عندما ننظر إلى السماء ليلاً، فإننا لا نرى الكون كما هو الآن، بل كما كان في الماضي. يستغرق الضوء وقتًا للسفر، والعين البشرية، دون مساعدة من التلسكوبات، هي في الأساس آلة زمنية تسمح لنا بالنظر إلى الوراء في التاريخ. يمكن للعين المجردة اكتشاف النجوم على بعد آلاف السنين الضوئية، مما
ADVERTISEMENT
يعني أننا نراها كما كانت منذ آلاف السنين. فعلى سبيل المثال، يبعد نجم ذنب الدجاجة في كوكبة الدجاجة حوالي 2600 سنة ضوئية، لذا فإن الضوء الذي يصل إلينا الليلة قد غادر ذلك النجم في الوقت الذي بدأ فيه البشر في تدجين الحيوانات لأول مرة. تقع مجرة أندروميدا، التي تُرى كبقعة خافتة تحت السماء المظلمة، على بعد 2.5 مليون سنة ضوئية، لذلك عندما نراها، فإننا ننظر إلى الضوء الذي بدأ رحلته قبل وقت طويل من وجود الإنسان العاقل. يربطنا هذا الفعل البسيط من مراقبة النجوم بعصور أبعد بكثير من التاريخ البشري، ويذكرنا بأن كل نظرة إلى السماء هي لمحة عن الماضي السحيق. العين المجردة، وإن كانت محدودة مقارنةً بالأدوات الحديثة، إلا أنها لا تزال تُوفر رابطًا حسيًا مباشرًا بقدم الكون. ومن المُدهش أن ندرك أنه بدون أي تقنية، تستطيع أعيننا وحدها إدراك الضوء الذي سافر عبر آلاف السنين، حاملاً معه القصة الصامتة لتطور الكون.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Lucas Pezeta على pexels
حدود علم الفلك بالعين المجردة
تتمتع العين البشرية بحساسية فائقة، لكنها مُقيدة بالظروف الجوية، وتلوث الضوء، والحدود البيولوجية. في ظل ظروف سماء مظلمة مثالية، يبلغ أضعف النجوم رؤية بالعين المجردة حوالي القدر السادس، وهو ما يُقابل مسافات تصل إلى آلاف السنين الضوئية. هذا يعني أنه بدون التلسكوبات، لا يُمكننا رؤية أبعد المجرات أو الكوازارات، التي تقع على بُعد مليارات السنين الضوئية. ومع ذلك، فإن النجوم والمجرات التي يُمكننا رؤيتها لا تزال بعيدة بشكل مُذهل في الزمن. إن سُحب ماجلان، والمجرات التابعة لمجرة درب التبانة والتي يُمكن رؤيتها من نصف الكرة الجنوبي، تبعد عنا حوالي 160,000 و200,000 سنة ضوئية، لذا بدأ ضوؤها بالسفر نحونا عندما بدأ البشر الأوائل بالهجرة من إفريقيا. ولا تستطيع العين المجردة رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو التوهج الخافت للانفجار العظيم، ولكن لا يزال بإمكانها الوصول إلى ملايين السنين من خلال المجرات المرئية. يُبرز هذا القيد أهمية التلسكوبات التي تُوسّع رؤيتنا إلى مليارات السنين، ولكنه يُبرز أيضًا المدى الاستثنائي للبصر البشري دون مساعدة. حتى بدون التكنولوجيا، تُمكّننا أعيننا من إدراك كون أقدم بكثير من جنسنا البشري. لذا، فإن رؤية النجوم ليست مجرد هواية عابرة، بل هي لقاء عميق مع حدود علم الأحياء البشري واتساع الزمن الكوني. كل نجم نراه هو تذكير بأن السماء الحالية مُخاطة من ماضٍ لا يُحصى، وكل فوتون هو رسول من حقبة مختلفة من الكون.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Kelly على pexels
