الزقاق من حركة الشمس

يمكن ملاحظة المنطق الحراري من دون أجهزة قياس. قارن مدة بقاء الظل في الزقاق بمدة بقائه في ساحة أو شارع مكشوف قريب، ثم راقب موضعه في الصباح والظهيرة وآخر النهار. سيكشف تغيره أي الجدران تحجب الشمس، وأي أجزاء من الرصف تلقت أطول فترة من الإشعاع المباشر.

راقب أيضًا نوع الضوء في الظل. الضوء الناعم الموزع يدل على أن الواجهات تعكس قدرًا يسمح برؤية تفاصيل الممر، أما السطوع المؤلم أو الانعكاس المباشر على الوجه فيكشف الجانب غير المريح للأسطح عالية الانعكاس. ويمكن مقارنة الإحساس قرب جدار مظلل بالإحساس قرب جدار ظل يتعرض للشمس ساعات طويلة، لأن حرارة الأسطح المحيطة تدخل في شعور الجسم بالمكان.

تكتمل القراءة عند الرصف: الحجر الذي أمضى معظم النهار في الظل يطلق عادة حرارة مختزنة أقل من سطح مماثل ظل مكشوفًا للشمس، ولذلك يحتفظ الزقاق الضيق بميزة محسوسة حتى بعد تحرك الظل عن جزء منه.