أبو سمبل: أعجوبة معمارية في صحراء النوبة
ADVERTISEMENT

في قلب صحراء النوبة، وعلى ضفاف بحيرة ناصر الهادئة، تقف معابد أبو سمبل شامخة كأنها تتحدى الزمن والرمال. هذه الأعجوبة المعمارية ليست مجرد موقع أثري، بل شهادة حية على عبقرية المصريين القدماء، وخاصة الملك رمسيس الثاني، الذي أراد أن يُخلّد نفسه وحضارته في الصخور الجبلية الصلبة.
أبو سمبل ليس فقط

ADVERTISEMENT


مقصدًا سياحيًا بل تجربة ثقافية وروحية تأخذ الزائر في رحلة عبر الزمان إلى ذروة الدولة الحديثة في مصر القديمة.


صورة بواسطة AXP Photography على Unsplash


نبذة تاريخية: رمسيس الثاني ومشروع التخلّيد

تم نحت معبدي أبو سمبل في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تحديدًا في عهد الملك رمسيس الثاني، أحد أعظم الفراعنة في التاريخ المصري. بُني المعبد الأكبر لتمجيد رمسيس نفسه وتقديمه كإله إلى جانب آلهة مصرية عظيمة مثل رع وبتاح وأمون، بينما خُصص المعبد الأصغر لزوجته المحبوبة الملكة نفرتاري، وهو أمر نادر في التقاليد المصرية القديمة، ما يعكس مكانة نفرتاري الخاصة.

ADVERTISEMENT

جُعلت الواجهة الأمامية للمعبد الأكبر تتكون من أربعة تماثيل ضخمة للملك رمسيس الثاني، يبلغ ارتفاع كل منها حوالي 20 مترًا، محفورة بدقة مذهلة في الصخر الرملي. وعند دخول المعبد، ينتقل الزائر عبر ممرات مزينة بالنقوش والمنحوتات التي تروي إنجازات رمسيس العسكرية، خصوصًا معركة قادش الشهيرة.

الأعجوبة الفلكية: ظاهرة تعامد الشمس

من أبرز ما يميز معبد رمسيس الثاني في أبو سمبل هو ظاهرة تعامد الشمس على قدس الأقداس، والتي تحدث مرتين في السنة، في 22 فبراير و22 أكتوبر. في هذين اليومين، تدخل أشعة الشمس إلى قلب المعبد لتضيء تماثيل أربعة آلهة، من بينها تمثال رمسيس نفسه، بينما يبقى تمثال الإله بتاح في الظل، كونه إله الظلام.

هذه الظاهرة لم تكن عشوائية، بل تعكس معرفة دقيقة للفلك والهندسة، وتدل على مدى تطور العلوم لدى قدماء المصريين. وقد أصبحت هذه الظاهرة اليوم مهرجانًا سنويًا يستقطب الآلاف من الزوار المحليين والأجانب، الذين يأتون خصيصًا لمشاهدة هذا الحدث النادر والفريد.

ADVERTISEMENT


صورة بواسطة Tang wei-chen على Unsplash


عملية الإنقاذ الأسطورية: عندما انتقل الجبل

في الستينات، ومع بناء السد العالي في أسوان، كان من المتوقع أن تُغمر معابد أبو سمبل بمياه بحيرة ناصر. لكن العالم بأسره انتفض للحفاظ على هذه الكنوز. أطلقت اليونسكو واحدة من أعظم عمليات الإنقاذ الأثري في التاريخ، حيث تم تفكيك المعبدين ونقلهما قطعة قطعة إلى موقع جديد أعلى من الموقع الأصلي بـ65 مترًا.

تمت العملية بين عامي 1964 و1968، واستخدم فيها تقنيات متقدمة وفريق دولي من الخبراء والمهندسين. واستُخدمت كتل ضخمة من الصخور أعيد تجميعها بدقة مذهلة، حتى أن الظاهرة الفلكية ظلت تعمل بنفس الطريقة تقريبًا، مع انحراف بسيط في التوقيت.