الأبعاد الثقافية والفلسفية لرؤية الماضي
لطالما أثارت حقيقة أن العين المجردة ترى الماضي سحر الثقافات عبر التاريخ. فكثيرًا ما فسرت الحضارات القديمة النجوم على أنها خالدة، غافلة عن أنها تشهد ضوءًا سافر عبر مسافات شاسعة وأزمنة شاسعة. أما اليوم، فندرك أن ضوء النجوم سجلٌّ للتاريخ الكوني، إلا أن دلالاته الفلسفية لا تزال عميقة. فعندما ننظر إلى مجرة أندروميدا، نراها كما كانت قبل 2.5 مليون سنة، وليس كما هي الآن. وهذا يعني أن إدراكنا للكون متأخر دائمًا، وأن السماء الحالية هي في الواقع فسيفساء من ماضي مختلف. وقد تأمل الفلاسفة والشعراء طويلًا في هذه المفارقة، مشيرين إلى أن النجوم تُذكرنا بالديمومة والزوال. قد يأتي الضوء الذي نراه من نجوم ماتت بالفعل، إلا أن بريقها يبقى، حاملًا ذكراها عبر الزمن. يربط هذا الإدراك التجربة الإنسانية بالنطاق الكوني، مما يوحي بأن حياتنا جزء من سلسلة متصلة من التاريخ تمتد إلى ما هو أبعد من الأرض. وهكذا، لا تصبح العين المجردة أداة علمية فحسب، بل رمزًا ثقافيًا لسعي البشرية لفهم مكانتها في الكون. إن النظر إلى النجوم هو مشاركة في حوار مع الزمن نفسه، حيث يكون كل فوتون رسولًا من ماضٍ عريق. وبهذه الطريقة، يُعدّ النظر إلى النجوم فعلًا علميًا وفلسفيًا في آنٍ واحد، يُذكرنا بأن وجودنا مُنسجم في نسيج التاريخ الكوني.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Marek Piwnicki على pexels
مستقبل الرؤية البشرية والزمن الكوني
في حين أن العين المجردة تُمكّننا من رؤية آلاف أو حتى ملايين السنين في الماضي، فإن مستقبل علم الفلك يكمن في توسيع نطاق هذه الرؤية. لقد دفعت تلسكوبات مثل هابل وجيمس ويب رؤيتنا إلى الوراء مليارات السنين، مع اقتراب فجر الكون. ومع ذلك، تظل العين المجردة تذكيرًا قويًا بصلتنا المباشرة بالزمن الكوني. يمكن لكل شخص، دون أي معدات، أن يخرج إلى الخارج ويشهد الضوء الذي بدأ رحلته قبل وجود الحضارة الإنسانية. إن ديمقراطية التاريخ الكوني هذه فريدة من نوعها، لأنها لا تتطلب أي تكنولوجيا متقدمة، بل وعيًا فقط. في المستقبل، ومع مغامرة البشرية نحو القمر والمريخ وما وراءهما، ستظل العين المجردة بمثابة جسر بين الإدراك البشري والكون القديم. سينظر رواد الفضاء على المريخ إلى الأعلى ويرون مجرة أندروميدا نفسها، ولكن من نقطة مراقبة مختلفة، ولا يزالون يدركون ضوءًا عمره ملايين السنين. إن مسألة مدى الرؤية التي يمكن للعين المجردة أن تراها هي في النهاية تذكير باتساع الزمان والمكان، وبقدرتنا الضئيلة ولكن ذات المغزى على إدراكهما. إنها شهادة على قوة الرؤية البشرية، البيولوجية والفلسفية على حد سواء، حيث يمكننا أن ننظر إلى سماء الليل ونشهد أصداء ماضي الكون القديم. وبهذه الطريقة، فإن العين المجردة ليست مجرد أداة إدراك بل رمزًا لفضول البشرية الدائم، وتربطنا بالكون عبر فترات زمنية لا يمكن تصورها. النجوم التي نراها ليست مجرد نقاط من الضوء بل هي أجزاء من التاريخ، وكل نظرة إلى الأعلى هي بمثابة عمل من أعمال التواصل مع ذاكرة الكون.
