الببغاوات القرمزية هي واحدة من أكثر أنواع الببغاوات شهرة في القارة الأمريكية، وهي مطلوبة بشدة كحيوانات أليفة بسبب ألوان ريشها الزاهية. تشتهر هذه الببغاوات الكبيرة الملونة أيضًا على نطاق واسع بالعلاقات الطويلة الأمد التي تربطها بشريكها. لكن يبدو أنها لا تكوّن علاقات قوية مع صغارها.
وثقت دراسة جديدة عن الببغاوات
ADVERTISEMENT
القرمزية البرية التي تعيش في غابات محمية تامبوباتا الوطنية في بيرو، ما كان معروفًا منذ فترة طويلة لمربي الطيور الذين يعملون مع الببغاوات القرمزية المرباة في الأسر: وهو أن الآباء يهملون بعض صغارهم، ما يتسبب في وفاتهم جوعًا، حتى عندما يتوفر الكثير من الطعام. نقدّم في هذه المقالة ما تمخّض عن هذه الدراسة الجديدة.
الصورة بواسطة Cristel Chu على wikimedia
الببغاء القرمزي في محمية تامبوباتا الوطنية في البيرو
ADVERTISEMENT
الدراسة:
قام فريق من الباحثين في كلية الطب البيطري والعلوم الطبية الحيوية بجامعة تكساس إيه آند إم (Texas A&M) بالتحقيق لمعرفة السبب.
تركز أبحاث الفريق على مجموعة واسعة من الموضوعات المتعلقة بالببغاوات، بما في ذلك الحفاظ على الببغاوات، واستخدام الطين، والتعشيش، والحركات، واستخدام الموائل. ويقول المؤلف الرئيسي للدراسة، دونالد برايتسميث: ”يعرف العلماء منذ سنوات أن الببغاوات القرمزية تفقس صغارًا أكثر مما تربي، ولكننا وجدنا أن 26٪ من الفراخ الثانية في أعشاش الببغاوات القرمزية وجميع الفراخ الثالثة والرابعة تقريبًا تموت قبل أن تبلغ مرحلة الطيران“.
الصورة بواسطة roshan_bhatia على pixabay
الببغاء القرمزي (Ara macao)
وهذا السلوك الغريب يطرح بعض الأسئلة: لماذا يحدث هذا؟ هل تهاجم الببغاوات الصغيرة بعضها البعض وتقتل بعضها؟ هل يستجيب الآباء لنقص الطعام بتجاهل صرخات الصغار الأضعف؟ في الواقع، ليس التنافس بين الأشقاء هو السبب، ولا نقص الطعام، بل إن الآباء يتوقفون عن إطعام بعض الفراخ، فتتضور جوعًا حتى الموت.
ADVERTISEMENT
كيف يقرر والدا الببغاء أي الفراخ سيهملون؟
وفقًا لهذه الدراسة، يبدو أن أعمار الفراخ وأحجام أجسامها هي العوامل الحاسمة، حيث يستفيد الفرخ الأكبر سنًا والأكبر حجمًا في العش من اختيار والديه. فالببغاوات القرمزية تضع بيضها على مدى عدة أيام بدلاً من وضعها دفعة واحدة، ما يعني أن الصغار لا يفقسون في نفس اليوم. فإذا فقس الفرخ الثاني بعد يومين فقط من الفرخ الأول، فهناك احتمال كبير أن يطعمه الوالدان. ولكنْ، إذا فقس بعد أربعة أو خمسة أيام أو أكثر من الفرخ الأول، فمن المحتمل أن يتجاهله الوالدان ويتركاه يموت.
وبالنظر إلى أن متوسط عدد بيض الببغاء القرمزي يتكون عادة من أربعة بيضات، فإن هذا يعني أن فرخين في كل فقس سيتضوران جوعًا حتى الموت، لذا لا بد أن هناك سببًا تطوريًا لذلك.
الصورة بواسطة Olahgy على wikimedia
صغار الببغاء القرمزي مختلفة العمر والحجم
ADVERTISEMENT
اشتبه فريق البحث في أن فراخ الببغاء القرمزي تحتاج إلى أنواع مختلفة من الرعاية الأبوية أثناء نموها. على سبيل المثال، يحتاج بعض الصيصان إلى التغذية بينما يحتاج البعض الآخر إلى الحضانة، ما يساهم في ارتفاع معدلات الإهمال والموت جوعًا.
