البتراء - تلك المدينة الوردية المنحوتة في منحدرات الحجر الرملي - هي رمز الأردن وأحد أشهر المواقع الأثرية في العالم. فإلى جانب واجهة الخزنة الرائعة، تُمثل البتراء ملتقى طرق التجارة القديمة، والهندسة النبطية المتميزة، وآلاف السنين من الاستيطان البشري. تضع هذه المقالة البتراء في السياق الأوسع لتاريخ الأردن وجغرافيته وسكانه واقتصاده؛ وتستعرض أهم المواقع الأثرية والسياحية في الأردن؛ وتصف تاريخ البتراء وأهميتها وأبرز معالمها السياحية؛ وتختتم بنظرة على التحديات ومستقبل البتراء والأردن.
يقع الأردن على الطرف الشمالي الشرقي لشبه الجزيرة العربية، ويحده سوريا (شمالاً)، والعراق (شرقاً)، والمملكة العربية السعودية (شرقاً وجنوباً)، وإسرائيل، والأراضي الفلسطينية (غرباً)، وله ساحل قصير على خليج العقبة (جنوباً وغرباً). تبلغ مساحته الإجمالية حوالي 89342-88700كيلومتراً مربعاً. يغلب على البلاد طابع قاحل أو شبه قاحل؛ وتتركز المناطق الخصبة والمكتظة بالسكان في الغرب (المرتفعات، ووادي الأردن، والشمال)، بينما تُعد الصحاري الشرقية والجنوبية قليلة السكان.
قراءة مقترحة
يتراوح عدد سكان الأردن بين 11و11.5 مليون نسمة تقريباً (تختلف التقديرات قليلاً حسب المصدر والسنة). يتميز سكان الأردن بكثافة سكانية عالية: إذ يعيش ما يقارب 80- 92%منهم في المدن والبلدات، ويتركزون حول عمّان والزرقاء وإربد والمرتفعات الشمالية الغربية. وتشكل الأراضي الصالحة للزراعة نسبة ضئيلة من إجمالي مساحة البلاد (غالباً ما تُشير المُعطيات إلى أقل من 5%)، مما يجعل المياه والأراضي الإنتاجية موارد استراتيجية نادرة.
خريطة الأردن
يعاني اقتصاد الأردن من شح الموارد: فهو يفتقر إلى احتياطيات كبيرة من الهيدروكربونات، ويستورد معظم احتياجاته من الطاقة. موارده الطبيعية التقليدية القابلة للتصدير هي الفوسفات والبوتاس، واللذان يُستخدمان في الأسمدة. ومن مصادر الدخل المهمة الأخرى السياحة، والتحويلات الخارجية، والخدمات (بما في ذلك التمويل والنقل)، والمساعدات الخارجية. ووفقاً لبيانات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للأردن (بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي) في السنوات الأخيرة عشرات المليارات من الدولارات، حيث تُشكل الخدمات الحصة الأكبر من الناتج. تشمل نقاط الضعف الاقتصادية في الأردن ارتفاع معدلات البطالة (خاصةً بين الشباب)، والاعتماد على الواردات لتوفير الطاقة والغذاء، والتأثر بعدم الاستقرار الإقليمي.
تُعد السياحة من أهم القطاعات الاقتصادية في الأردن. قبل الجائحة، ساهمت السياحة بنسبة مئوية من رقمين في الناتج المحلي الإجمالي، ودعمت العديد من الوظائف في قطاعات الضيافة والإرشاد السياحي والخدمات. تُعدّ البتراء معلماً سياحياً رئيسياً: فقد وصل عدد زوار البتراء سنوياً، في السنوات الأخيرة، إلى مئات الآلاف وأكثر من مليون سائح في السنوات الجيدة، مما يجعلها محركاً رئيسياً لإيرادات السياحة في الأردن. تُظهر التقارير الحكومية تقلبات موسمية وسنوية؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2024 زيارة 1.334 مليون سائح إلى الأردن إجمالاً (مع تفاوت الإيرادات والزيارات من فصل لآخر)، بينما ارتفعت أعداد زوار البتراء نفسها بشكل كبير خلال العقد الماضي. يمكن للصراعات الإقليمية والصدمات الجيوسياسية المتقطعة أن تُقلِّل بشكل حاد من أعداد الوافدين، كما وثّقت التقارير في عام 2024.
تحتفظ أراضي الأردن بآثار العديد من الحضارات القديمة: مستوطنات ما قبل التاريخ (العصر الحجري الحديث)، العمونيون، المؤابيون، الأدوميون، الأنباط، المدن الهلنستية والرومانية، الكنائس البيزنطية، الفترتان الإسلامية والعثمانية. تضم البلاد العديد من المواقع الأثرية والتراثية الرئيسية:
• البتراء (النبطية) - مدينة منحوتة وعاصمة مملكة الأنباط.
• جرش (جراسا) - واحدة من أفضل المدن الرومانية المحفوظة في العالم (شوارع ذات أعمدة، مسارح، معابد).