معبد نفرتاري: تمجيد الحب الملكي

يقع المعبد الأصغر على بُعد خطوات قليلة من المعبد الكبير، وهو مخصص للملكة نفرتاري، ويعد أحد أبرز رموز التقدير الملكي للمرأة في مصر القديمة.
الواجهة تتكون من ستة تماثيل، أربعة لرمسيس واثنين لنفرتاري، وهي المرة الوحيدة في العمارة المصرية القديمة التي تظهر فيها الملكة بنفس ارتفاع الفرعون.

ADVERTISEMENT

داخل المعبد، تزخر الجدران برسوم ساحرة تُظهر الملكة وهي تقدم القرابين للإلهة حتحور، ربة الحب والموسيقى. ويضفي الجو الداخلي للمعبد طابعًا حميميًا وساحرًا، يجمع بين الأناقة الأنثوية وجلال الملوك.

كيف تصل إلى أبو سمبل؟

يمكن الوصول إلى أبو سمبل من مدينة أسوان، التي تبعد نحو 280 كيلومترًا إلى الشمال. هناك طريقتان رئيسيتان للوصول:

الطائرة: وتُعد الطريقة الأسرع، حيث توفر بعض شركات الطيران المحلية رحلات مباشرة من مطار أسوان إلى أبو سمبل، وتستغرق الرحلة حوالي 45 دقيقة.

الحافلة أو السيارة الخاصة: وهي خيار رائع لمن يرغب في تجربة الطريق الصحراوي ومشاهدة المناظر الطبيعية للنوبة، وتستغرق الرحلة حوالي 3 إلى 4 ساعات.


تصوير Arthur Tseng على Unsplash


أفضل وقت لزيارة أبو سمبل

يفضل زيارة أبو سمبل بين شهري أكتوبر وأبريل، حيث تكون درجات الحرارة معتدلة، مما يتيح للزائر استكشاف المعابد براحة أكبر. أما في أشهر الصيف، فقد تصل درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة جدًا، ما قد يجعل التجربة مرهقة.

ADVERTISEMENT

كما يُنصح بزيارة المعبد في وقت مبكر من النهار للاستمتاع بالإضاءة الطبيعية والتقاط أجمل الصور، أو الحضور خلال مهرجان تعامد الشمس لمشاهدة الظاهرة الفلكية المدهشة.

التجربة السياحية في أبو سمبل

زيارة أبو سمبل لا تقتصر فقط على المعابد، بل تشمل أيضًا:

  • مركز الزوار: حيث يمكن مشاهدة معارض توضح مراحل الإنقاذ الدولية للمعابد، وصور نادرة من عملية النقل.
  • بحيرة ناصر: مشهد البحيرة الهادئة خلف المعبد يضفي بعدًا جماليًا وروحيًا على المكان، كما يمكن القيام برحلات بحرية قصيرة.
  • القرى النوبية المجاورة: لمن يرغب في استكشاف الثقافة المحلية، يمكن زيارة القرى النوبية القريبة، والتعرف على الحرف اليدوية والمأكولات التقليدية.

السياحة في جنوب مصر: بوابة الأصالة

أبو سمبل ليس فقط معلَمًا أثريًا، بل هو جزء من هوية الجنوب المصري، حيث تلتقي الحضارة بالطبيعة في انسجام نادر. ومن هنا يمكن للزائر أن يواصل رحلته لاكتشاف جمال أسوان، ومعابد فيلة، وجزيرة النباتات، وقرى النوبة، حيث يتعرف على التقاليد والثقافة الأصيلة التي ما تزال حية حتى اليوم.

الخاتمة: أبو سمبل... حين يتحدث الحجر

في أبو سمبل، لا تروي النقوش فقط تاريخ ملك، بل تحكي قصة حضارة كاملة استوعبت الفن، والهندسة، والفلك، والروحانية. هذه الأعجوبة المحفورة في الجبل، وسط الصحراء الهادئة، لا تُشاهد فقط، بل تُعاش بكل الحواس. السفر إلى أبو سمبل هو أكثر من زيارة؛ هو انغماس في قلب مصر القديمة وروحها.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
الحياة الغامضة للباندا الحمراء في غابات الهيمالايا
ADVERTISEMENT

تبدو وكأنها لعبة، لكن الباندا الأحمر هو ناجٍ متخصص في حياة الغابات الباردة في الهيمالايا، حيث أن ذيله الطويل وفراؤه الكثيف وأقدامه القابضة و التحكم الشديد في جسمه معدة للعيش على الفروع العالية والضيقة والمتحركة.

