قد تكون "ذيول" فراشات خطافية الذيل أكثر من مجرد زينة
ADVERTISEMENT
قد يكون الجزء الذي يبدو أشدَّ زينة هو نفسه الجزء الأكثر إعدادًا للتعرّض للهجوم: تلك الذيول الطويلة في الجناحين الخلفيين لدى فراشة الخطّاف قد تعمل كطُعمٍ خادع، فتجذب المفترس إلى حافة الجناح القابلة للتضحية بدلًا من جسم الفراشة.
يبدو ذلك، للوهلة الأولى، مناقضًا للحدس. نحن
ADVERTISEMENT
نرى الأناقة. أما الطائر، وهو ينقضّ بسرعة، فقد يرى هدفًا متدلّيًا وراءها.
تلك اللمسة الجميلة عند الحافة هي حيث تبدأ الحيلة
تأمّل الجناح الخلفي لحظة. الذيول تقع عند الحافة الخارجية، رفيعةً وهشّة، وغالبًا ما تكون قرب علاماتٍ تشدّ بصرك إلى الخلف. ليست مطويةً في موضع آمن. إنها بارزة في المكان الذي يمكن للضربة أن تبلغه أولًا.
وهذا الموضع مهم. فإذا التقط طائرٌ مؤخرةَ الفراشة بمنقاره، فإن تمزّق جزءٍ من الجناح يبقى سوء حظ، لكنه ليس كتحطيم الصدر أو عضّ الرأس. وبعبارة مباشرة: قد يكون الضرر عند الحافة الخلفية قابلًا للنجاة؛ أما الإصابة في الجسم نفسه فغالبًا ليست كذلك.
ADVERTISEMENT
هذا هو المنطق الأساسي لتحويل مسار الهجوم. لا تحتاج الفراشة إلى أن يخطئ الطائر بمسافة كبيرة. كل ما تحتاجه هو أن تقع الضربة على شيءٍ أقل كلفة.
الجمال كما يُرى من جهة المفترس
لاحظ علماء الطبيعة منذ زمن طويل أن كثيرًا من الفراشات تضع أكثر تفاصيلها لفتًا للنظر قرب حافة الجناح الخلفي، ولا سيما في الأنواع التي تحمل ذيولًا صغيرة أو فصوصًا أو علامات تشبه العيون قرب الزاوية الخلفية. وفي بعض الفراشات، تساعد تلك العلامات على صنع أثر «رأس زائف»: إذ يبدو الطرف الخلفي شبيهًا بما يكفي بالطرف الأمامي ليربك المهاجم بشأن موضع الرأس الحقيقي.
والفكرة الأوسع بسيطة. فالمفترسات لا تتأمل التناظر إعجابًا. إنها تبادر إلى انقضاض سريع على ما يبدو مكشوفًا ومتحركًا وسهل الالتقاط. والحافة المتأخرة هي، بالضبط، من هذا النوع من الأهداف.
ADVERTISEMENT
والآن السؤال المفيد: حين تنظر إلى فراشة ذات ذيل، أيُّ جزءٍ سيكون أرجح لأن يلتقطه طائر سريع أولًا: الجسم الغليظ في الوسط، أم الحافة الخلفية الرفيعة التي تبرز وراءه؟
اللحظة التي لم تعد فيها الفكرة مجرد نظرية لطيفة
في عام 2022، اختبر أنطوان شوتار وزملاؤه هذا الأمر مباشرةً لدى فراشة الخطّاف النادرة،Iphiclides podalirius. وبدلًا من الاكتفاء بالحديث بعبارات عامة، استخدموا نماذج على هيئة فراشات أتاحت لهم مقارنة مواضع الهجمات حين تكون الذيول في الجناحين الخلفيين موجودة أو معدّلة. وكان السؤال المحدد والواضح هو: هل تساعد الذيول على إعادة توجيه الضربات بعيدًا عن الأجزاء الأكثر أهمية؟
وقد دعمت النتيجة فكرةَ تحويل مسار الهجوم. وبصياغة أبسط، ساعدت الذيول على جذب الهجمات نحو منطقة الجناح الخلفي بدلًا من الجسم. وهذا لا يجعل الفراشة منيعة، لكنه يعني أن الجزء الذي يبدو أشد هشاشة قد يحسّن فرص النجاة من الضربة الأولى.
