يقول الأردني عمر ياغي، الحائز على جائزة نوبل، إن اختراعه سيغير العالم

ADVERTISEMENT

عندما يتحدث الكيميائي الأردني الأمريكي عمر ياغي عن اختراعاته، فإنه يفعل ذلك بثقة هادئة تنمّ عن خبرة طويلة في توسيع آفاق العلم. حاز ياغي على جائزة وولف المرموقة - التي تُعتبر غالبًا تمهيدًا لجائزة نوبل - ويُعدّ على نطاق واسع أحد أكثر الكيميائيين تأثيرًا في جيله، وقد أسس مجالًا يُعيد تشكيل النقاشات العالمية حول الطاقة والمياه والاستدامة. وقد فتح عمله الرائد في مجال الأطر المعدنية العضوية (MOFs) الباب أمام مواد قادرة على أداء مهام كانت تُعتبر مستحيلة: مثل استخلاص الماء من هواء الصحراء، وتخزين الهيدروجين بأمان، وتنظيف البيئات الملوثة، وحتى تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية قابلة للاستخدام. عندما يقول ياغي إن اختراعه سيغير العالم، فهو لا يتحدث مجازًا، بل يصف ثورة علمية جارية بالفعل، ثورة مبنية على مواد مسامية ومتعددة الاستخدامات لدرجة أنها تُعيد تعريف ما يمكن للبشرية فعله بالموارد المحيطة بها. رؤيته جريئة لكنها راسخة في عقود من البحث الدقيق، وتعكس إيمانًا عميقًا بأن الكيمياء قادرة على تقديم حلول عملية لبعضٍ من أكثر التحديات إلحاحًا التي تواجه كوكبنا.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بواسطة Christopher Michel على wikipedia

ميلاد الأطر المعدنية العضوية: فئة جديدة من المواد ذات قدرات استثنائية

يُعدّ ابتكار عمر ياغي للأطر المعدنية العضوية (MOFs) أبرز إسهاماته في العلم، وهي عبارة عن هياكل بلورية تُصنع بربط أيونات معدنية بجزيئات عضوية لتشكيل شبكات عالية المسامية. ما يُميّز هذه الأطر هو مساحة سطحها الداخلي الهائلة: إذ يُمكن أن تصل مساحة سطح غرام واحد منها إلى مساحة ملعب كرة قدم كامل. تسمح هذه المسامية الهائلة للأطر المعدنية العضوية باحتجاز الجزيئات وتخزينها وإطلاقها بدقة غير مسبوقة. في تسعينيات القرن الماضي، عندما طرح ياغي هذا المفهوم لأول مرة، انبهر المجتمع العلمي بالإمكانيات الهائلة التي يُتيحها. فيُمكن تصميم الأطر المعدنية العضوية كإسفنج جزيئي، حيث يُصمّم كل منها خصيصًا لالتقاط غازات أو سوائل مُحدّدة. وعلى مرّ السنين، طوّر ياغي وزملاؤه مئات من هياكل الأطر المعدنية العضوية، لكل منها خصائص فريدة. بعضها قادر على تخزين الهيدروجين بكثافات مناسبة لمركبات الطاقة النظيفة. وبعضها الآخر قادر على التقاط ثاني أكسيد الكربون مباشرةً من الانبعاثات الصناعية. بينما يستطيع بعضها ترشيح المواد الكيميائية السامة من المياه الملوثة. ولكن ربما يكون التطبيق الأبرز - والذي يعتقد ياغي أنه سيغير العالم - هو قدرة بعض الأطر المعدنية العضوية على استخلاص الماء من الهواء، حتى في أشد الصحاري جفافاً. فلقد حوّل هذا الإنجاز الأطر المعدنية العضوية من مجرد ظاهرة علمية مثيرة للاهتمام إلى أداة ذات إمكانات إنسانية هائلة، قادرة على معالجة إحدى أكثر المشكلات العالمية إلحاحاً: ندرة المياه.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة aren Zhou على wikipedia