يوضح موقع حديقة الحيوانات القومية لمؤسسة سميثسونيان ذلك بكل بساطة: الباندا الأحمر يستخدم ذيله الطويل

ADVERTISEMENT

الكثيف للتوازن وللتدفئة عندما يلتف على نفسه في الطقس البارد، وتساعده أظافره القابلة للانكماش جزئياً والعظمة المعصمية الكبيرة التي تُسمى غالباً الإبهام الكاذب في التسلق والتعامل مع الفروع. بمجرد أن تعرف ذلك، يتوقف النعومة عن كونها تزيينًا وتصبح معدات.

ما تعنيه خطوة هادئة على اللحاء فعلياً

الانتقال المفاجئ إلى الفرع. هناك حفيف خافت لأوراق الخيزران في مكان ما أسفل، ثم صوت خدش ناعم للأظافر التي تضبط نفسها على اللحاء. يتوقف الحيوان، يزن وزنه، ويترك الذيل يتحرك قليلاً إلى جانب واحد قبل الخطوة التالية.

ADVERTISEMENT
صورة لجينيفر إرميلر على أنسبلاش

هذا التوقف ليس تردداً بالمعنى المقصود لدينا. إنه تحكم. على الخشب الرطب، على أرض صغيرة، في برد الجبل، يتحرك الباندا الأحمر كما لو أن كل بوصة مهمة لأنه في الغابة الأمر كذلك بالفعل.

إذا كنت تريد التحقق من نفسك بسرعة، فتخيل نفسك حافي القدمين على فرع ضيق ورطب في هواء بارد. عدم الاستقرار يظهر على الفور. ما يفتقر إليه جسمك، يحله الباندا الأحمر بذيل متوازن، وأظافر معقوفة، وأقدام مغطاة بالفراء، ومركز ثقل منخفض ومضغوط.

ذيله هو أسهل تكيف يمكن ملاحظته، وهو أيضًا من أكثر التكيفات فائدة. في الأشجار يعمل كالثقل المعاكس، يساعد الجسم على البقاء ثابتًا عند انحناء الفرع أو دوران الحيوان. في الراحة، يمكن لهذا الذيل نفسه أن يلتف حول الجسم كالبطانية ضد برد الجبال.

ثم هناك المعطف. تعيش الباندا الحمراء في الغابات الباردة العالية عبر الهيمالايا وجنوب غرب الصين، وتحمل فراء كثيفاً ليس فقط على الجسم بل أيضاً على باطن القدمين. هذه العزلة تساعد في درجات الحرارة المنخفضة وتضفي قليلاً من الثبات الإضافي على الأسطح الزلقة.

ADVERTISEMENT

راقب الأقدام عن كثب وستصبح التصميمات أكثر وضوحًا. الأظافر معقوفة وقابلة للانكماش جزئيًا، مفيدة في الإمساك باللحاء بينما يصعد الحيوان رأسًا للأمام أو ينزل بحذر. الإبهام الكاذب، الذي هو في الواقع عظمه معصمية مكبرة، يساعد في الإمساك بالخيزران والارتكاز عند الفروع.

التناسق هنا هو أساس الفهم: الميزات التي تجعل الحيوان يبدو لطيفًا وناعمًا كالحيوانات المحشوة هي نفسها التي تمكنه من تحمل الحياة الباردة في الغابات المرتفعة. الفرو هو الدفء. الذيل هو التوازن والغطاء. التماسك هو الثبات. ما يبدو لطيفًا هو أيضًا ما يجعله فعالًا.