ليست كل أجزاء جناح الفراشة سواءً من منظور البقاء. فالضرر عند الحواف قد يترك الحشرة ممزقة الأطراف لكنها حيّة، وما تزال قادرة على الطيران أو التزاوج أو التغذي. أما الضرر الذي يصيب الجسم فمسألة أخرى.
ولهذا تبدو هذه الذيول مثيرة للاهتمام إلى هذا الحد. فهي توحي بالرهافة، بينما تقع تمامًا في الموضع الذي يُرجَّح أن يناله نقر العدو أولًا. ويمكن للسمة نفسها أن تكون جميلةً في نظرنا وتضحيةً في وظيفتها. وليس هذان معنَيَيْن متعارضين. فقد تكون السمة الواحدة تؤدي الوظيفتين معًا.
ومع ذلك، يجدر بنا أن نكون حذرين هنا. فليس كل ذيل لدى كل نوع من الفراشات يؤدي الغرض نفسه، كما أن الأدلة على المحاكاة أو تحويل مسار الهجوم أقوى في بعض السلالات منها في غيرها.
ADVERTISEMENT
وتمنحنا فراشة الخطّاف النادرة دعمًا خاصًا بهذا النوع من دراسة شوتار وآخرين (2022). كما تضيف أبحاث «الرأس الزائف» وتحويل المسار في فراشات أخرى سياقًا أوسع، ولا سيما لدى فراشات الهيرستريك والمجموعات القريبة منها، لكن لا ينبغي اختزال جميع الفراشات ذات الذيول في قصة واحدة.
ما الذي يجدر بك ملاحظته عندما تمرّ واحدة منها بقربك
من العادات الجيدة في الميدان أن تتوقف لحظة عن تأمل الحشرة كلها، وأن تفحص حافة الجناح الخلفي. فإذا رأيت ذيولًا أو بقعًا صغيرة شبيهة بالعيون أو علامات متجمعة قرب زاوية الجناح الخلفي، فاسأل نفسك: أيُّ جزءٍ من الفراشة يمكن للمفترس أن يلتقطه خطأً وتظل قادرة على تحمّل ذلك؟
انظر أولًا إلى الهدف الأكثر قابلية للتضحية، لا إلى الأجمل.
إمري كايا
ADVERTISEMENT
ساعدت عشرينيات القرن العشرين على تحويل جهاز الراديو الطاولي العتيق إلى عنصر أساسي في المنزل
ADVERTISEMENT
ما يبدو صندوقًا خشبيًا هادئًا على حامل كان في يوم من الأيام نقطة قيادة منزلية، وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين أصبح عنصرًا عاديًا حاضرًا في البيوت وله تأثير اجتماعي حقيقي. لقد صار جهاز الراديو المنضدي العتيق قطعة أثاث قبل أن يغدو تقنية غير مرئية.
ولهذا يمكن أن يبدو الجهاز القديم أثقل
ADVERTISEMENT
شأنًا من مجرد إكسسوار قديم الطراز. فهو لم يبدأ حياته بوصفه بقايا لطيفة تبعث على الحنين. بل دخل المنزل باعتباره جهازًا كان على الناس أن يفسحوا له مكانًا، وأن يصغوا إليه، وأن يبنوا جزءًا من أمسياتهم حوله.
تصوير Airon J على Unsplash
لماذا استولى هذا الصندوق الصغير على الغرفة
اليوم، غالبًا ما يُقرأ الراديو المنضدي بوصفه قطعة ديكور. يوضع في مكان قد توضع فيه مصباح أو نبتة، جميلًا ومكتفيًا بذاته. لكنه في سنواته الأولى داخل المنزل لم يكن سلبيًا على الإطلاق.
ADVERTISEMENT
كانت أجهزة الراديو في أوائل عشرينيات القرن العشرين كثيرة الصعوبة في التشغيل. وقد أوضح Smithsonian أن كثيرًا من الأجهزة المبكرة كانت تتطلب مهارة وصبرًا، وهو ما جعلها في البداية من نصيب الهواة والمولعين بالتجريب أكثر من كونها جزءًا من حياة عائلية هادئة. ثم، بحلول عام 1926 تقريبًا، أخذت الأجهزة تصبح أسهل في الاستخدام، وصار كثير منها يُدمج في خزائن تبدو أقرب إلى الأثاث منها إلى معدات المختبر.
