في اكتشاف رائد يتحدى الافتراضات السائدة منذ زمن طويل حول الأغلفة الجوية للكواكب، رصد تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا غلافًا جويًا كثيفًا يحيط بكوكب TOI-561 b، وهو كوكب صخري خارج المجموعة الشمسية شديد الحرارة لدرجة يُعتقد أنه مغطى بمحيطات من الحمم البركانية المنصهرة. لا يتحدى هذا الاكتشاف التوقعات حول سلوك الأغلفة الجوية في ظل الظروف القاسية فحسب، بل يفتح أيضًا آفاقًا جديدة في دراسة تطور الكواكب والبحث عن الحياة خارج كوكب الأرض. TOI-561 b هو كوكب صخري خارج المجموعة الشمسية يقع على بُعد حوالي 280 سنة ضوئية في كوكبة السدس. يدور هذا الكوكب حول نجمه المضيف، TOI-561، على مسافة قريبة بشكل مذهل، إذ يُكمل دورة كاملة في غضون 10.5 ساعات فقط. وهذا القرب يُعرّض الكوكب لإشعاع نجمي مكثف، مما يُسخّن سطحه إلى درجات حرارة تتجاوز 1650 درجة مئوية، وهي حرارة كافية لإذابة الصخور وتكوين محيط من الصهارة. يُعاني الكوكب من ظاهرة التزامن المدّي، أي أن أحد نصفيه يُواجه النجم باستمرار بينما يبقى النصف الآخر في الظلام. ينتج عن هذا الوضع تدرج حراري هائل بين جانبي الكوكب، مما يُخلق بيئة ديناميكية قاسية. حتى الآن، كان العلماء يعتقدون أن مثل هذه الظروف ستُجرّد الكوكب من غلافه الجوي بفعل التبخر والرياح النجمية، تاركةً وراءها نواة صخرية جرداء. إلا أن TOI-561 b أثبت أنه استثناء لهذه القاعدة. فعلى الرغم من بيئته القاسية، يبدو أنه احتفظ بغلاف جوي كثيف، وهو اكتشاف غير متوقع أذهل علماء الفلك وعلماء الكواكب على حد سواء.
قراءة مقترحة
1610°م بدلًا من 2350°م
هذا الفارق الحراري الكبير هو الإشارة الأساسية إلى أن الغلاف الجوي يعيد توزيع الحرارة بين جانبي الكوكب.
تم إطلاق تلسكوب جيمس ويب الفضائي في ديسمبر 2021، وهو مزود بأجهزة متطورة قادرة على رصد الإشارات الخافتة من عوالم بعيدة. فبالنسبة للكوكب TOI-561 b، استخدم العلماء مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة (NIRSpec) لمراقبة الكوكب أثناء مروره خلف نجمه، وهي تقنية تُعرف باسم مطيافية الكسوف الثانوي. ومن خلال قياس انخفاض الأشعة تحت الحمراء خلال هذه الكسوفات، تمكن الباحثون من تقدير درجة حرارة الجانب النهاري للكوكب.
راقب العلماء الكوكب عندما مر خلف نجمه لقياس التغير في الأشعة تحت الحمراء الصادرة من النظام.
قورنت الإشارة المرصودة بالحرارة المتوقعة لكوكب بلا غلاف جوي، والتي كانت ستقترب من 2350 درجة مئوية.
سجل جيمس ويب حرارة أقل بكثير، نحو 1610 درجة مئوية، ما يشير إلى انتقال الحرارة من الجانب النهاري إلى الليلي.
أظهر طيف الانبعاث خصائص امتصاص متوافقة مع غازات جوية محتملة مثل بخار الماء أو ثاني أكسيد الكربون.
تستطيع هذه الغازات امتصاص الحرارة وإعادة إشعاعها، مما يساعد على تعديل درجة حرارة الكوكب والحفاظ على استقرار غلافه الجوي. ويمثل هذا أقوى دليل حتى الآن على وجود غلاف جوي يحيط بكوكب صخري خارج المجموعة الشمسية، لا سيما في بيئة قاسية كهذه.
يُجبر اكتشاف غلاف جوي على كوكب TOI-561 b العلماء على إعادة النظر في النظريات الراسخة حول فقدان الغلاف الجوي وتطور الكواكب. فتقليديًا، كان يُعتقد أن الكواكب الصخرية الصغيرة التي تدور بالقرب من نجومها تفقد غلافها الجوي بسرعة بسبب الإشعاع المكثف والرياح النجمية. إلا أن الكوكب TOI-561 b قد خالف هذا التوقع.
الكواكب الصخرية الصغيرة القريبة جدًا من نجومها تفقد أغلفتها الجوية سريعًا وتتحول إلى عوالم جرداء.