عبد الله المقدسي
ADVERTISEMENT
علم الانجذاب: هل يتسبّب الخطرُ بوقوع الناس في الحب؟
ADVERTISEMENT
ماذا لو كان بإمكانك أن تجعل شخصا ما يقع في حبك، ولكن عليك المخاطرة بحياتك للقيام بذلك؟
لدى كلا الدكتور جلين سينجلمان وزوجته هيذر سوان حب للرياضة المتطرّفة، ويخبرنا العِلْمُ أن الرابطةَ بينهما تغدو أقوى في كل مرة يتجنّبان فيها الموت.
بعيدا عن الإكسير
ADVERTISEMENT
السحري أو التعويذة، فإن السرّ يكمن في تحفيز المواد الكيميائية الموجودة في دماغكَ والتي يتم إطلاقها بشكل كبير عندما تواجه موقفًا خطيرًا، أو أثناء ممارسة التمارين الرياضية. يشبه الشعورُ بالوقوع في الحبّ ذاك الإحساس المرافق لارتفاع الأدرينالين.
يواجه الطبيب "جلين سينجلمان" المقيم في المرتفعات الجنوبية وزوجته مواقف خطيرة طوال الوقت.
إنهما يُزاولان وظائفَ ناجحة في الطب وإدارة الأعمال من قاعدتهما في دوغلاس بارك، ولكن لديهما أيضًا شغفٌ بالقفز بالمظلات، وقفز الـ BASE (القفز بالمظلّة من مكان ثابت نحو القاعدة-الأرض)، وغوص الSCUBA (الغوص مع التزوّد بوسيلة تنفّس مستقلّة عن السفينة على السطح) وتسلق الجبال.
ADVERTISEMENT
وخلال كل فِعْلٍ يتحدّى الموت، يتم ضخ الإندورفين -وهو هورمون السعادة- في جسدَيهما أثناء تجاوزهما حدود رياضتهما.
قال الطبيب: "بدأ افتتاني بالخوف عندما ذهبت لأول مرة للتجديف في الجبال الزرقاء BLUE واعتقدت أنني سأموت". يُكمل قائلاً: "لقد وجدتُ أن تجربةَ مواجهة مخاوفي والتغلب عليها في ذلك اليوم تُنشطني وتعطيني الطاقة، وأصبحت مفتونًا بالخوف". ثم يقول: "عندئذ تساءلت عن المخاوف الأخرى التي كانت لديّ والتي كانت تُحدّ من الإمكانيات في حياتي.
الصورة عبر pixexid
بعد تطوير حبِّه للرياضة المتطرّفة، التقى جلين بمديرة الأعمال هيذر سوان، التي أدركت أن العلاقة مع جلين ستعني حتماً المشاركة في هذه الرياضة أيضاً. وليس من المستغرب أنهما ارتبطا، فقد واجها معًا مواقفَ مُرهِقةً ومخيفة، الأمر الذي حفّز الانجذاب بينهما وعزز هذه العاطفة.
من منظور علم الأحياء التطوري، فإن الذكر الذي يتمكن من إثبات قدرته على تحمل التوتّر والخطر يبدو شريكا أكثر ملاءمةً وقدرةً على الحماية.
ADVERTISEMENT
يحمل الثنائي الآن ثلاثة أرقام قياسية عالمية، بما في ذلك أعلى قفزة BASE في العالَم ببدلة مُجنَّحة من ارتفاع 6604 مترًا من جبل ميرو في جبال الهيمالايا الهندية.
قالت هيذر: "كنت بحاجة إلى استكشاف الأشياء التي فعلها جلين بدلاً من تجاهلها كونها تصرفات مجنونة، وهو أمر غريب حقًا".