وكان لهذا التحول أثر أكبر مما قد يبدو. فما إن لم يعد الراديو يبدو كأنه تجربة على منضدة عمل، حتى أمكن نقله إلى الصالون أو غرفة المعيشة أو أي غرفة كانت تجمع الأسرة في نهاية اليوم. لم تكن الأسرة تشتري الصوت فحسب، بل كانت تمنح ذلك الصوت مكانًا يعيش فيه.
وكانت سرعة هذا التحول لافتة. ففي عام 1923، كان نحو 1 بالمئة من الأسر الأمريكية يملك جهاز راديو. وبحلول عام 1931، أصبحت الأغلبية تملك واحدًا. وبحلول عام 1937، كان نحو ثلاثة أرباع الأسر يملكون جهازًا. وهذه الأرقام، الشائعة على نطاق واسع في تاريخ الإذاعة الأمريكية، تُظهر مدى السرعة التي تحوّل بها جهاز متخصص إلى قطعة أثاث منزلية عادية.
ADVERTISEMENT
وتتسارع قصة الانتشار حين تُعرض ببساطة. جاءت أولًا الأجهزة التي لا يشغلها إلا الخبراء. ثم جاءت الأجهزة الأسهل استخدامًا بحلول عام 1926. ثم جاء انتشارها السريع في البيوت العادية. وبحلول أوائل ثلاثينيات القرن العشرين، لم يعد الراديو مجرد طرافة في كثير من البيوت الأمريكية. لقد صار جزءًا من الغرفة.
اللحظة التي يعود فيها الديكور ليصير سلطة
والآن عد إلى ذلك الراديو المنضدي القديم الجالس بهدوء في المكان الذي اعتدنا أن نراه فيه. قد يخدعك سكونه. ففي سنوات عمله، لم يكن ذلك الصندوق نفسه زينة الغرفة، بل كان مركز اهتمامها.
ويمكنك أن تدرك السبب سمعيًا. فالأسرة التي كانت تستمع في عشرينيات القرن العشرين أو أوائل الثلاثينيات كانت كثيرًا ما تسمع طنينًا كهربائيًا خافتًا تحت البث، ثم أصواتًا تصل مكتومة قليلًا، كأنها مضغوطة عبر القماش والهواء معًا. وكان الاستماع يتطلب توجّهًا. كان الناس يواجهون الجهاز لأن التقاط الكلمات والموسيقى كان يطلب من الجسد أكثر مما يطلبه نظر عابر.
ADVERTISEMENT
وقد شكّلت هذه الحقيقة المادية ترتيب الأثاث. فكانت الكراسي تبدو أليق إذا وُجهت نحو الراديو بدل أن تُبعثر لقراءة فردية. وكانت الطاولات الجانبية والحوامل مهمة لأن الجهاز كان يحتاج إلى موضع ثابت ومرئي. وتغيّر الروتين المسائي أيضًا: كان الناس يجتمعون من أجل البرامج المجدولة والإعلانات والموسيقى والكوميديا والأخبار في أوقات محددة، لأن الإذاعة كانت تدفقًا تنضم إليه معًا، لا أرشيفًا خاصًا تستدعيه متى شئت.
وهنا الجزء الذي يفوت كثيرين منا: كان على الراديو المنضدي أن يصير أولًا أثاثًا مرئيًا قبل أن يتلاشى في الحياة اليومية المألوفة. فقد قبلته البيوت أولًا بوصفه جزءًا من الغرفة، شيئًا له خزانة وموقع ومطالبة اجتماعية بالانتباه. وبعد ذلك فقط بدأ يبدو طبيعيًا إلى حد يمكن معه التغاضي عنه.
لم تحصل كل البيوت على القصة نفسها مع الراديو
ADVERTISEMENT
كان هذا النمط واسع الانتشار، لكنه لم يكن شاملًا. فقد كان الدخل عاملًا مهمًا. وكذلك حال الكهرباء، وإمكانية الوصول المحلية، والجغرافيا، والسياق الوطني. حصلت بعض البيوت على أجهزة الراديو مبكرًا ووضعتها بفخر في الغرف المشتركة. بينما حصلت بيوت أخرى عليها لاحقًا، أو استخدمت أجهزة تعمل بالبطاريات، أو أدمجتها في المنزل على نحو مختلف لأن إمداد الطاقة والكلفة والمساحة جعلت ذلك الخيار العملي الوحيد.
