تشير نظرية العقل (ToM) إلى القدرة على نسب الحالات العقلية - مثل المعتقدات والرغبات والنوايا والمعرفة - إلى الذات والآخرين. إنها المهارة المعرفية التي تُمكّننا من فهم أن للآخرين أفكارًا ووجهات نظر مختلفة عن أفكارنا ووجهات نظرنا. هذه القدرة أساسية للتفاعل الاجتماعي البشري، حيث تُمكّن من التعاطف والخداع والتعاون والتواصل. عند البشر، تبدأ نظرية العقل عادةً بالتطور في سن الرابعة تقريبًا، عندما يبدأ الأطفال في اجتياز اختبارات "المعتقدات الخاطئة" - وهي تجارب مصممة لمعرفة ما إذا كان الطفل يفهم أن شخصًا آخر قد يحمل اعتقادًا خاطئًا. على سبيل المثال، إذا رأى طفل لعبة تُنقل من صندوق إلى آخر بينما يكون شخص آخر خارج الغرفة، فسيفهم الطفل ذو نظرية العقل أن الشخص الغائب سيظل ينظر إلى الصندوق الأصلي. ولكن ماذا عن الحيوانات غير البشرية، وخاصةً أقرب أقربائنا - القردة؟ هل يمتلك الشمبانزي والبونوبو والغوريلا وإنسان الغاب فهمًا مشابهًا لعقول الآخرين؟ لقد أثار هذا السؤال فضول العلماء لعقود، وأدى إلى سلسلة من التجارب الرائدة والنقاشات المستمرة.
قراءة مقترحة
سن الرابعة تقريبًا
في هذا العمر يبدأ الأطفال عادةً في اجتياز اختبارات المعتقدات الخاطئة، وهي العلامة الكلاسيكية على تطور نظرية العقل.
تُعرف القردة بذكائها ومهاراتها في حل المشكلات وحياتها الاجتماعية المعقدة. في البرية، تُشارك الشمبانزي في تحالفات استراتيجية، وتُمارس الخداع، وحتى المناورات السياسية داخل مجموعاتها - وهي سلوكيات تُشير إلى فهم مُتطور للآخرين. في تجارب مُحكمة، اختبر الباحثون نظرية العقل لدى القردة باستخدام أساليب مُختلفة:
تستطيع القردة متابعة ما يراه الآخرون وما لا يرونه، ويظهر ذلك عندما يقترب الشمبانزي الخاضع من الطعام المخفي عن الشمبانزي المهيمن.
تختلف استجابة القردة العليا عندما يحجب الإنسان الطعام عمدًا عنها مقارنةً بما يحدث حين يسقط الطعام سهوًا.
لوحظ أن القردة تخفي الطعام أو تضلل الآخرين بشأن مكانه، وهو سلوك يوحي بفهم إمكانية تشكيل اعتقاد خاطئ لدى الآخر.
ومع ذلك، فإن الاختبار الأكثر تحديًا لنظرية العقل هو اختبار الاعتقاد الخاطئ. لسنوات، فشلت القردة العليا باستمرار في النسخ التقليدية من هذا الاختبار، مما دفع العديد من العلماء إلى استنتاج أنه بينما قد تفهم القردة العليا الأهداف والتصورات، إلا أنها لا تدرك أن الآخرين قد يحملون معتقدات خاطئة.
أعادت دراسة عام 2016 إشعال النقاش لأنها بدت وكأنها تمنح القردة نجاحًا جزئيًا في اختبار الاعتقاد الخاطئ، لكن تفسير هذه النتيجة ظل موضع خلاف حاد.
لفترة طويلة أخفقت القردة العليا في النسخ التقليدية من اختبار الاعتقاد الخاطئ، فمال كثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأن فهمها يقتصر على الأهداف والإدراك البصري.
استخدم الباحثون نسخة غير لفظية مع تتبع حركة العين، ولاحظوا أن القرود تنظر إلى المكان الذي يتوقعه الممثل بناءً على اعتقاده الخاطئ.
جادل النقاد بأن هذا السلوك قد يفسَّر بالاعتماد على إشارات سلوكية مكتسبة، لا بفهم حقيقي للحالات العقلية.
أدت نتائج التكرار المتباينة إلى طرح فكرة "نظرية عقل دنيا" تسمح بتوقع السلوك دون امتلاك فهم بشري كامل للمعتقدات.