ما الذي يحدد الفرق بين البقاء على قيد الحياة والموت بالنسبة لهذه الفراخ؟
لتحديد ما إذا كانت الموارد الكافية هي المشكلة، قام أحد أعضاء فريق البحث، بتمييز الأشجار ومراقبتها لتقدير كمية الفاكهة ــــــ وهي المصدر الرئيسي لغذاء الببغاوات القرمزية ــــــ التي يمكن العثور عليها في المحمية حيث أجريت الدراسة التي امتدت لعدة سنوات. ولم توجد أي صلة بين ندرة الغذاء وموت الصغار جوعًا.
لمراقبة ما تفعله الببغاوات في أعشاشها، قام الفريق بتركيب كاميرات فيديو في صناديق الأعشاش الاصطناعية في المحمية، وجمعوا وحللوا مقاطع الفيديو على مدى عشر سنوات.
ADVERTISEMENT
في الوقت نفسه، قاموا أيضًا بفحص الأعشاش لمعرفة أي الفراخ يتم إطعامها. وهكذا توصلوا إلى استنتاج مفاده أن بعض الفراخ كانت تتضور جوعًا عمدًا.
وأوضح الأستاذ برايتسميث: ”من السهل جدًا معرفة متى تكون حوصلة الصغار ممتلئة بالطعام. وقد التقطنا مقطع فيديو لأنثى الببغاء وهي تحاول إطعام صغيريها الأكبر سنًا بشكل مفرط، بينما كان الصغير الثالث يركض ببطء حول قاعدة العش بحوصلة فارغة، متوسلاً للحصول على الطعام“.
ومما يثير القلق أن أنثى الببغاء لم تقتصر على عدم إطعام صغارها الأصغر والأكثر جوعًا، بل رفضت حتى تدفئتها؛ فالفراخ في هذا العمر لا تستطيع تنظيم درجة حرارة أجسامها، لذا فهي بحاجة إلى البقاء في العش، وكانت الأم لا تشارك حتى حرارة جسدها مع صغارها المحتضرة.
ومن الغريب أن والدي الببغاء لا يتفقان دائمًا على أي من الصغار سيتجاهلانه حتى الموت؛ فأحيانًا تبدأ أنثى الببغاء في دفن الصغير الذي قررت عدم إطعامه عن طريق ركل رمل العش فوقه. ولكن بعد ذلك يعود الأب إلى المنزل ويُخرج الصغير من تحت الرمل ويطعمه.
ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة Morty Smith على unsplash
أي جمال... وأية قسوة...
إن فقدان ما يقرب من نصف صغار الببغاء القرمزي التي تفقس في كل موسم تكاثر يمثل خسارة فادحة، فضلاً عن إهدار للطاقة. هل من الممكن إنقاذ هذه الصغار البرية المهملة من الموت جوعًا؟
هل يمكن الحدّ من وفيات الصغار؟
نعم. في الواقع، طور الفريق برنامجًا لإنقاذ هذه الصيصان ومنحها فرصة للحياة. يتلخّص البرنامج بإخراج الصيصان المهملة من العش وتربيتها في الأسر لعدة أسابيع، قبل وضعها في أعشاش الببغاوات التي فقدت صيصانها بسبب الافتراس، أو التي كان لديها صيصان في مرحلة نمو مماثلة. بهذا التبني المفروض أمكن إنقاذ الصيصان المهملة التي كانت ستلقى حتفها بشكل مؤكد. ولكن يجب التأكد من أن الصيصان تبدو جميعها بنفس الحجم تقريبًا، فهذا يشجع الآباء الجدد على رعاية الصيصان المتبناة كما لو كانت صيصانهم.
ADVERTISEMENT
الخاتمة:
لا ينجح هذا البرنامج في إنقاذ فراخ الببغاوات البرية من الموت جوعًا فحسب، بل يوفر لها أيضًا فرصة النمو والعيش كببغاوات برية، بفضل رعاية آبائها بالتبني. وقد أنقذ برنامج الفراخ بالتبني حتى الآن، خلال ثلاثة مواسم تكاثر، حياة 28 فرخًا من الببغاوات.
وعلى الرغم من أن الببغاوات القرمزية ليست مهددة بالانقراض، إلا أن العديد من أنواع الببغاوات الأخرى مهددة بالانقراض، لذا يمكن تكييف هذا البرنامج لمساعدة الببغاوات المهددة بالانقراض على زيادة أعدادها.