وهذا القيد الصادق يجعل النمط الأكبر أقوى لا أضعف. فلم يصبح الراديو معيارًا منزليًا إلا عبر قرارات منزلية كثيرة وغير متساوية. ومع ذلك، يبقى التحول العام واضحًا بما يكفي لرؤيته: فما إن وصلت الأجهزة الأسهل استخدامًا وانتشرت الملكية بسرعة، حتى انتقل الراديو من كونه معدّات خاصة بالمتخصصين إلى سلطة في الغرفة المشتركة.
ADVERTISEMENT
لماذا لم يكن مجرد جهاز منزلي أقدم يعمل في الخلفية
من المغري أن نقول إن الراديو كان ببساطة النسخة القديمة من أي جهاز إعلامي لاحق، مجرد آلة أخرى تطن في المنزل. لكن هذه المقارنة تُسطّح التجربة. فقد جعلت جودة الصوت المبكرة، والبرامج المجدولة، وتصميم الخزانة، حضوره أكثر فرضًا لنفسه في المكان من كثير من الإلكترونيات اللاحقة التي انسحبت إلى زوايا خاصة أو إلى خلفية المشهد.
جرّب اختبارًا سريعًا مع نفسك. تخيّل غرفة مرتبة حول الاستماع بدلًا من ترتيبها حول إلقاء نظرة على جهاز. سيتغير موضع الجلوس، ويتغير خط النظر المشترك، وحتى الصمت سيعمل بطريقة مختلفة لأن الغرفة تنتظر وصول صوت من صندوق واحد.
وعندما يُرى الأمر على هذا النحو، يكفّ الراديو المنضدي القديم عن أن يبدو مجرد لمسة زمنية بريئة. ويبدأ في الظهور على حقيقته التي كان عليها لدى ملايين الأسر: شيء نظّم أماكن جلوس الناس، ومتى كانوا ينتبهون، وما الذي كان يُعد الحدث الرئيسي في الأمسية.
ADVERTISEMENT
لا يُفهم الراديو المنضدي العتيق على أفضل وجه بوصفه ديكورًا حنينًا إلى الماضي أو تقنية بدائية تعمل في الخلفية؛ بل هو منظِّم سابق للحياة المنزلية لا يبدو متواضعًا اليوم إلا لأنه حسم مكانه في الغرفة منذ زمن.
لوسيا فيرير
ADVERTISEMENT
قرطاج.. همسات تونسية من الماضي
ADVERTISEMENT
في القرن التاسع قبل الميلاد، وعلى متن سفينةٍ مُحمّلةٍ بالكنوز، هربت أميرة فينيقية من لبنان إلى تونس لتؤسّس مدينةً فوق ربوةٍ تونسيةٍ ارتفاعها 57 مترًا عن سطح البحر، على بُعد 15 كم من العاصمة الحالية لتونس، وعلى امتداد 3 كم على ساحل البحر الأبيض، إنها مدينة "قرطاج" في مهدها، والتي
ADVERTISEMENT
ستكون فيما بعد نواة حضارةٍ مؤثرةٍ في تاريخ دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ولم تكن تعلم تلك الأميرة الفينيقية ما يُخبّى المستقبل لتلك المدينة من أحداثٍ عظيمةٍ وبصمةٍ تاريخيةٍ سيتحاكى بها المؤرّخون على مرّ الزمان.
أصل التسمية
صورة من wikimedia
في عام 814 ق.م، تم تأسيس مدينة قرطاج على يد الأميرة "علّيسة" أو "ديدون"، و أُطلِق عليها اسم "قَرط حَدَشت" وتعني بالفينيقية "المدينة الجديدة"، وكان أهلها يعبدون "ملقرت" الذي يعني "ملك المدينة"، فتحوّل النطق إلى "قرطاج" بسبب النطق اللاتيني للاسم الفينيقي "قَرط حَدَشت"، واشتهرت بذلك الاسم منذ ذلك الحين.