في عام 2016، أعادت دراسة نُشرت في مجلة ساينس إثارة الجدل العلمي والفلسفي حول الإدراك الحيواني. باستخدام نسخة غير لفظية من اختبار الاعتقاد الخاطئ وتقنية تتبع حركة العين، عرض الباحثون على قرود من نوع المكاك مقاطع فيديو لممثل بشري يبحث عن شيء بناءً على اعتقاد خاطئ بشأن موقعه. ومن اللافت للنظر أن القردة نظرت نحو المكان الذي اعتقد فيه الممثل خطأً بوجود الشيء، مما يشير إلى أنهم توقعوا تصرفه بناءً على اعتقاده الخاطئ. كانت هذه النتيجة رائدة ومثيرة للاهتمام؛ إذ أوحت بأن القرود قد تمتلك بالفعل شكلاً بدائياً من نظرية العقل، على الأقل على مستوى توقع السلوك انطلاقاً من معتقدات الآخرين، حتى لو كانت خاطئة. ومع ذلك، جادل نقاد بأن القرود ربما تستخدم ببساطة إشارات سلوكية مكتسبة نتيجة للتجربة، بدلاً من امتلاك فهم حقيقي للحالات العقلية للآخرين. أسفرت الدراسات اللاحقة عن نتائج متباينة. كرر بعضها النتائج الأصلية، بينما لم ينجح البعض الآخر في إعادة إنتاجها، مما زاد من تعقيد المشهد البحثي. يتركز النقاش الآن حول ما إذا كانت القرود تمتلك نظرية عقل متكاملة كالتي لدى البشر، أو نسخة أكثر محدودية ضمنية تسمح لها بالتنبؤ بالسلوك دون فهم دقيق أو واعٍ للمعتقدات. أحد الاحتمالات المطروحة هو أن القردة العليا تمتلك ما يسميه بعض الباحثين "نظرية عقل دنيا"—قدرة على تتبع ما يراه الآخرون أو يريدونه أو يقصدونه، لكنها لا تدرك بعد المفهوم المجرد والمعقد للإيمان، وخاصة الإيمان الزائف، مما يضعها في منطقة وسطى بين قراءة السلوك وقراءة العقل الحقيقية، ويثير تساؤلات حول أصول الإدراك الاجتماعي وأسس الوعي المعرفي في الحيوانات.
إن مسألة امتلاك القردة العليا لنظرية عقل تتجاوز كونها مسألة أكاديمية - بل لها آثار عميقة على كيفية فهمنا لأنفسنا ومكانتنا في العالم الطبيعي. من منظور تطوري، إذا امتلكت القردة العليا ولو شكلاً أساسياً من نظرية العقل، فهذا يشير إلى أن هذه القدرة لم تظهر فجأة لدى البشر، بل تطورت تدريجياً لدى أسلافنا الرئيسيات. كما يثير هذا احتمال أن تمتلك حيوانات ذكية أخرى - مثل الفيلة والدلافين والغرابيات - قدرات معرفية مماثلة. من الناحية الأخلاقية، فإن إدراك قدرة القردة العليا على فهم أفكار ومشاعر الآخرين يُشكل تحدياً لكيفية تعاملنا معهم. يُعزز هذا الحجج الداعية إلى حمايتهم وحقوقهم ورفاهيتهم. إذا كانت القردة تعاني ليس فقط جسديًا، بل عاطفيًا واجتماعيًا أيضًا، فإن استخدامهم في الترفيه أو البحث أو الأسر يصبح أكثر إثارةً للشكوك الأخلاقية. وأخيرًا، يساعدنا استكشاف نظرية العقل لدى القردة على التفكير في طبيعة الإدراك البشري. ما الذي يجعل عقولنا فريدة؟ هل هي اللغة، أم الثقافة، أم القدرة على التفكير في أفكارنا؟ أم أننا ببساطة أكثر تقدمًا في طيف من الذكاء الاجتماعي المشترك مع الأنواع الأخرى؟ في النهاية، تُعدّ دراسة القردة وعقولها بمثابة مرآة تعكس جذورنا التطورية ومسؤولياتنا الأخلاقية. وسواءٌ امتلكت القردة نظرية عقل كاملة أم لا، فإنها تُذكرنا بأن الذكاء والتعاطف والوعي ليست ملكًا لنا وحدنا.