شيماء محمود
ADVERTISEMENT
هل تتعلم من الاستماع بقدر ما تتعلم من القراءة؟
ADVERTISEMENT
أصبحت مسألة ما إذا كنا نتعلم من الاستماع بقدر ما نتعلم من القراءة مسألة ملحة في عصر تهيمن عليه الكتب الصوتية والبودكاست والتقنيات المساعدة الصوتية. فبينما تنقل كلتا الطريقتين المعلومات، إلا أنهما تُشغلان الدماغ بطرق مختلفة. ترتبط القراءة تقليديًا بمعالجة معرفية أعمق، مما يسمح بإعادة القراءة والتدوين والتعزيز البصري. أما
ADVERTISEMENT
الاستماع، من ناحية أخرى، فيوفر فورية ودقة عاطفية والقدرة على القيام بمهام متعددة. ووفقًا للدراسات الحديثة، غالبًا ما تكون مستويات الفهم بين القراءة والاستماع متقاربة عندما تكون المادة بسيطة ويكون المستمع مركزًا. ومع ذلك، عندما تزداد درجة التعقيد - كما هو الحال في النصوص الأكاديمية أو الحجج المجردة - تميل القراءة إلى توفير ميزة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القراءة تسمح بالتحكم في الوتيرة والبنية، مما يمنح المتعلم وقتًا للتوقف والتفكير ومراجعة المقاطع الصعبة. أما الاستماع، فعلى الرغم من أنه غامر، فهو خطي وعابر ما لم يتم إيقافه مؤقتًا أو إعادة تشغيله. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من المتعلمين، وخاصة السمعيين، يمكن أن يكون الاستماع فعالًا بنفس القدر، لا سيما عند اقترانه بتدوين الملاحظات أو المناقشة. ويكمن المفتاح ليس في الوسيلة نفسها، بل في كيفية استخدامها. فيمكن أن تؤدي كل من القراءة والاستماع إلى تعلم ذي معنى إذا تم التعامل معهما بقصد واهتمام واستراتيجيات مناسبة.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة fauxels على pexels
المشاركة المعرفية وتنشيط الدماغ
أظهرت الأبحاث العصبية أن القراءة والاستماع ينشطان مناطق متداخلة ولكنها متميزة في الدماغ. تُشغل القراءة القشرة البصرية ومراكز اللغة والمناطق المسؤولة عن فك رموز الرموز وبناء المعنى. إنها تتطلب مشاركة نشطة، حيث يجب على القارئ ترجمة الرموز المكتوبة إلى تمثيلات ذهنية. في المقابل، ينشط الاستماع القشرة السمعية ويُشغل مراكز المعالجة العاطفية والاجتماعية، خاصةً عندما تنقل نبرة المتحدث ونبرة صوته معنى إضافيًا. تكشف الدراسات التي تستخدم فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن كلتا الطريقتين تُحفزان شبكات الفهم، لكن القراءة تميل إلى إنتاج تنشيط أكثر استدامة في المناطق المتعلقة بتعزيز الذاكرة والتفكير النقدي. أما الاستماع، فعلى الرغم من قوته في نقل السرد والعاطفة، فقد يؤدي إلى مشاركة عابرة أكثر ما لم يتم تعزيزه من خلال التكرار أو التفاعل. يصبح هذا التمييز مهمًا في السياقات التعليمية. على سبيل المثال، غالبًا ما يحتفظ الطلاب الذين يقرأون الكتب المدرسية بمزيد من التفاصيل والبنية مقارنةً بمن يستمعون إلى المحاضرات بشكل سلبي. ومع ذلك، عندما يكون الاستماع تفاعليًا - كما هو الحال في الحوار السقراطي أو سرد القصص - يمكن أن يُنافس القراءة أو حتى يتفوق عليها من حيث المشاركة والاستيعاب. يلعب الحمل المعرفي أيضًا دورًا. فالقراءة تسمح للمتعلمين بالتحكم في الوتيرة وتقليل الحمل الزائد، بينما يتطلب الاستماع معالجة في الوقت الفعلي، مما قد يكون صعبًا بالنسبة للمواد المعقدة. في نهاية المطاف، يتكيف الدماغ مع كلا الشكلين، لكن عمق التعلم ومتانته قد يعتمدان على قدرة المتعلم على إدارة الانتباه ودمج المعلومات عبر الوسائل المختلفة.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Andrea Piacquadio على pexels
أنماط التعلم والتفضيلات والسياقات