آثار جرش هي أحد هذه الآثار. بأقواسها وأروقتها وميدان سباق الخيل وحماماتها ومسارحها ومعابدها وغيرها، تُعدّ جرش من أكثر المدن حفظًا
• وادي رم - منطقة صحراوية مليئة بالنقوش الصخرية والآثار النبطية/الثمودية؛ منطقة محمية (طبيعية وثقافية) من قِبل اليونسكو.
• مادبا وجبل نيبو - فسيفساء بيزنطية (خريطة مادبا) ومشاهد توراتية.
• موقع المعمودية (المغطس) - موقع حج مسيحي مهم (أدلة أثرية واعتراف حديث).
تربط هذه المواقع التراث الثقافي متعدد الطبقات للأردن، وتشكل عناصر أساسية في العرض السياحي الوطني.
يشمل التراث الثقافي الأردني آثاراً تاريخية، وثقافة بدوية غير ملموسة (موسيقى، كرم ضيافة، حرف يدوية)، وتقاليد فسيفساء مسيحية (مادبا)، وعادات تاريخية حية في مدن مثل عمّان والسلط والكرك. كما تستخدم صناعة السينما والإعلام مواقع مثل وادي رم لإنتاجات دولية (مثل الأفلام التي استخدمت وادي رم بديلاً لـ"المريخ")، مما يزيد من الوعي العالمي. لطالما شجعت استراتيجية السياحة الأردنية على مزيج من السياحة الدينية والثقافية وسياحة المغامرة والسياحة العلاجية لتنويع السياح.
وادي رم- الأردن
الأصول والأنباط. تُظهر منطقة البتراء وجوداً بشرياً يعود إلى عصور ما قبل التاريخ؛ اتخذ الأنباط مدينة البتراء عاصمةً لهم بحلول القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد. سيطر الأنباط على طرق القوافل التي تربط شبه الجزيرة العربية وموانئ البحر الأحمر ومصر وبلاد الشام؛ وازدهرت البتراء كمركز تجاري وثقافي بفضل التجارة (البخور والتوابل والحرير وغيرها من السلع) والإدارة الذكية للمياه وهندسة نحت الصخور.
تراجع البتراء في العصر الروماني. خضعت البتراء لاحقاً للهيمنة الرومانية (منذ القرن الأول الميلادي فصاعداً) واحتفظت بأهميتها، لكنها بدأت في التراجع لفترة طويلة مع تحول التجارة البحرية وتضرُّر المدينة من الزلازل. بحلول العصر البيزنطي وما بعده، انخفض عدد سكان البتراء، وهُجرت المدينة إلى حد كبير وأصبحت تحت سيطرة البدو المحيطين بها لقرون، حتى أعاد المستكشفون الأوروبيون اكتشافها في القرن التاسع عشر.
مكانة البتراء عند اليونسكو وعلم الآثار. أُدرجت البتراء في قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 1985 لقيمتها العالمية الاستثنائية: فهي مثال رائع على العمارة المنحوتة في الصخر، ومثال بارز على حضارة تجارية خلّفت آثاراً ضخمة. يواصل العمل الأثري الجاري تحسين فهم الأنباط والنسيج الحضري للبتراء (وقد حظيت الحفريات والمسوحات الجيوفيزيائية واكتشافات القبور الحديثة باهتمام كبير في السنوات الأخيرة).
البتراء
تكتسب البتراء أهميتها لعدة أسباب:
أ. الابتكار المعماري - هياكل نصف مبنية ونصف منحوتة تجمع بين العمارة والجيولوجيا.
ب. الهندسة الهيدروليكية - السدود والصهاريج والقنوات التي أتاحت لمدينة كبيرة أن تزدهر في بيئة قاحلة.
ت. ملتقى ثقافي - تُظهر ثقافة البتراء المادية ونقوشها مزيجاً نبطياً من التأثيرات العربية والهلنستية والرومانية، مما يُلقي الضوء على التجارة والتبادل الثقافي عبر الشرق الأدنى القديم.
البتراء مُجمع ضخم؛ وعادةً ما يُخصص الزوار يوماً أو يومين لاستكشاف قلبها والوديان المجاورة. أبرز المعالم:
• السيق - وادٍ ضيقٌ مثيرٌ بطول كيلومتر واحد يُشكل المدخل الاحتفالي للبتراء؛ يُهيئك السير في السيق لاكتشافٍ مفاجئ.
السيق.
• الخزنة - الواجهة المنحوتة الشهيرة التي تُرحب بالزوار في نهاية السيق؛ يُحتمل أنها مقبرةٌ أو ضريحٌ ضخمٌ يعود تاريخه إلى القرن الأول قبل الميلاد وبعد الميلاد.
البتراء والنحت في الصخر
• شارع الواجهات والمقابر الملكية- مقابرٌ متعددة الطوابق منحوتةٌ في الصخر وواجهاتٌ منحوتةٌ في واجهة الجرف.