لماذا الغابة كان يجب أن تتكون قبل أن يتكون هذا الحيوان

الآن وسّع الزمن. قبل فترة طويلة من أن يضع باندا أحمر مخلبًا على فرع، كانت جبال الهيمالايا تتشكل، وكانت المناخات تتغير، وتتشكل أحزمة واسعة من الغابات المعتدلة مع خيزران في الطبقات السفلية على طول الجبال الشرقية. على مدى فترات زمنية طويلة، أصبح للمنحدرات الباردة والمظلات المصفوفة والخيزران المتناثر مكانًا حيث يُكافأ التوازن والعزل والقبضة والحذر مرة بعد أخرى.

ADVERTISEMENT

ثم فجأة، عودة إلى مخلب واحد يتكيف على اللحاء.

هذا هو التغيير في طريقة الرؤية. الفرع ليس مجرد مرحلة حول ثديي ساحر. إنه الحد الحي لنظام جبلي قديم، والباندا الأحمر يناسبه جزءًا جزءًا.

البرودة. الارتفاع. الأرض الضيقة. الفروع المتحركة. درجات الحرارة المنخفضة. المعطف الكثيف. الذيل المتوازن. الأقدام القابضة. التحكم العضلي الحذر. كل تفصيل هو إجابة على ضغط في تلك الحياة الحراجية.

هذا ليس فقط تاريخًا طبيعيًا في المجرد. الدراسات البيئية أظهرت أن الباندا الحمراء لا تتواجد بشكل متساوٍ في أي تل أخضر. في عام 2020، نشر بيستا وزملاؤه دراسة فيالتقارير العلميةباستخدام كاميرات مراقبة في 174 موقعًا في منطقة بانشتار-إيلام-تابليجونغ في نيبال، ووجدوا أن تواجد الباندا الأحمر مرتبط بوفرة الخيزران، وغطاء الشجر، والماء، بينما كان الاضطراب يقلل من استخدام المواقع. الحيوان مرتبط بالبنية، وليس فقط بالمناظر الطبيعية.

ADVERTISEMENT

نمط مشابه يظهر في أماكن أخرى ضمن نطاق تواجدها. الباحثون العاملون في شرق الهيمالايا وجدوا مرارًا أن الباندا الحمراء تفضل الغابات المعتدلة بغطاء سفلي من الخيزران وسقف متصل، عادة في ارتفاعات متوسطة إلى عالية، وتتجنب الأماكن التي يتسبب فيها ضغط الماشية أو قطع الأشجار أو الحركة البشرية المتكررة في كسر الغابة إلى قطع غير مستقرة. الجسم والبيئة يكملان بعضهما البعض بشكل وثيق.

اللطافة لا تعني العجز، لكنها لا تعني الأمان

الناس غالبًا ما يرتكبون خطأً خفيًا هنا. إذا بدا الحيوان لطيفًا، فإننا نتخيله سلبيًا أو غير ملائم للصعاب. الباندا الحمراء تصحح هذه الفكرة ببساطة من خلال العيش حيث تعيش.

إنها متأقلمة جيدًا، لكنها ليست محصنة. يُدرج الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة الباندا الحمراء كنوع مهدد بالانقراض، وأحد الأسباب هو أن تجزئة المواطن والتداخل البشري يمكن أن يكسر هيكل الغابات الغنية بالخيزران التي يعتمد عليها هذا الحيوان. التكيف ليس سحرًا. لا يمكنه الحماية الكاملة من الطرق وعمليات الإزالة والضغط المتكرر في الأماكن الخاطئة.

ADVERTISEMENT

ومع ذلك، فإن الأمر المحايد الذي يجب ملاحظته أولاً هو كفاءته. يمكنه النزول من الأشجار برأسه أولاً. يمكنه الراحة عالياً دون هدر الحرارة. يمكنه التحرك عبر الفروع المرنة بصبر يحمله إلى الأمان.

ما الذي يسمح لك الصبر برؤيته

عندما تبطئ بما فيه الكفاية، يتوقف الباندا الأحمر عن كونه حادثًا لطيفًا ويصبح ما هو عليه: متخصص في الغابات الجبلية، مهيأ لبيئة باردة لا يتطلب كل خطوة فيها شيئًا من الجسم. حدائق الحيوان القديمة وعلماء الأحياء الميدانيون محقون في البدء مع الذيل والأظافر، لأن الحقيقة تكون مرئية إذا شاهدت بصمت.