ADVERTISEMENT
الأميرة "عِلّيسة" مؤسِّسة قرطاج
صورة من wikimedia
في تونس يسمّونها "علّيسة" ويبجّلونها ويعظّمونها كبطلةٍ تاريخيةٍ، وفي لبنان وسوريا يحبونها ويرونها رمزًا للقوة والذكاء والجمال، واسمها عندهم "أليسا" أو "أليسار"، وفي المغرب هي "ديديون" أو "ديدون" رمز المرأة التي لا تُقهر، أما الغرب فيصورونها عاشقةً صادقةً أعطت كل شيئٍ للحب ولم تأخذ منه غير الموت، إنها الأميرة الفينيقية "علّيسة" ابنه الملك "مَتِّن" ملك "صُور" وزوجة الكائن الأسطوري شديد الثراء "زيركال بعل" كاهن "صور" الأعظم. نقلت "علّيسة" حضارةً على ظهر سفينة من لبنان إلى تونس وأسّست مدينة "قرطاج" ذات المجد التليد التي نافست "روما" في أوج قوتها، ويرجع سبب خروجها من مدينة "صور" بلبنان إلى مطاردة أخيها لها بعد موت أبيها الملك "مَتّن" حيث تولّى الحكم من بعده وطمع في ثروة زوج أخته بعد موته، واشتهر باسم الملك "بقماليون" أو "بجماليون". احتالت "علّيسة" المعروفة بذكائها لتنجو بنفسها ومالها، فأخبرت "بقماليون" أنها ذاهبة في رحلة لتُحضر كنوزًا فظنّ أنها ذاهبة لإحضار كنوز زوجها وأمدّها بالرجال والسفن، فاتفقت "عليسة" سرًّا مع المخلصين لها ونقلت الكنوز سرًّا إلى سفينتها، ثم نقلت أمام زوجها ورجاله أكياسًا مليئةً بالرمال ووضعتها تحت حراستهم على ظهر السفينة، وفي عرض البحر قامت برمي أكياس الرمال بالبحر تظاهرًا منها بأنها ترمي كنوز زوجها في البحر إكرامًا له، فقفز جنود الملك "بقماليون" في البحر خلف الأكياس وبقي معها المخلصون لها فقط. أبحرت الأميرة "عِلّيسة" مع أصحابها وأتباعها المخلصين في رحلةٍ طويلةٍ للبحث عن مكانٍ يصلح لتأسيس مدينةٍ جديدةٍ، حتى وصلت إلى أرض ملك المكسويين الذي وافق أن يعطيها قطعةً من الأرض بحجم جلد ثور، واندهش الحاضرون من موافقة "علّيسة" على تلك المساحة الصغبرة جدا ، لكن الأميرة الذكية قصّت جلد الثور وحوّلته إلى أشرطةٍ دقيقةٍ طويلةٍ وصلتها ببعضها وصنعت منها حبلًا طويلًا، وأحاطت به الهضبة التي تُعرف اليوم باسم "بيرصا" التي تعني "جلد ثور"، وأسّست "قرطاج" كنواةٍ لمستعمرةٍ فينيقيةٍ جديدةٍ ستبسط نفوذها في غرب البحر المتوسط وستخوض حروبًا عظيمةً ضد "روما".
ADVERTISEMENT
قرطاج الوليدة
صورة من wikimedia
كانت هضبة "بيرصا" نقطة البداية لبناء مدينة "قرطاج" العظيمة، وقد جعلتها الأميرة "علّيسة" نموذجًا لمدينة "صور" ومرتبطةً بها روحيًّا وإداريًّا، لتنمو هذه المدينة بسرعةٍ وتتوسّع لتضمّ الأراضي حول غرب البحر المتوسط، ممّا أدّى إلى تأسيس دولة قرطاج التي تُسمّى بـ"الدولة البونية" وتحدّت الامبراطورية الرومانية حينما أرادت تأسيس حضارةٍ متطورةٍ تصل شرق البحر المتوسط بغربه. تأثر الملك "جابون" ملك المكسويين بإنجازات وجمال وذكاء "علّيسة" وطلب الزواج منها، فرفضت إخلاصًا لزوجها الراحل، لكنه هدّدها بحرق "قرطاج" فوافقت بعد أن أخذت منه وعدًا ملكيًّا بالحفاظ على المدينة، وفي ليلة الزفاف رمت بنفسها في المحرقة وماتت أمام عينيه، فاشتهر ذكرها في العالم وخصوصًا العالم الغربي الذي أصبحت "ديدون" أو "عليسة" فيه رمزًا للحب والإخلاص والتضحية وأصبحت "عليسة" من أشجع النساء في التاريخ مع "كيلوباترا" و "وزنوبيا" و"سميراميس".