تلعب الاختلافات الفردية دورًا مهمًا في تحديد ما إذا كان الاستماع أو القراءة أكثر فعالية. فبعض الناس متعلمون سمعيون بطبيعتهم، حيث يستوعبون المعلومات بشكل أفضل من خلال الكلمات المنطوقة أو الموسيقى أو المحادثة. والبعض الآخر متعلمون بصريون يفضلون النصوص المكتوبة والرسوم البيانية والتنظيم المكاني. قد يستفيد المتعلمون الحركيون من الجمع بين كلتا الطريقتين مع المشاركة الجسدية، مثل كتابة الملاحظات أو مناقشة الأفكار بصوت عالٍ. تختلف التفضيلات أيضًا حسب السياق. يُعد الاستماع مثاليًا للتعلم أثناء التنقل - أثناء التنقلات اليومية أو التمارين الرياضية أو الأعمال المنزلية - بينما تُفضل القراءة غالبًا في البيئات الهادئة التي تتطلب تركيزًا. ويؤثر العمر والتطور المعرفي أيضًا على فعالية الطريقة. قد يستفيد الأطفال الصغار أكثر من الاستماع، خاصةً عند اقترانه بإشارات بصرية، بينما غالبًا ما يطور الطلاب الأكبر سنًا والبالغون مهارات فهم قراءة أقوى. كما أن إتقان اللغة مهم أيضًا. بالنسبة لمتعلمي اللغة الثانية، قد توفر القراءة بنية أوضح وتعزيزًا للمفردات، بينما يوفر الاستماع فرصة للتعرف على النطق والإيقاع الحواري. إن إمكانية الوصول هي عامل آخر. وتجعل الكتب الصوتية والبودكاست التعلم أكثر شمولاً للأشخاص الذين يعانون من إعاقات بصرية أو صعوبات في القراءة. في البيئات المهنية، ويمكن أن يوفر الاستماع إلى العروض التقديمية أو المقابلات سياقًا ونبرة قد تفتقر إليها التقارير المكتوبة. على العكس من ذلك، تسمح قراءة الكتيبات الفنية أو الأوراق البحثية بالدقة والعمق.
ADVERTISEMENT
الصورة على cdn.thecollector
تصميم التعلم للمستقبل
مع استمرار التكنولوجيا في إعادة تشكيل كيفية وصولنا إلى المعلومات، يصبح التمييز بين الاستماع والقراءة أقل تركيزًا على المنافسة وأكثر على التكامل. تقدم المنصات التعليمية بشكل متزايد محتوى بكلتا الصيغتين، إدراكًا منها أن المتعلمين يستفيدون من الاختيار والمرونة. تعمل واجهات الصوت والمعلمون الافتراضيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي والتجارب الصوتية الغامرة على توسيع إمكانيات التعلم السمعي، بينما توفر أدوات القراءة الرقمية إمكانية إضافة التعليقات والبحث والوتيرة التكيفية. يكمن مستقبل التعلم في التخصيص - مطابقة تقديم المحتوى للاحتياجات والأهداف والسياقات الفردية. بالنسبة للمعلمين ومنشئي المحتوى، فهذا يعني تصميم مواد نمطية ومتعددة الوسائط ومتجاوبة. أما بالنسبة للمتعلمين، فيعني ذلك تنمية ما وراء المعرفة - القدرة على التفكير في كيفية تعلمهم بشكل أفضل وتكييف الاستراتيجيات وفقًا لذلك. وتشير الأبحاث إلى أن الجمع بين الاستماع والقراءة يمكن أن يؤدي إلى فهم أعمق، خاصةً عندما يشارك المتعلمون بنشاط من خلال تدوين الملاحظات والتلخيص والمناقشة. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت إحدى الطريقتين متفوقة، بل كيف يمكن تحسين كل منهما. يوفر الاستماع التعاطف والفورية والتدفق السردي. توفر القراءة البنية والعمق والوضوح التحليلي. وتشكل هذه العناصر مجتمعةً أداةً قويةً للتعلم مدى الحياة. في عالمٍ تتوفر فيه المعلومات بكثرة ويندر فيه التركيز، لم تعد القدرة على التعلم بفعالية عبر مختلف الوسائل مجرد مهارة، بل هي شكل من أشكال المعرفة الأساسية.
عبد الله المقدسي
ADVERTISEMENT
زيارة المحرق، العاصمة القديمة وثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان في البحرين: السكان، صيد اللؤلؤ، المواقع التراثية، والمركز التجاري.
