ينحني سرب الأسماك داخل الحوض المائي الضخم ككتلة واحدة، مع أفراد تسبح قرب السطح وأخرى في مستويات أعمق، بينما ينزلق سمك الراي في الأسفل. تبدو الحركة كأنها صادرة عن قائد في المقدمة، مع أنها تتكوّن من تفاعلات سريعة بين كل سمكة وجيرانها القريبين.
عرض النقاط الرئيسية
يمكن لمئات الأسماك أن تحافظ على اتجاه متقارب من دون أن تراقب كل واحدة منها الحوض بأكمله. يكفي أن تضبط السمكة مسافتها وسرعتها وزاوية سباحتها استجابةً لعدد محدود من الأفراد المحيطين بها. وعندما يتكرر ذلك في السرب كله، تظهر الحركة المنظمة التي يراها الزائر خلف الزجاج.
قدّم إيان كوزين وينز كراوز وريتشارد جيمس وغرايم روكستون ونايجل فرانكس عام 2002 نموذجهم «الذاكرة الجماعية والفرز المكاني في مجموعات الحيوانات» في مجلة البيولوجيا النظرية. بُني النموذج في فضاء ثلاثي الأبعاد، وشرح كيف تنشأ ديناميات جماعية تشبه حركة أسراب الأسماك من قواعد فردية بسيطة.
قراءة مقترحة
يمكن تلخيص تلك القواعد في ثلاث استجابات مترابطة: الابتعاد عن الجار القريب بما يمنع التصادم، ومجاراة اتجاه الأفراد المحيطين، والاقتراب من المجموعة عندما تتسع المسافة. لا تنفذ السمكة خطة للسرب كله؛ إنها تعدّل حركتها وفق مواضع قريبة، ثم تتراكم هذه التعديلات على نطاق المجموعة.
عند بدء دوران ما، تميل سمكة قليلًا إلى اليسار مثلًا. تلتقط السمكة المجاورة تغير الزاوية والمسافة فتغيّر مسارها، ثم يستجيب جار آخر. وفي الوقت نفسه، تعدّل أفراد أخرى سرعتها أو موضعها لتظل متقاربة من دون اصطدام. هكذا تنتقل موجة الدوران عبر الأجسام حتى يتغير اتجاه السرب.
اختبر جيمس هربرت-ريد وأندريا بيرنا وريتشارد مان وتيموثي شيرف وديفيد سومبتر وآشلي وارد هذه الفكرة على أسراب صغيرة من الأسماك في دراسة نُشرت عام 2011 بعنوان «استنتاج قواعد التفاعل لدى الأسماك المتجمعة». تتبع الباحثون حركة الأفراد وقارنوا أسرابًا من سمكتين وثلاث سمكات لاستنتاج كيفية تغير استجابة السمكة تبعًا لموضع جيرانها واتجاههم.
أظهرت النتائج أن السمكة لا تستجيب لكل جار بالطريقة نفسها طوال الوقت. يتغير تأثير الجار مع المسافة والموضع النسبي، وتتكوّن خصائص المجموعة من جمع هذه الاستجابات المحلية. يفسر ذلك لماذا يكفي تغير صغير في زاوية فرد قريب لإطلاق سلسلة من التصحيحات المرئية على امتداد السرب.
ويظهر انتقال المعلومات بوضوح أكبر في موجات الهرب. ففي عام 2015، درس هربرت-ريد وجيروم بول وفنغ هو وآشلي وارد وديفيد سومبتر بدء موجات الهرب وانتشارها داخل مجموعات الأسماك. وجد الباحثون أن الاستجابة الجماعية للهجوم تعتمد على انتقال سريع ومحلي للمعلومات بين أفراد المجموعة: تبدأ الحركة عند أفراد محددين، ثم تتسع مع استجابة الأسماك المجاورة.
قدمت أعمال أندريا كافانا وزملائه عن أسراب الزرزور مقارنة نافعة لفهم شكل الموجة. ففي دراسة نُشرت عام 2012 في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم، اشتق الباحثون وصفًا كميًا للنظام الاتجاهي في أسراب طبيعية من بيانات ميدانية ثلاثية الأبعاد. ثم بيّنت دراسة أليساندرو أتاناسي وكافانا وزملائه عام 2014 أن معلومات تغير الاتجاه تنتشر عبر سرب الزرزور أثناء الدوران الجماعي.
لا تتطابق أسراب الطيور مع أسراب الأسماك؛ فالوسط والحواس وطريقة الحركة مختلفة. لكن المقارنة تبيّن كيف يمكن لتغير اتجاهي أن يعبر مجموعة كبيرة من خلال تفاعلات بين أفراد قريبين، من دون إدارة مركزية للحركة.
لا تتجمع الأنواع كلها بالطريقة ذاتها. بعض الأسماك يحافظ على تباعد ضيق، وبعض المجموعات يكون أكثر تفرقًا، كما تختلف ظروف الحوض عن المحيط المفتوح. وتعتمد الأسماك على الرؤية في متابعة مواضع الجيران والعوائق، بينما يتيح الخط الجانبي استشعار حركة الماء والاهتزازات القريبة.
قد تبدأ بعض الأفراد التحرك قبل غيرها أو تؤثر في اتجاه المجموعة أكثر خلال موقف معين. هذا يجعلها مبادرة للحركة في تلك اللحظة، من غير أن يحول السرب إلى بنية ثابتة تقودها سمكة واحدة. فانتشار التحول يظل معتمدًا على استجابات موزعة داخل المجموعة.
يمكن تفكيك الدوران بصريًا من أمام الحوض، وهي ملاحظة تصلح للكبار والأطفال. اختر سمكة في وسط السرب، ثم تابعها مع أقرب جيرانها لمدة خمس ثوان بدل متابعة المجموعة كلها دفعة واحدة.
سيظهر التحول على هيئة تغييرات صغيرة متتابعة: تقل المسافة بين سمكتين، فتعدل إحداهما سرعتها؛ تتغير زاوية جار قريب، فتقترب السمكة من اتجاهه؛ ثم ينتقل التعديل إلى فرد ثالث. بعد ذلك يصبح الانحناء الواسع للسرب مرئيًا، مع أنه بدأ كسلسلة من تصحيحات محلية بين جسم وآخر.