الصورة عبر unsplash
ولكن ليس من الضروري أن تقفز في السماء لكي تشعر بآثار إطلاق الأدرينالين - يمكن أن يكون الأمرُ بسيطًا مثل جلسة تدريب شخصية في الحديقة- لكنّ معرفةَ ما يفعله الأدرينالين بحالتنا العاطفية تجعله بآثارَ جانبيةٍ مثيرةٍ للاهتمام، إذ أنك فجأة قد تقع في حبّ شريك اللياقة البدنية الخاص بك.
تقول جينا تريجارثين وهي عالمة نفسية سريرية إنه من السهل خداع أدمغتنا وإحداث شعور زائف بالانجذاب، فتقول: "على الرغم من أنك قد تعتقد أنك تعرف متى تنجذب إلى شخص ما وتشعر بالإثارة، فمن المحتمل أنك تخطئ في نَسْب هذه الإشارات إلى شيء يأتي من أمور أخرى في بيئتك".
ADVERTISEMENT
وتُردِف قائلةً: "تؤدي ممارسة التمارين الرياضية القوية إلى نوع من التوتّر، وتسرّع من ضربات القلب، وهذه أعراض مشابهة للأعراض التي تنتابك عندما ينبض قلبك لأنك وجدت شخصًا تنجذب إليه.
الصورة عبر drian Gabriel/pexels
وتقول أيضًا: "إنها ظاهرة تمّت دراستها من قبل علماء النفس بعدة طرق"، وكانت الدراسة الأكثر إمتاعًا على الإطلاق هي دراسة الجسر التي أجراها داتون وآرون في عام 1970، حيث تقوم إحدى المُيسِّرات الجذابات بتشجيع مجموعة من الرجال على عبور جسر معلَّق خطير، بينما يُطلب من مجموعة أخرى عبور جسر أكثر انخفاضًا وأكثر أمانًا. ثم تقوم الفتاة الجميلة بعد ذلك بإعطاء جميع المشاركين رقمَ هاتفها "لجمع الردود".
اتصل بها نصف المشاركين في الجسر المعلَّق ليطلبوا منها الخروج في موعد، مقارنة بـ 12% فقط من المشاركين في الجسر الأكثر أمانًا.
قالت جينا: "تكمن النصيحةُ النفسية في أن تتخذ القراراتِ بالأمور الرومانسية عندما يكون عقلك متزنًا، وليس أثناء وجود إشارات أخرى في بيئتك قد تربكك".
ADVERTISEMENT
وقبل أن تأخذ حبيبك المحتمل في جولة بالأفعوانية ( من الألعاب الملتوية بالملاهي) على أمل أن يقع في حبك، كنْ مدركًا أن ذلك قد يأتي بنتائج عكسية.
الصورة عبر unsplash
فكما يمكن للأدرينالين أن يعزّز مشاعرَ الانجذاب في العلاقة، فإنه يمكن أن يكون له أيضًا تأثير عكسي إذا لم تكن في وضع جيّد للبدء بالعلاقة.
تقول جينا: "إذا وجد شخصٌ ما شخصًا غيرَ جذاب، فمن المرجح أن يجدَه غيرَ جذاب بشكلٍ أكبر بعد حدث مثير مثل هذا، لذلك قد تأخذ شخصًا ما إلى فيلم رعب وسيجدك مريعًا حقًا بعد ذلك."
وتضيف جينا: "إن المدربين الشخصيين وغيرهم من معلمي الرياضة سيكونون على دراية بهذا الأمر، لذلك نجد أن معظم العامِلين في هذا القطاع يلتزمون سياسةَ عدم مواعدة العملاء والزبائن.
ما الرسالة والمغزى من كلّ هذا؟
من أجل أن تبدأ علاقتَك الحالية، جرِّبْ نشاطًا مُثيرًا بشكل مناسب.
تسنيم علياء
ADVERTISEMENT
الآلهة ذات الفراء: الكشف عن أسباب تبجيل المصريين القدماء للقطط
ADVERTISEMENT
عندما تفكر في مصر أو سكان هذه المنطقة، ما هو أول ما يتبادر إلى ذهنك؟ الأهرامات القديمة؟ لوحات مصرية؟ أبو الهول؟ كليوباترا؟ كلها أمور مذهلة بالطبع، لكن بالنسبة لي، أول ما يتبادر إلى ذهني هو القطط!