ADVERTISEMENT
زيارة المحرق أشبه برحلة عبر ذاكرة البحرين الحية، حيث يلتقي ماضي البلاد بحاضرها في مدينة نابضة بالحياة، يسهل استكشافها سيرًا على الأقدام، غنية بالثقافة والقصص والتراث البحري. لطالما كانت المحرق، العاصمة السابقة وثالث أكبر مدن المملكة من حيث عدد السكان، مركزًا للهوية والتقاليد، تشكلت عبر قرون من التجارة والهجرة والحرف
ADVERTISEMENT
اليدوية. تكشف أزقتها الضيقة ومنازل التجار المُرممة وأسواقها الصاخبة عن مدينة نمت بشكل طبيعي حول سكانها، محافظةً على إيقاع الحياة اليومية الذي كان يميز الأرخبيل بأكمله. على عكس أفق المنامة الحديث، تقدم المحرق تجربة أكثر حميمية، تدعو الزوار إلى التمهل والاستكشاف سيرًا على الأقدام، والتعرف على تفاصيل الحياة البحرينية من خلال هندستها المعمارية وروائحها وأصواتها. يساهم سكان المدينة، بتنوعهم الذي يضم عائلات بحرينية عريقة وجاليات وافدة وحرفيين، في طابعها الديناميكي، ويضمن تعايش التقاليد والحداثة بانسجام فريد. رغم نموها، حافظت المحرق على طابعها التاريخي الأصيل، بأحيائها التي لا تزال تعكس عبق عصر اللؤلؤ، ومساحاتها العامة التي تعكس كرم الضيافة البحرينية. فسواء كنت تتجول في أحيائها التاريخية، أو تتذوق أطباقًا تقليدية كالمجبوس والحلوى، أو تشاهد الصيادين يعودون إلى الشاطئ عند غروب الشمس، فإن المدينة تقدم لك لمحة نادرة عن جذور أمة لطالما اتجهت أنظارها نحو البحر بحثًا عن الفرص والتواصل والهوية.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Zairon على wikipedia
مدينة بُنيت على اللؤلؤ والبراعة البحرية
قبل أن يُغير النفط اقتصاد البحرين، كان اللؤلؤ شريان الحياة في المحرق، مُشكلاً اقتصادها وثقافتها ونسيجها الاجتماعي لأجيال. ولقرون، كانت المدينة بمثابة القلب النابض لصناعة اللؤلؤ في الخليج، حيث كانت تُرسل أساطيل من المراكب الشراعية إلى مياهها الفيروزية بحثًا عن أثمن كنوز المنطقة الطبيعية. أثرت تجارة اللؤلؤ على جميع جوانب الحياة هنا، بدءًا من الأغاني التي كان الغواصون يرددونها للحفاظ على الإيقاع خلال رحلاتهم الطويلة، مرورًا بهندسة بيوت التجار التي بُنيت لتخزين اللؤلؤ وتداوله، وصولًا إلى الإيقاعات الموسمية التي كانت تحدد مواعيد رحيل الرجال إلى البحر ولقاءات العائلات. كانت واجهة المدينة البحرية تعج بالغواصين والقباطنة والتجار والحرفيين الذين كانوا ينظفون اللؤلؤ ويفرزونه ويجهزونه للأسواق الممتدة من الهند إلى أوروبا. واليوم، يُحفظ إرث هذه الحقبة من خلال أحواض بناء السفن الشراعية المُرممة، والمنازل التقليدية، والمراكز الثقافية التي تروي قصة مجتمع بُني على الشجاعة والصمود والمعرفة العميقة بالبحر. لم تكن تجارة اللؤلؤ مجرد نشاط اقتصادي، بل كانت أسلوب حياة يتطلب العمل الجماعي والثقة والمرونة، ولا يزال تأثيرها واضحًا في قيم وتقاليد المجتمع البحريني. لا يزال بإمكان زوار المحرق استشعار عبق الماضي البحري في أحيائها الساحلية، حيث يمتزج عبير البحر برائحة التوابل من الأسواق المجاورة، وحيث يواصل الحرفيون بناء وترميم المراكب الشراعية الخشبية باستخدام تقنيات توارثتها الأجيال.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Kim Kash على wikipedia
ممر اللؤلؤ التابع لليونسكو: موقع تراثي حي