ADVERTISEMENT
العصر الذهبي لدولة "قرطاج"
صورة من wikimedia
توسّعت دولة قرطاج في الفترة ما بين القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث قبل الميلاد وأسّست مستعمرات جديدة على طول الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط سواء على الساحل الإفريقي أو الإسباني، كما بسطت نفوذها على بعض جزر البحر الأبيض المتوسّط كصقلّية وكورسيكا وغيرهما، مما جعلها تتحول إلى امبراطورية لها من الهيبة والقوة ما أشعَر الرومان بالتهديد. كان القرطاجيون مثلهم مثل الفينيقيين يتميزون بالمهارة والخبرة في التجارة البحرية وهم أول من زرعوا الزيتون في تونس، كما أنهم علّموا البربر الحروف فاستخدموا الأبجدية الفينيقية في كتابة لغتهم.
أمريكا في خرائط القرطاجيين
صورة من wikimedia
يحمل التاريخ القرطاجي من المفاجآت ما قد يصعب تصديقه، فعلى سبيل المثال، قام العالم الأثري الأمريكي "مارك ماكمينامين" في عام 1996م باكتشاف بعض العملات المعدنية القرطاجية التي ترجع إلى عام 350 ق.م، والتي رُسم عليها خريطة للعالم بها رسم للعالم الجديد (الأمريكتين)، مما سبّب ضجّةً في الوسط العلمي واستنكر الكثير من الأوروبيين هذا الاكتشاف وقاموا بمحاولة تفسير تلك الرسوم على أنها حروف فينيقية قديمة. لم يكن "مارك ماكمينامين" هو أول من قال بهذا القول، فقد سبقه المؤرخ الإغريقي "ديودوريس" بقوله أن القرطاجيين عرفوا جزيرةً هائلةً بعيدةً جدًّا بها العديد من الجبال والأنهار العريضة، وكانوا يُخفون سرّ هذه الجزيرة الهائلة لأنها كانت مصدر لثرواتهم، ويُقال بأن القرطاجيين قد اكتشفوا "أمريكا" بالصدفة عن طريقة رحلة تجارية كانت تبحر أسفل الساحل الإفريقي الأطلسي وانحرفت عن مسارها بسبب عاصفة شديدة أدّت إلى وصولها إلى الأمريكتين.
ADVERTISEMENT
حروب قرطاج مع روما (الحروب البونية أو البونيقية)
صورة من wikimedia
بعد بزوغ نجم الامبراطورية القرطاجية في غرب البحر المتوسط، تطلّعت قرطاج إلى التوسّع شرقًا وربط شرق البحر الأبيض بغربه، فحدثت اصطداماتٌ كبيرةٌ بين حضارتي قرطاج والحضارة الرومانية، وتمثّلت تلك الصراعات في ثلاث حروبٍ كبيرةٍ سُمّيت باسم "الحروب البونية" أو "البونيقية"، واستمرّت تلك الحروب ما يقرب من 43 عامًا، وكانت الحرب بريةً وبحريّةً أيضًا.