المصريون القدماء يحبون قططَهم
احترم المصريون القدماء العديدَ
ADVERTISEMENT
من المخلوقات التي تتقاسم معهم المكان. ومع ذلك، احتلت القططُ، على وجه الخصوص، مكانةً خاصة جدًا في منازل وقلوب الكثيرين من تلك المنطقة القديمة. وعلى الرغم من أن المصريّين كانوا يعبدون العديد من الكائنات الأخرى، إلا أنهم كانوا يفضلون القططَ أكثر من غيرها. وصل حبُّ المصريين للقطط إلى أبعد مدى، لدرجة أنهم غالبًا ما كانوا يضعون سلامةَ قططهم فوق سلامتهم. فعلى سبيل المثال، عند اشتعال النيران في منزل، كان المصريون يُنقِذون قططهم أولاً ثم يعودون للحصول على أغراض شخصية أخرى. وعندما تموت قطتهم الأليفة، كانت الأسرة تحلق حواجبها حدادًا وتستمر في الحداد حتى تنمو حواجبها مرة أخرى.
ADVERTISEMENT
من الواضح أن المرء قد يتوقف ويتساءل، لماذا أحب المصريون القدماء قططهم كثيرًا؟
كان المصريون القدماء يُقدِّرون قططهم لسببين رئيسيين؛ الأول، لأنها قامت بحماية الزراعة من أكل القوارض، والثاني، لأنها كانت متأصِّلةً بعمق في عقيدتهم ونُظُمِ معتقداتهم.
حماة الغذاء
الصورة عبر unsplash
تم تدجين القطط لأول مرة في مصر منذ حوالي 10000 عام بعد أن ضلّ عددٌ قليل من القطط طريقه إلى المزارع الزراعية. كانت المجتمعاتُ المصرية القديمة زراعيّةً في المقام الأول وواجهت العديد من المشاكل فيما يتعلق بإبعاد منتجاتها عن الآفات مثل الفئران والجرذان والثعابين. وفي الوقت الذي كان فيه العثورُ على الغذاء أمراً صعباً، وكان ما تمّ تخزينُه قليلًا ويتعرض لهجوم القوارض، لعبت القططُ دورًا حاسمًا في ضمان الأمن الغذائي.
لقد علم المصريون القدماء في وقت مبكر أن القططَ الوحشية كانت تُنقِذ محصولَهم من خلال التغذية على الحيوانات المُتغذيّة على الفضلات. وسرعان ما بدأ العديدُ من الأسر في ترك الطعام للقطط من أجل إغراءها بزيارة منازلهم بشكل أكثر انتظامًا. وفي وقت ما، كانت جميع الأسر المصرية تقريبًا قد أصبحت تمتلك قططًا، ممّا ساعد على إبعاد القوارض وغيرها من التهديدات.
ADVERTISEMENT
العلاقة التكافلية مع القطط
الصورة عبر unsplash
واُعتبرت هذه العلاقة علاقةً تكافليةً أو متبادلة، حيث استفاد منها كلٌّ من القطط والمصريين. استمتعت القططُ بالعيش مع البشر، لأن ذلك يعني حصولها على فائضٍ من الطعام (الحشرات، وكذلك الطعام الذي تركه لها البشر)، كما أن الأمرَ كان يمكِّنها أيضًا من تجنّب التهديدات مثل الحيوانات المفترسة الكبيرة. ومن ناحية أخرى، كان المصريون يحصلون على مكافحة الحشرات مجانًا!
وقد رحب المزارعون بوجود القطط، حيث ساعدت في الحفاظ على إنتاجهم خاليًا من القوارض؛ وسرعان ما أخذ المزارعون والفلاحون والبحارة والتجار المهاجرون (الجميع بشكل أساسي) القططَ المنزلية أينما ذهبوا، وهذه هي الطريقة التي تمّ بها إدخالُ القطط في العديد من الأماكن في جميع أنحاء مصر.
