ربما يكون العلماء قد استخرجوا بعضًا من الحمض النووي لدافنشي، والذي ربما يكون مضمنًا في أعماله الفنية

ADVERTISEMENT

أثار إعلان العلماء عن احتمال استخلاصهم أجزاءً من الحمض النووي لليوناردو دافنشي من أعماله الفنية حماسًا كبيرًا في الأوساط العلمية والفنية والتاريخية. فعلى مدى قرون، دُرِسَ دافنشي من خلال دفاتره ولوحاته واختراعاته، لكن الباحثين يعتقدون الآن أنهم قد يتمكنون من دراسته على المستوى الجيني. يتمحور الاكتشاف حول رسم بالطباشير الأحمر يعود إلى القرن الخامس عشر، يُعرف باسم "الطفل المقدس"، ويُعتقد أن دافنشي رسمه حوالي عام 1470. ومن خلال تحليل دقيق لمواد بيولوجية مجهرية مُضمنة في الطباشير والورق، يدّعي العلماء أنهم حددوا آثارًا جينية قد تعود إلى فنان عصر النهضة نفسه. يفتح هذا الإنجاز آفاقًا واسعة، بدءًا من تأكيد صحة الأعمال الفنية المتنازع عليها وصولًا إلى إعادة بناء جوانب من صحة دافنشي وأصوله وحتى مظهره الجسدي. إن فكرة بقاء الحمض النووي لأكثر من خمسة قرون داخل ألياف الرسم أمرٌ مذهل، ولكنه في الوقت نفسه يعكس الحفاظ الدقيق على فن عصر النهضة والتقدم الذي أحرزه العلم الحديث. رغم أن النتائج لا تزال أولية وتتطلب مزيدًا من التحقق، إلا أن مجرد إمكانية الوصول إلى الشفرة الوراثية لدافنشي قد أسعدت الباحثين أيما سعادة، إذ أتاحت لهم هذه الفرصة ربط علم الأحياء بالفن بطرق غير مسبوقة.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بواسطة Henry Acevedo على pexels

العلم وراء الاكتشاف

يُعد استخلاص الحمض النووي من الأعمال الفنية التي يعود تاريخها إلى قرون مضت عملية دقيقة ومعقدة. استخدم الباحثون تقنيات متقدمة لتسلسل الجينوم لعزل شظايا مجهرية من المواد البيولوجية من الرسم الطباشيري. قد تشمل هذه الشظايا خلايا جلدية، أو جزيئات شعر، أو بقايا عضوية أخرى تركها دافنشي أثناء عمله. يكمن التحدي في تمييز الحمض النووي لدافنشي عن التلوث الذي لحق به على مر القرون من خلال التعامل مع الأعمال الفنية، أو ترميمها، أو التعرض للعوامل البيئية. ولتعزيز فرضيتهم، قارن العلماء المادة الوراثية بالحمض النووي المستخلص من رسائل كتبها أقارب دافنشي، وحددوا علامات كروموسوم Y خاصة بالذكور تعود إلى توسكانا، المنطقة التي وُلد فيها دافنشي. يُقدّم هذا الرابط الجيني دليلاً ظرفياً على أن الحمض النووي قد يعود بالفعل إلى الفنان. تطلّبت العملية دقةً فائقة، إذ أن أدنى تلوث قد يُؤثّر سلباً على النتائج. يُبرهن تمكّن الباحثين من استخلاص أجزاء قابلة للاستخدام من رسمة عمرها 500 عام على قوة علم الآثار الجزيئي الحديث. وإذا تأكدت هذه النتائج، فسيمثّل ذلك أحد أبرز التقاطعات بين صيانة الأعمال الفنية وعلم الوراثة، مُظهراً أن الروائع الفنية لا تقتصر على كونها قطعاً أثرية ثقافية فحسب، بل تُعدّ أيضاً محفوظات بيولوجية.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Junior Cazangi على pexels