الحرب البونية الأولى
صورة من wikimedia
بدأت الحرب في عام 264 ق.م حينما استحوذ الرومان على جزءٍ من جزيرة "صقلية" وقاموا بحصار "أكراغاس" التي كانت قاعدةً رئيسيةً للقرطاجيين، مما استدعى القرطاجيين إلى إرسال جيشٍ ضخمٍ لتحرير الجزيرة عام 262 ق.م لكنه مُني بهزيمةٍ كبيرةٍ في معركة سُمّيت باسم معركة "أكراغاس". قام الرومان بعد ذلك بإنشاء أسطولٍ بحريٍّ قويٍّ للتغلّب على السيطرة البحريّة للأسطول القرطاجي واستطاعوا إحراز انتصارٍ كبيرٍ على القرطاجيين في أكبر معركةٍ بحريّةٍ في التاريخ من حيث عدد المشاركين بها، وسُمّيت باسم معركة "رأس إكنوموس". في عام 255 ق.م قام القرطاجيون بطلب عقد سلامٍ مع الرومان لكن الشروط التي اشترطها الرومان كانت قاسيةً جدًّا فاضطر القرطاجيون إلى استكمال الحرب وتحقيق انتصاراتٍ، فأرسل الرومان أسطولًا بحريًّا لإجلاء الناجين، وحاول القرطاجيون اعتراض الأسطول الروماني لكنهم فشلوا في ذلك، وبالرغم من ذلك فقد تمّ تدمير هذا الأسطول وخسر الرومان معظم سفنهم بسبب قيام عاصفةٍ شديدةٍ أدّت إلى خسارة الرومان لأكثر من 100 ألف جندي.
ADVERTISEMENT
استطاع القرطاجيون في عام 255 ق.م استرجاع "أكراغاس" وقاموا بهدمها وتدميرها لأنهم كانوا يرون أنهم لن يستطيعوا الدفاع عنها، وفي نفس الوقت كان الرومان يعملون بكل قوتهم لإعادة بناء أسطولهم البحري المدمَّر فنجحوا في إضافة 220 سفينة جديدة ونجحوا في الاستيلاء على "بانورموس" ( باليرمو حاليًّا)، لكن سوء الحظ كان حليف الرومان حيث خسروا 150 سفينة بسبب عاصفةٍ أخرى، لكنّ التوسّع الروماني استمر في شبه الجزيرة الإيطالية وصقلية وتبقّى فقط حصنان قرطاجيان في صقلية، وحاول الرومان تدمير الأسطول البحري القرطاجي فيهما لكنهم هُزموا في معركة "دريباناي"، لم يستسلم الرومان وأعادوا بناء أسطولهم عام 243 ق.م ونجحوا في الحصار البحري للحصنين القرطاجيين مما اضطر القرطاجيين إلى طلب معاهدة سلامٍ تنازلت على إثرها قرطاج عن "صقلية" لصالح الرومان، ممّا أدّى إلى حدوث تمرّدٍ كبيرٍ في الامبراطورية القرطاجية لكن ذلك التمرّد تمّ إخماده بنجاحٍ، وظلّت المنافسة بين الرومان والقرطاجيين قائمةً ممّا أدّت إلى قيام الحرب البونية الثانية.
ADVERTISEMENT
الحرب البونية الثانية
صورة من wikimedia
في عام 218 ق.م ظهر قائدٌ قرطاجيٌّ من أشهر وأهمّ القادة العسكريين في التاريخ، وهو "حنبعل" الذي قاد القرطاجيين في هجومٍ على البرّ الرئيسيّ لإيطاليا وتحقيق عدّة انتصاراتٍ متتاليةٍ لكنّ دخول الرومان إلى "قرطاج" اضطر "حنبعل" إلى الرجوع عام 204 ق.م قبل استكمال احتلال روما، وانهزمت القوات القرطاجية مما اضطرّهم إلى طلب معاهدة سلام مع الرومان، وكانت تلك المعاهد هي النهاية الغير رسمية للامبراطورية القرطاجية حيث دفعت قرطاج تعويضاتٍ هائلةً استمرّت في دفعها لمدة 50 سنة وتقلّصت ممتلكات الامبراطورية القرطاجية كثيرًا ولم تمثّل تهديدًا كبيرًا مرة أخرى على الرومان.
الحرب البونية الثالثة
صورة من wikimedia
في عام 149 ق.م قام الرومان بابتداع سببٍ لإعلان الحرب على قرطاج للقضاء عليها نهائيًّا، فقاموا بتدميرها كليًّا وذبحوا معظم أهلها وأصبحت قرطاج جزءًا من مقاطعة إفريقيا الرومانية لتعلن بذلك نهاية حقبة مضيئة في تاريخ تلك الأرض كانت يومًا ما من أقوى الامبراطوريات التي قامت على سواحل البحر الأبيض المتوسط. نجد بعض البقايا لمدينة "قرطاج" على بُعد 16 كم من مدينة تونس.