يُعدّ ممر اللؤلؤ أحد أعظم كنوز المحرق، وهو موقع مُدرج على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، يمتد عبر المدينة ويحفظ الإرث المعماري والثقافي لعصر اللؤلؤ في البحرين. يضم هذا المشروع الرائع عشرات المباني المُرمّمة، من بيوت التجار وأحواض بناء السفن الشراعية إلى مخازن ومساجد ومساكن عائلات بارزة في تجارة اللؤلؤ، يُتيح كل منها نافذةً على العصر الذهبي للمدينة. يُشبه التجول في ممر اللؤلؤ رحلةً عبر الزمن، إذ يكشف كل مبنى عن طبقة مختلفة من تاريخ المدينة ويُبرز فن العمارة البحرينية التقليدية - أبراج الرياح المُصممة لتبريد المنازل طبيعيًا، وجدران الحجر المرجاني التي تسمح بدخول حرارة الخليج، وشاشات المشربية الخشبية التي تُصفّي ضوء الشمس، والساحات المفتوحة التي كانت تستضيف في الماضي تجمعات العائلات. كانت هذه المباني ملكًا لتجار لعبوا أدوارًا محورية في تجارة اللؤلؤ، وتعكس منازلهم الثراء والحرفية، حيث تمزج بين المواد المحلية وتأثيرات من الهند وبلاد فارس وشرق إفريقيا. يضمّ المسار أيضًا قلعة بو ماهر، وهي موقع ساحلي كان يُستخدم كنقطة انطلاق لأسطول صيد اللؤلؤ، ويُعدّ اليوم رمزًا لصمود البحرين البحري. ما يُميّز مسار اللؤلؤ حقًا هو اندماجه في المدينة النابضة بالحياة. فبدلًا من عزل التراث خلف جدران المتاحف، نسجته البحرين في الحياة اليومية للمحرق، مما يُتيح للزوار فرصة عيش التاريخ وسط أحياء عصرية. يلعب الأطفال بالقرب من ساحات مُرمّمة، وتجتمع العائلات في ساحات ظليلة، ويختلط الزوار بالسكان المحليين أثناء استكشافهم للمسار التاريخي. لا يقتصر اعتراف اليونسكو على المباني فحسب، بل يشمل أيضًا الممارسات الثقافية والأغاني والتقاليد التي لا تزال تُشكّل الهوية البحرينية.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Andries Oudshoorn على wikipedia
مركز تجاري مزدهر بنبض عصري
بينما تتجذّر المحرق بعمق في ماضيها، إلا أنها لا تزال مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا حيويًا في البحرين الحديثة، حيث تُوازن بين التراث والابتكار. بفضل موقعها الاستراتيجي بالقرب من مطار البحرين الدولي وقربها من طرق النقل الرئيسية، تُعدّ المحرق بوابةً مهمةً للتجارة والسياحة والسفر الدولي. وتستمر أسواقها التقليدية، مثل سوق القيصرية، في الازدهار، حيث تُقدّم كل شيء من التوابل والمنسوجات إلى المجوهرات المصنوعة يدويًا والعطور والحلويات المحلية مثل الخنفروش والحلوى. تحافظ هذه الأسواق على روح التجارة التي ميّزت المحرق لقرون، ممزوجةً بسحر العالم القديم وحيوية العصر الحديث، جاذبةً السكان المحليين والزوار الباحثين عن المنتجات البحرينية الأصيلة. وإلى جانب أسواقها، تضم المدينة مؤسسات ثقافية ومعارض فنية وأماكن للعروض تُحتفي بالإبداع البحريني وتستضيف المهرجانات والمعارض والفعاليات المجتمعية على مدار العام. وقد أصبح حي المحرق الثقافي، بمنازله المُرمّمة ومتاحفه الحديثة، مركزًا رئيسيًا للسياحة الثقافية، مُبرزًا التزام المدينة بالحفاظ على تراثها مع احتضان الحداثة. تعكس التطورات التي تشهدها واجهة المدينة البحرية دورها المتنامي كمركز سياحي وترفيهي، حيث توفر المقاهي والمتنزهات وإطلالات على المراكب الشراعية التقليدية الراسية على طول الشاطئ. وعلى الرغم من التحديث، حافظت المحرق على أصالتها، محققةً توازناً بين التقدم والحفاظ على التراث، وضامنةً ترابط أحيائها، وحيوية تقاليدها، وهويتها البحرينية المميزة. تقدم المدينة لزوارها مزيجاً ثرياً من التاريخ والثقافة والتجارة، حيث يُثري الماضي الحاضر، وتحكي كل زاوية فيها قصة صمود وحرفية وارتباط بالبحر.