الآثار المترتبة على الفن والتاريخ

يحمل استخلاص الحمض النووي لدافنشي آثارًا عميقة على كلٍ من تاريخ الفن والعلوم. أولًا، قد يُسهم في التحقق من صحة الأعمال الفنية المنسوبة إليه، والتي يُثار حولها جدل، وذلك من خلال مقارنة المادة الوراثية الموجودة في قطع فنية مختلفة. وهذا من شأنه أن يوفر أداةً جديدةً في مجال الطب الشرعي، إلى جانب التحليل الأسلوبي والمادي، مما يُحدث ثورةً في طريقة تدقيق الباحثين لفن عصر النهضة. ثانيًا، قد يكشف الحمض النووي لدافنشي عن معلوماتٍ قيّمةٍ حول صحته، واستعداداته الوراثية، وسماته الجسدية. إذ لطالما تكهّن المؤرخون حول كونه أعسر، ونباتيته، وحالاته الطبية المحتملة، ولكن الأدلة الجينية قد تُقدّم إجاباتٍ قاطعة. ثالثًا، يُؤكد هذا الاكتشاف على أهمية الحفاظ على التراث الثقافي، فقد تحتوي الأعمال الفنية على معلوماتٍ بيولوجيةٍ خفيةٍ يُمكن للتقنيات المستقبلية الكشف عنها. وإلى جانب دافنشي، يُشير هذا الإنجاز إلى إمكانية استخلاص الحمض النووي لشخصياتٍ تاريخيةٍ أخرى من المخطوطات، أو اللوحات، أو القطع الأثرية، مما يفتح آفاقًا جديدةً للبحث في السير الذاتية. تمتد تداعيات هذا الاكتشاف إلى علم الأنساب، وعلم الإنسان، وحتى الطب، إذ قد تُسهم دراسة الحمض النووي للعباقرة التاريخيين في إلقاء الضوء على السمات المرتبطة بالإبداع والابتكار. بالنسبة لمؤرخي الفن، تُعدّ إمكانية ربط الهوية البيولوجية لدافنشي بعبقريته الإبداعية بمثابة ثورة حقيقية، إذ تُبشّر بتعميق فهمنا لأحد أعظم العقول في التاريخ. كما تُثير هذه الإمكانية تساؤلات بالغة الأهمية حول كيفية تفاعل البيولوجيا الشخصية مع الإنجاز الثقافي، وما إذا كانت العبقرية تترك أثرًا ليس فقط في الأفكار، بل في الجزيئات أيضًا.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة dilara irem على pexels

التحديات والمسار المستقبلي

على الرغم من الحماس الكبير، لا تزال هناك تحديات كبيرة قبل التمكن من تأكيد الحمض النووي لدافنشي ودراسته بشكل كامل. يُعدّ التلوث العقبة الأكبر، إذ قد يكون التداول على مرّ القرون قد أدخل حمضًا نوويًا غريبًا يُعقّد عملية التحليل. يجب على الباحثين تطوير أساليب دقيقة لعزل الأجزاء الأصلية واستبعاد النتائج الإيجابية الخاطئة. كما تُثار تساؤلات أخلاقية حول ما إذا كان استخراج الحمض النووي من القطع الأثرية يُغيّرها أو يُتلفها، وما إذا كانت هذه الدراسات تحترم سلامة الأعمال التاريخية. علاوة على ذلك، حتى في حال تأكيد الحمض النووي لدافنشي، فإن تفسير معناه يتطلب الحذر. يمكن لعلم الوراثة أن يكشف عن الاستعدادات الوراثية، لكنه لا يستطيع تفسير العبقرية أو الإبداع أو الشخصية تفسيراً كاملاً. يجب على العلماء والمؤرخين تجنب المبالغة في الادعاءات التي تختزل عبقرية دافنشي إلى مجرد علم الأحياء. يتطلب الطريق أمامنا تعاوناً بين علماء الوراثة ومؤرخي الفن والمحافظين على التراث وعلماء الأخلاق لضمان أن يكون البحث علمياً سليماً ومراعياً للسياق الثقافي. قد تتوسع الدراسات المستقبلية لتشمل أعمالاً أخرى لدافنشي، بحثاً عن آثار إضافية للحمض النووي لتعزيز الأدلة. إذا تكللت هذه الأبحاث بالنجاح، فقد تُدشّن حقبة جديدة تتلاقى فيها الفنون والعلوم، مما يسمح لنا بإلقاء نظرة على الجوهر البيولوجي لشخصيات شكّلت تاريخ البشرية. في الوقت الراهن، يكفي احتمال وجود الحمض النووي لدافنشي مخفياً في أعماله الفنية لإثارة الإعجاب، مُذكّراً إيانا بأن الروائع ليست مجرد نوافذ على الإبداع، بل هي أيضاً أوعية للوجود الإنساني عبر القرون.