استخلاص الماء من الهواء: حلٌّ لكوكبٍ عطشان

من بين ابتكارات ياغي العديدة، حظيت تقنية استخلاص الماء باستخدام الأطر المعدنية العضوية (MOFs) باهتمام عالمي لقدرتها على استخلاص مياه الشرب من الهواء ذي الرطوبة المنخفضة للغاية. تتطلب مولدات المياه الجوية التقليدية رطوبة عالية أو كميات كبيرة من الطاقة، مما يجعلها غير عملية في المناطق القاحلة. أما تقنية ياغي، فتعمل بشكل سلبي، مستخدمةً ضوء الشمس فقط لإطلاق الماء الذي تستخلصه. في تجارب ميدانية أُجريت في صحراء موهافي، إحدى أكثر المناطق جفافًا في أمريكا الشمالية، نجح جهازه القائم على تقنية MOFs في إنتاج مياه نظيفة من الهواء بمستويات رطوبة منخفضة تصل إلى 10%. لهذا الإنجاز آثارٌ بالغة الأهمية على المجتمعات التي تواجه نقصًا مزمنًا في المياه. يتطلع ياغي إلى مستقبلٍ تستطيع فيه الأسر في المناطق النائية أو التي تعاني من الجفاف الاعتماد على أجهزة صغيرة الحجم قائمة على تقنية MOFs لتلبية احتياجاتها اليومية من المياه. هذه التقنية قابلة للتطوير، وصديقة للبيئة، ولا تتطلب كهرباء، مما يجعلها مثالية للمناطق ذات البنية التحتية المحدودة. إلى جانب التطبيقات الإنسانية، يمكن لحصادات المياه المصنوعة من الأطر المعدنية العضوية (MOFs) أن تدعم الزراعة، والإغاثة في حالات الكوارث، وحتى استكشاف الفضاء. وقد أبدت وكالة ناسا اهتمامًا بهذه التقنية لبعثاتها المستقبلية، إدراكًا منها لإمكاناتها في توفير المياه في البيئات خارج كوكب الأرض. بالنسبة لياغي، لا يقتصر الهدف على الابتكار فحسب، بل يتعداه إلى التمكين. فهو يؤكد دائمًا أن الحصول على المياه النظيفة حق أساسي من حقوق الإنسان، ويعتقد أن الأطر المعدنية العضوية قادرة على ضمان هذا الحق لملايين البشر.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Karen Zhou على wikipedia

مستقبل مُغيّر بالهندسة الجزيئية

يتجاوز عمل عمر ياغي مجرد حصاد المياه. فهو رائد في "الكيمياء الشبكية"، وهو مجال أسسه ويركز على ربط الجزيئات معًا في هياكل وظيفية يمكن التنبؤ بها. أتاح هذا النهج ابتكار ليس فقط الأطر المعدنية العضوية (MOFs)، بل أيضًا الأطر العضوية التساهمية (COFs) وغيرها من المواد المتقدمة ذات التطبيقات في مجالات الطاقة النظيفة، ومعالجة البيئة، والكيمياء الصناعية. يؤمن ياغي بأن الهندسة الجزيئية ستُحدد ملامح التقدم العلمي في القرن القادم، تمامًا كما فعلت الإلكترونيات في القرن الماضي. تتمثل رؤيته في عالم تُصمم فيه المواد بدقة ذرية لحل التحديات العالمية: تخزين الطاقة المتجددة بكفاءة، واحتجاز غازات الاحتباس الحراري قبل وصولها إلى الغلاف الجوي، وابتكار عمليات كيميائية لا تُنتج أي نفايات. وقد تبنت الحكومات والجامعات والصناعات حول العالم أفكاره، واستثمرت بكثافة في التقنيات القائمة على الأطر المعدنية العضوية. وتعمل الشركات الناشئة على تطوير بطاريات وأجهزة استشعار وأنظمة ترشيح تعمل بهذه الأطر. كما تستكشف مختبرات الأبحاث استخدام الأطر المعدنية العضوية في توصيل الأدوية والتشخيص الطبي. إن الزخم لا يُنكر. ومع ذلك، يبقى ياغي متواضعًا، وغالبًا ما يُرجع الفضل في ذلك إلى نشأته الأردنية التي غرست فيه إحساسًا بالهدف والمسؤولية. ويتحدث بحماس عن استخدام العلم للارتقاء بالإنسانية، وليس فقط لتطوير التكنولوجيا. عندما يقول إن اختراعه سيغير العالم، فإنه يعبر عن قناعة راسخة في عقود من الأدلة وتفانٍ دامَ عمراً. عمله شاهدٌ على ما يحدث عندما يلتقي الخيال بالانضباط، وعندما يلتقي الفضول بالتعاطف، وعندما يسترشد العلم برغبة في خدمة الآخرين.