TOI-561 b يبدو أنه احتفظ بغلاف جوي كثيف رغم الحرارة الشديدة والإشعاع القوي، ما يعني أن سيناريو البقاء الجوي قد يكون ممكنًا أكثر مما كان يُعتقد.
يُعزى أحد التفسيرات المحتملة إلى التركيب الفريد للكوكب. يُعتقد أن TOI-561 b يتميز بكثافة منخفضة نسبيًا، مما يشير إلى نواة حديدية أصغر حجمًا وغلاف يتكون من مواد سيليكاتية أخف وزنًا. قد يجعل هذا الكوكب أكثر مقاومة لتآكل الغلاف الجوي. إضافةً إلى ذلك، فإن نجمه المضيف فقير بالمعادن وقديم جدًا - يُقدر عمره بأكثر من 10 مليارات سنة - مما يدل على أن TOI-561 b قد تشكل في بدايات مجرة درب التبانة. ويشير بقاؤه على قيد الحياة طوال هذه المدة الطويلة إلى أن بعض الكواكب الصخرية قد تكون أكثر قدرة على الاحتفاظ بغلافها الجوي مما كان يُعتقد سابقًا، حتى في ظل الظروف القاسية. وهذا له آثار بالغة الأهمية على فهمنا لكيفية تشكل الكواكب وتطورها وتفاعلها مع بيئاتها النجمية. علاوة على ذلك، يشير وجود غلاف جوي على كوكب شديد الحرارة إلى أن احتفاظ الغلاف الجوي قد يكون أكثر شيوعًا مما هو متوقع، حتى بين الكواكب ذات الدورات المدارية القصيرة جدًا. وهذا من شأنه أن يوسع نطاق البيئات التي تُعتبر صالحة للسكن أو ذات أهمية علمية بشكل كبير.
على الرغم من أن كوكب TOI-561 b شديد الحرارة لدرجة لا تسمح بوجود حياة كما نعرفها، إلا أن اكتشاف غلافه الجوي له آثار بعيدة المدى على البحث الأوسع عن عوالم صالحة للسكن. إن احتفاظ كوكب TOI-561 b بغلاف جوي يُثير احتمالية امتلاك كواكب صخرية أخرى خارج المجموعة الشمسية أغلفة جوية، مما يزيد من فرص العثور على ظروف داعمة للحياة في أماكن أخرى من المجرة. يمكن الآن تطبيق التقنيات التي استخدمها تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) للكشف عن غلافه الجوي على كواكب أخرى خارج المجموعة الشمسية، بما في ذلك تلك الموجودة في المناطق الصالحة للسكن حول نجومها.
| المجال | ما الذي يضيفه الاكتشاف؟ | الخطوة التالية |
|---|---|---|
| البحث عن الحياة | يرفع احتمال أن تحتفظ كواكب صخرية أخرى بأغلفة جوية قابلة للدراسة. | فحص كواكب في المناطق الصالحة للسكن بحثًا عن مؤشرات حيوية. |
| الرصد الطيفي | يؤكد فاعلية تقنيات جيمس ويب في تحليل الأغلفة الجوية للكواكب الخارجية. | تطبيق المنهج نفسه على عوالم أخرى ذات ظروف مختلفة. |
| الاستكشاف المستقبلي | يوسع قائمة الكواكب التي تستحق الدراسة حتى لو بدت غير صالحة للحياة مبدئيًا. | متابعة رصد TOI-561 b والاستفادة من مهمة ARIEL الأوروبية. |
ومن خلال تحليل الضوء الذي يمر عبر هذه الأغلفة الجوية أو ينبعث منها، يستطيع العلماء البحث عن مؤشرات حيوية - مؤشرات كيميائية للحياة مثل الأكسجين والميثان وبخار الماء. يُبرز هذا الاكتشاف أهمية دراسة مجموعة واسعة من الكواكب خارج المجموعة الشمسية، بما في ذلك تلك التي قد تبدو في البداية غير صالحة للحياة. فكل رصد جديد يُضيف إلى فهمنا لتنوع الأنظمة الكوكبية ويُساعد في تحسين نماذجنا لكيفية تشكل الكواكب وتطورها. بالنظر إلى المستقبل، سيواصل تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) رصد الكوكب TOI-561 b والكواكب الصخرية الخارجية الأخرى، لبناء صورة أكثر شمولًا لأغلفتها الجوية وخصائصها الحرارية. وستساهم البعثات المستقبلية، مثل مهمة ARIEL (المسح الكبير للأغلفة الجوية بالأشعة تحت الحمراء للكواكب الخارجية) التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، في توسيع قدرتنا على دراسة أغلفة الكواكب الخارجية عبر نطاق واسع من درجات الحرارة والتركيبات.