المعتقدات والأساطير والقطط
الصورة عبر Wikimedia Commons
وبصرف النظر عن مظهرها الجسدي، فمن المعروف أيضًا أن القطط تحظى بتقدير كبير من منظور روحي. فعلى سبيل المثال، يعتقد العديد من المصريين أنه إذا ظهرت قطةٌ في أحلامهم، فهذا يعني أن الحظ السعيد في طريقه.
ADVERTISEMENT
كما ارتبطت القططُ بالعديد من الديانات خلال العصور المصرية القديمة. وعلى سبيل المثال، كانت الإلهة مافدت، التي تشبه الفهد، واحدة من أقدم الآلهة في مصر. وكان يعبدها أولئك الذين يطلبون الحماية من المخلوقات السامة كالثعابين، كما كانوا يعبدونها أيضا لأنها تمثل العدالة.
ومع ذلك، كانت باستت الأكثر شهرة بين جميع آلهة القطط. وكانت باستت، التي كانت نصفَ قطةٍ ونصفَ امرأة، معروفًة بأنها حارسةٌ للبيوت، وحارِسةٌ من الشر والمرض. كان الناس يعبدونها على نطاق واسع، لأنها ارتبطت أيضًا بالأنوثة والخصوبة. وكانت تحظى بشعبية كبيرة ويُقام مهرجانٌ لتكريمها بانتظام، وهو من أكبر الاحتفالات في مصر.
ومن المثير للاهتمام أن كهنةَ المعبد احتفظوا بمقابر كبيرة حيث دفن الناس قططهم المُحنَّطة. وعلى الرغم من وجود العديد من الآلهة المصرية الأخرى للقطط (مثل مافدت وسخمت)، إلا أن باستت كانت الوحيدة التي مثّلت القطَّ المستأنس.
ADVERTISEMENT
المصريون القدماء وإخلاصهم الشديد للقطط
الصورة عبر worldhistory
بصراحة، كان إخلاص المصريين القدماء للقطط على مستوى مختلف تمامًا. وأعظم مثال على ذلك هو معركة بيلوسيوم (525 قبل الميلاد)، عندما غزا قمبيز الثاني من بلاد فارس مصر. ويقال أن قمبيز كان على علم بحبّ مصر للقطط، وهو ما استخدمه لصالحه أثناء الحرب. إذ طلب من رجاله جمعَ أكبر عددٍ ممكن من القطط وحتى رسمَ صور القطط على دروعهم القتالية.
وعندما بدؤوا بالسير نحو مدينة بيلوسيوم، تقدمتْ عدةُ قطط في الطريق، بينما تم احتجاز الباقي في أحضان الجنود الفرس. كان المصريون مترددين جدًا في خوض المعركة، بسبب الخوف من إيذاء القطط، لدرجة أنهم استسلموا للهزيمة وتركوا المملكة المصرية ليغزوها الفرس.
وبالمثل، تم وضع العديد من القوانين لحماية القطط خلال العصور القديمة. فعلى سبيل المثال، إذا قتل شخصٌ قطةً، حتى ولو عن طريق الصدفة، فإن العقوبةَ ستكون الموت. كما كان من غير القانوني تجارة وتصدير القطط إلى بلدان أخرى. وعندما تموت القططُ، يتمّ تحنيطُها ويترك صاحبُها لها الطعام. وفي بعض الأحيان، تم دفنُ القطط مع أصحابها لإظهار مدى حبهم لحيواناتهم الأليفة المحبوبة.
ADVERTISEMENT
الصورة عبر unsplash
والآن عرفت إذن لماذا أحب المصريون قططَهم كثيرًا! في المرة القادمة التي ترى فيها قطة في الشارع، قد ترغب في معاملتها بمزيد من الاحترام، تمامًا كما كانت تفعل الحضاراتُ القديمة منذ آلاف السنين!