• المسرح - مسرحٌ من العصر الروماني منحوتٌ في الصخر مع مقاعدٍ موسعةٍ تتسع لآلاف الأشخاص.
• الدير - يُمكن الوصول إليه عبر صعودٍ طويلٍ يبلغ حوالي 800 درجة؛ واجهةٌ عريضةٌ ضخمةٌ غالباً ما تكون أكثر هدوءاً من الخزنة، وتتميز بإطلالاتٍ خلابة.
• قصر البنت (المعبد) - أحد المباني القليلة المستقلة في البتراء، وهو مهم للحياة الدينية.
• البتراء الصغيرة (السيق البارد)- مجمع صخري أصغر يقع على بُعد بضعة كيلومترات شمالاً، وهو مناسب لزيارة هادئة ورحلات مشي بين المواقع.
البتراء
المعلومات العملية للزائر: تقع البتراء بالقرب من بلدة وادي موسى (وادي موسى) على بُعد حوالي 240كم جنوب عمّان براً؛ على الزوار تخصيص وقت للمشي، وارتداء أحذية مريحة للخطوات غير المستوية، والتخطيط لدرجات الحرارة المرتفعة في الصيف. تنشر هيئة موقع البتراء إحصاءات الزوار ومعلومات عن الحديقة على الإنترنت.
مسار الرحلة إلى البتراء
تُعد البتراء ثروة ثقافية ومحركاً اقتصادياً: فهي تُدرّ إيرادات، وتدعم الفنادق، والأدلاء السياحيين، والمطاعم، وأسواق الحرف اليدوية المحلية، وشركات النقل في وادي موسى وجنوب الأردن. تُسهم الزيارات الموثوقة والمستدامة في زيادة فرص العمل المحلية وزيادة إيرادات العملة الأجنبية من خلال عائدات السياحة. بالنسبة للأردن، يُضاعف موسم البترا الجيد الفوائد على سلاسل التوريد الإقليمية (الإقامة، والطعام، والنقل، والحرف اليدوية). ومع ذلك، فإن الاعتماد على الوافدين الدوليين يُزيد من ضعف السياحة في مواجهة الصدمات الجيوسياسية، والدورات الموسمية، واتجاهات السفر العالمية.
تشمل تحديات الحفاظ على البتراء الضغط السياحي (تآكل المسارات، وتآكل الأسطح الحجرية)، والتجوية الطبيعية (تآكل الحجر الرملي، والفيضانات المفاجئة الناجمة عن الأمطار الغزيرة)، وعدم الاستقرار الإقليمي الذي قد يُقلِّل من عدد الوافدين ويُحوّل موارد الحكومة. تتعاون السلطات الأردنية واليونسكو وفرق الآثار الدولية في برامج الحفاظ وإدارة الزوار والبحوث للحد من التأثير وتوثيق الموقع. تُبرز الاكتشافات الحديثة والمسوحات العلمية ثراء البتراء الأثري وأهمية إدارته الوقائية.
السياحة المستدامة والتنويع. بالنسبة للبتراء والأردن، يعتمد مستقبلهما على تحقيق التوازن بين الوصول المفتوح والحفاظ على التراث: تحسين إدارة الزوار (التوقيت، المسارات، والحدود عند الضرورة)، والسياحة المجتمعية التي تُوَجِّه الفوائد إلى السكان المحليين من البدو ووادي موسى، وتنويع المنتجات السياحية (الثقافية، والدينية، والطبية، وسياحة المغامرات، وسياحة الأفلام) للحد من موسمية السياحة. كما يُركِّز التخطيط السياحي الأردني على تنويع الأسواق بشكل مرن وتشجيع السياحة الداخلية.
المرونة الاقتصادية. إن تحسين الأمن المائي، والاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة، وتعزيز صناعات الفوسفات/البوتاس بشكل مستدام، وتوسيع نطاق الطاقة المتجددة، وجذب السياحة ذات القيمة الأعلى، كلها عوامل من شأنها تعزيز مرونة الأردن. يجب أن تظل البتراء محور هذه الاستراتيجية، مع حمايتها والترويج لها بطرق تحافظ على نسيجها الأثري للأجيال القادمة.
البتراء أكثر من مجرد معلم أثري: إنها شهادة على براعة الإنسان في الهندسة والفن والتجارة في بيئة قاحلة. باعتبارها الموقع السياحي الأكثر جاذبية في الأردن، تُرسّخ البتراء خارطة تراثية أوسع (جرش، وادي رم، مادبا، البحر الميت) تروي معاً قصة طرق التجارة القديمة والحضارات المتعاقبة. يتطلب الحفاظ على البتراء - علمياً واقتصادياً واجتماعياً - حمايةً دقيقةً، ومصلحةً للمجتمع المحلي، واستراتيجياتٍ تحمي السياحة من الصدمات الإقليمية قصيرة المدى، مع بناء مرونةٍ طويلة المدى للاقتصاد الأردني.
