هل تتعلم من الاستماع بقدر ما تتعلم من القراءة؟

ADVERTISEMENT

أصبحت مسألة ما إذا كنا نتعلم من الاستماع بقدر ما نتعلم من القراءة مسألة ملحة في عصر تهيمن عليه الكتب الصوتية والبودكاست والتقنيات المساعدة الصوتية. فبينما تنقل كلتا الطريقتين المعلومات، إلا أنهما تُشغلان الدماغ بطرق مختلفة. ترتبط القراءة تقليديًا بمعالجة معرفية أعمق، مما يسمح بإعادة القراءة والتدوين والتعزيز البصري. أما الاستماع، من ناحية أخرى، فيوفر فورية ودقة عاطفية والقدرة على القيام بمهام متعددة. ووفقًا للدراسات الحديثة، غالبًا ما تكون مستويات الفهم بين القراءة والاستماع متقاربة عندما تكون المادة بسيطة ويكون المستمع مركزًا. ومع ذلك، عندما تزداد درجة التعقيد - كما هو الحال في النصوص الأكاديمية أو الحجج المجردة - تميل القراءة إلى توفير ميزة. ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن القراءة تسمح بالتحكم في الوتيرة والبنية، مما يمنح المتعلم وقتًا للتوقف والتفكير ومراجعة المقاطع الصعبة. أما الاستماع، فعلى الرغم من أنه غامر، فهو خطي وعابر ما لم يتم إيقافه مؤقتًا أو إعادة تشغيله. ومع ذلك، بالنسبة للعديد من المتعلمين، وخاصة السمعيين، يمكن أن يكون الاستماع فعالًا بنفس القدر، لا سيما عند اقترانه بتدوين الملاحظات أو المناقشة. ويكمن المفتاح ليس في الوسيلة نفسها، بل في كيفية استخدامها. فيمكن أن تؤدي كل من القراءة والاستماع إلى تعلم ذي معنى إذا تم التعامل معهما بقصد واهتمام واستراتيجيات مناسبة.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بواسطة fauxels على pexels

المشاركة المعرفية وتنشيط الدماغ

أظهرت الأبحاث العصبية أن القراءة والاستماع ينشطان مناطق متداخلة ولكنها متميزة في الدماغ. تُشغل القراءة القشرة البصرية ومراكز اللغة والمناطق المسؤولة عن فك رموز الرموز وبناء المعنى. إنها تتطلب مشاركة نشطة، حيث يجب على القارئ ترجمة الرموز المكتوبة إلى تمثيلات ذهنية. في المقابل، ينشط الاستماع القشرة السمعية ويُشغل مراكز المعالجة العاطفية والاجتماعية، خاصةً عندما تنقل نبرة المتحدث ونبرة صوته معنى إضافيًا. تكشف الدراسات التي تستخدم فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) أن كلتا الطريقتين تُحفزان شبكات الفهم، لكن القراءة تميل إلى إنتاج تنشيط أكثر استدامة في المناطق المتعلقة بتعزيز الذاكرة والتفكير النقدي. أما الاستماع، فعلى الرغم من قوته في نقل السرد والعاطفة، فقد يؤدي إلى مشاركة عابرة أكثر ما لم يتم تعزيزه من خلال التكرار أو التفاعل. يصبح هذا التمييز مهمًا في السياقات التعليمية. على سبيل المثال، غالبًا ما يحتفظ الطلاب الذين يقرأون الكتب المدرسية بمزيد من التفاصيل والبنية مقارنةً بمن يستمعون إلى المحاضرات بشكل سلبي. ومع ذلك، عندما يكون الاستماع تفاعليًا - كما هو الحال في الحوار السقراطي أو سرد القصص - يمكن أن يُنافس القراءة أو حتى يتفوق عليها من حيث المشاركة والاستيعاب. يلعب الحمل المعرفي أيضًا دورًا. فالقراءة تسمح للمتعلمين بالتحكم في الوتيرة وتقليل الحمل الزائد، بينما يتطلب الاستماع معالجة في الوقت الفعلي، مما قد يكون صعبًا بالنسبة للمواد المعقدة. في نهاية المطاف، يتكيف الدماغ مع كلا الشكلين، لكن عمق التعلم ومتانته قد يعتمدان على قدرة المتعلم على إدارة الانتباه ودمج المعلومات عبر الوسائل المختلفة.

ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Andrea Piacquadio على pexels

أنماط التعلم والتفضيلات والسياقات

تلعب الاختلافات الفردية دورًا مهمًا في تحديد ما إذا كان الاستماع أو القراءة أكثر فعالية. فبعض الناس متعلمون سمعيون بطبيعتهم، حيث يستوعبون المعلومات بشكل أفضل من خلال الكلمات المنطوقة أو الموسيقى أو المحادثة. والبعض الآخر متعلمون بصريون يفضلون النصوص المكتوبة والرسوم البيانية والتنظيم المكاني. قد يستفيد المتعلمون الحركيون من الجمع بين كلتا الطريقتين مع المشاركة الجسدية، مثل كتابة الملاحظات أو مناقشة الأفكار بصوت عالٍ. تختلف التفضيلات أيضًا حسب السياق. يُعد الاستماع مثاليًا للتعلم أثناء التنقل - أثناء التنقلات اليومية أو التمارين الرياضية أو الأعمال المنزلية - بينما تُفضل القراءة غالبًا في البيئات الهادئة التي تتطلب تركيزًا. ويؤثر العمر والتطور المعرفي أيضًا على فعالية الطريقة. قد يستفيد الأطفال الصغار أكثر من الاستماع، خاصةً عند اقترانه بإشارات بصرية، بينما غالبًا ما يطور الطلاب الأكبر سنًا والبالغون مهارات فهم قراءة أقوى. كما أن إتقان اللغة مهم أيضًا. بالنسبة لمتعلمي اللغة الثانية، قد توفر القراءة بنية أوضح وتعزيزًا للمفردات، بينما يوفر الاستماع فرصة للتعرف على النطق والإيقاع الحواري. إن إمكانية الوصول هي عامل آخر. وتجعل الكتب الصوتية والبودكاست التعلم أكثر شمولاً للأشخاص الذين يعانون من إعاقات بصرية أو صعوبات في القراءة. في البيئات المهنية، ويمكن أن يوفر الاستماع إلى العروض التقديمية أو المقابلات سياقًا ونبرة قد تفتقر إليها التقارير المكتوبة. على العكس من ذلك، تسمح قراءة الكتيبات الفنية أو الأوراق البحثية بالدقة والعمق.

ADVERTISEMENT
الصورة على cdn.thecollector

تصميم التعلم للمستقبل

مع استمرار التكنولوجيا في إعادة تشكيل كيفية وصولنا إلى المعلومات، يصبح التمييز بين الاستماع والقراءة أقل تركيزًا على المنافسة وأكثر على التكامل. تقدم المنصات التعليمية بشكل متزايد محتوى بكلتا الصيغتين، إدراكًا منها أن المتعلمين يستفيدون من الاختيار والمرونة. تعمل واجهات الصوت والمعلمون الافتراضيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي والتجارب الصوتية الغامرة على توسيع إمكانيات التعلم السمعي، بينما توفر أدوات القراءة الرقمية إمكانية إضافة التعليقات والبحث والوتيرة التكيفية. يكمن مستقبل التعلم في التخصيص - مطابقة تقديم المحتوى للاحتياجات والأهداف والسياقات الفردية. بالنسبة للمعلمين ومنشئي المحتوى، فهذا يعني تصميم مواد نمطية ومتعددة الوسائط ومتجاوبة. أما بالنسبة للمتعلمين، فيعني ذلك تنمية ما وراء المعرفة - القدرة على التفكير في كيفية تعلمهم بشكل أفضل وتكييف الاستراتيجيات وفقًا لذلك. وتشير الأبحاث إلى أن الجمع بين الاستماع والقراءة يمكن أن يؤدي إلى فهم أعمق، خاصةً عندما يشارك المتعلمون بنشاط من خلال تدوين الملاحظات والتلخيص والمناقشة. لم يعد السؤال هو ما إذا كانت إحدى الطريقتين متفوقة، بل كيف يمكن تحسين كل منهما. يوفر الاستماع التعاطف والفورية والتدفق السردي. توفر القراءة البنية والعمق والوضوح التحليلي. وتشكل هذه العناصر مجتمعةً أداةً قويةً للتعلم مدى الحياة. في عالمٍ تتوفر فيه المعلومات بكثرة ويندر فيه التركيز، لم تعد القدرة على التعلم بفعالية عبر مختلف الوسائل مجرد مهارة، بل هي شكل من أشكال المعرفة الأساسية.

    toTop