ما يجعل هذا الداخل هادئًا ومهيبًا ليس الذهب أولًا، ولا التطعيمات الزهرية، ولا الخط، بل الأعمدة المتكررة التي تخبر العين بهدوء إلى أين تتجه.
وقد يبدو في ذلك شيء من الإجحاف بحق الزخرفة، وأنا أفهم ذلك. فالزخرفة مهمة. لكن إذا أردت أن تفهم لماذا تبدو هذه القاعة منظّمة لا مزدحمة، فالأعمدة هي التي تنهض بالنصيب الأثقل من هذا العمل.
ابدأ بالأثر: الثبات. ثم ابحث عن السبب: عمود، ثم آخر، ثم آخر، يحافظ على العرض نفسه، والتباعد نفسه، والارتفاع نفسه عبر امتداده في قاعة الصلاة. إن التكرار يمنح عينك قاعدة تتبعها، والعقل يهدأ حين يستشعر وجود قاعدة.
قراءة مقترحة
في هذه القاعة، لا تقوم الأعمدة بأكثر من حمل الفضاء فحسب. فتكرارها يصنع النظام الأساسي الذي يسمح للزخرفة بأن تبدو ثرية من غير أن تنقلب إلى فوضى.
إنها تُحاذي
ترسي الأعمدة المتكررة قاعدة مرئية عبر تطابق العرض والتباعد والارتفاع.
إنها تؤطّر
تفصل البنية الفضاء وتجمعه في الوقت نفسه، فتمنح الزخرفة حدودًا واضحة.
إنها تضبط الإيقاع
قبل أن تعجب بالتفاصيل على نحو واعٍ، تعمل البنية المتكررة في صمت على إبطاء الطريقة التي تقرأ بها القاعة وتهدئتها.
ويعرض مركز جامع الشيخ زايد الكبير الحقائق بوضوح: تضم قاعة الصلاة الرئيسة 96 عمودًا داخليًا، مرتبة في مجموعات من أربعة، تعلوها سعفات نخيل ذهبية الطابع، وتتخلل سوقها كروم مطعّمة بعرق اللؤلؤ. هذه التفاصيل جميلة، نعم، لكن جمالها يبلغ أثره لأنه وُضع داخل شبكة منضبطة يعيش فيها.
وهذا الترتيب الرباعي هو نقطة التحول الحقيقية. فقد يبدو العمود الواحد مجرد زخرفة أو عنصر دعم. أما حين تتكرر أربعة أعمدة بوصفها وحدة واحدة، فإنها تصنع عنصرًا تُبنى منه القاعة كلها؛ لذلك فالسكون الذي تشعر به ليس جمالًا عارضًا، بل نظام تكرر عددًا كافيًا من المرات حتى صار إحساسًا.
يوجد منها 96 في قاعة الصلاة الرئيسة.
وعندما يتسع المقياس إلى ما وراء تلك القاعة، فإن مركز جامع الشيخ زايد الكبير يحصي 1,096 عمودًا خارجيًا في أنحاء المجمع. والمقصود هنا ليس الوفرة وحدها، بل إن التكرار هو لغة التصميم على كل مستوى، من فتحة فضائية واحدة إلى الكل الأوسع.
تجزّئ الأسطح العمودية المتكررة السطوع وتضبطه بدلًا من أن تدعه ينساب بالتساوي عبر القاعة.
توحي الصفوف للجسد بموضع المرور، فتحوّل الفضاء إلى ممرات بدلًا من انفتاح مربك لا وجهة له.
تعمل كل فتحة بين الأعمدة كأنها إطار، فتوجّه العين بدلًا من أن تتركها تتيه في كل اتجاه دفعة واحدة.
تمهّل عند فتحة فضائية واحدة، عند تكرار واحد بين مجموعة من الأعمدة والتي تليها. فالأعمدة ترسم الحدود، ولذلك يُقرأ الضوء على هيئة فواصل لا على هيئة ضباب عريض واحد. ويستقر مسار مشيك في القناة التي تصنعها. كما يُوجَّه خط نظرك إلى الأمام، لأن كل فتحة متكررة تهيّئ لما بعدها قبل أن تصل إليها.
ولهذا تبدو القاعة مؤلفة بعناية لا مثقلة فوق طاقتها. فالبنية تؤدي ثلاث وظائف بالإشارة نفسها: تقيس السطوع، وتوجّه الأقدام، وتحرّر المشهد من التشتت. وليس في العمارة ما هو أشد فاعلية من عنصر متكرر واحد يمارس في هدوء أنواعًا عدة من الضبط في آن واحد.
وهنا اختبار بسيط يمكنك أن تجريه بنفسك. غطِّ ذهنيًا الزخارف الزهرية والذهب عند تيجان الأعمدة. هل ستظل القاعة منظمة؟ على الأرجح نعم. ستفقد شيئًا من الثراء، لكنها لن تفقد نظامها الأساسي.
من المعقول أن يُظن أن التطعيمات، والتيجان الذهبية، وزخارف القبة، والخط هي السبب الرئيس في هذا التأثير العاطفي القوي الذي تحدثه القاعة. وهي بالفعل تثري التجربة. تمنح العين نسيجًا ومعنى ومتعة عند النظر القريب.
تبدو الزخرفة كأنها المصدر الرئيس للقوة الشعورية في القاعة لأنها تمنحها الملمس والرمزية والمتعة البصرية.
الأعمدة هي التي تضبط القاعة أولًا، وتجعل الزخرفة مقروءة لأنها تمنح كل ازدهار زخرفي موضعًا منضبطًا يستقر فيه.
لكن الزخرفة وحدها قد تنقلب إلى فوضى بصرية إذا لم يكن هناك ما يحكمها. وهنا تؤدي الأعمدة هذا الانضباط أولًا. وتنجح الزخرفة لأن التكرار كان قد جعل القاعة مقروءة من قبل.
وهذا هو الجانب الذي يفوت كثيرين، وهو أمر نافع جدًا أن تتعلمه مرة واحدة. فالغرف الغنية لا تبقى هادئة مصادفة، بل تبقى هادئة حين تمنح البنية المتكررة كل ازدهار موضعًا يهبط فيه.
جرّب هذا في الداخل التالي الذي يلفت إعجابك، سواء أكان مسجدًا أم محطة قطار أم مكتبة أم بهو فندق. قبل أن تسمّي النقش أو الحفر أو اللون، ابحث عن الشيء الذي يتكرر. قد يكون أعمدة، أو عوارض، أو أقواسًا، أو نوافذ، أو بلاطات، أو مصابيح موضوعة على مسافات متساوية.
ثم اسأل: ما الذي يضبطه هذا العنصر المتكرر؟ الضوء، أم مسار المشي، أم الانتباه، أم الثلاثة معًا؟ وما إن تفعل ذلك، حتى تكف الغرف الجميلة عن أن تبدو جميلة على نحو غامض، وتبدأ في أن تصبح مقروءة.
ثم اسأل: ما الذي يضبطه هذا العنصر المتكرر؟ الضوء، أم مسار المشي، أم الانتباه، أم الثلاثة معًا؟ وما إن تفعل ذلك، حتى تكف الغرف الجميلة عن أن تبدو جميلة على نحو غامض، وتبدأ في أن تصبح مقروءة.
ابحث أولًا عن العنصر المتكرر، ودَع الزخرفة تأتي ثانيًا.