لذا إذا كان أول ما تشعر به هو العاطفة، فلا بأس بذلك. فقط احمل معها هذه الفكرة: النعومة التي تلاحظها هي دليل على التكيف، وليست زينة مضافة. الفرو، الذيل، الأقدام، والحذر تنتمي جميعها لحياة واحدة عالية في غابة الهيمالايا.

ADVERTISEMENT

ومتى عرفت ذلك، فإن الباندا الأحمر الصبور على فرع لا يبدو كمجرد فضول صغير بل كإجابة قديمة ومصممة جيدًا للبرد الجبلي.

ADVERTISEMENT
تسعة أدمغة وثلاثة قلوب وحقائق غريبة أخرى عن الأخطبوطات
ADVERTISEMENT

يبدو أنّ الأخطبوطات -تلك رأسيات الأرجل التي تتميّز بالذكاء جنباً إلى جنب مع الغرابة- تجسّد كلَّ ما هو مخيفٌ وغامضٌ فيما يتعلَّق بالبحر، وفكرة وجود أجسادها الإسفنجية الناعمة كامنةً في المناطق المظلمة للمحيطات كانت مصدر الإلهام لتخيّل وحوشٍ عديدةٍ امتدّ نطاقها من الكراكن Kraken إلى لوسكا Lusca

ADVERTISEMENT

منطقة البحر الكاريبي. السمة الأكثر ظهوراً للعيان في الأخطبوط هي وجود الأذرع الثمانية، ولكن تحت جلده المرقّش توجد في الواقع مجموعةٌ من الأدمغة، واحدٌ لكلِّ مجسٍّ من المجسّات. وهل تعلم كم يبلغ بالضبط عدد قلوب الأخطبوط؟ الجواب مفاجئٌ إلى حدٍّ كبير إذْ أنه ثلاثة. ولكلٍّ من هذه القلوب الثلاثة وظيفةٌ هامّةٌ خاصّةٌ به، لذلك هي ليست مجرّد قطع غيارٍ احتياطيةٍ بعضها لبعض. جميع هذه الحقائق ليست سوى القمة الظاهرة لجبل الجليد أي لهذا المخلوق الذي يُعتبَر واحداً من أكثر المخلوقات الموجودة تحت سطح البحر تميّزاً.

ADVERTISEMENT

الأخطبوط لديه ثلاثة قلوب.

الصورة عبر unsplash

ليس لدى الأخطبوط قلبٌ واحدٌ، بل ثلاثة قلوب. اثنان منها –وهما القلبان الخيشوميان– يضخّان الدم إلى الخياشيم حيث يتمّ التقاط الأكسجين. أمّا القلب الثالث -أو القلب الجهازي- فيضخّ الدم المؤكسج إلى جميع أنحاء الجسم، وهذا ما يوفّر التغذية اللازمة للمجسّات الثمانية من أجل كلّ ما تخطّط هي وممصّاتها أن تفعله. إنّ الأخطبوطات باعتبارها من رأسيات الأرجل تُعَدّ نشيطةً للغاية، ويُعتقَد أنّ القلوب الثلاثة ضروريةٌ للحفاظ على طاقتها. ولكنّ الأخطبوط لا يستخدم قلبه الجهازي عند السباحة، ويمكن أن يتعب بسهولةٍ تامّة. فبدل ذلك يولّد نفّاثاتٍ مائيةً بواسطة غلاف جسمه ليوفّر القوّة للدفع. لون دم الأخطبوط أزرق بسبب احتوائه على الهيموسيانين الذي يُعَدّ النحاس أساس بنائه والذي يحمل الأكسجين. ولكنّ الهيموسيانين لا يحمل الأكسجين بالجودة التي لدى الهيموجلوبين الموجود عند الإنسان والذي يُعَدّ الحديد أساس بنائه، وحسب شرح مجلة نيوساينتست New Scientist فإنّ هذا الأمر قد يكون هو السبب وراء حاجة الأخطبوطات إلى أكثر من قلبٍ واحدٍ. لسوء الحظ، الهيموسيانين لا يحمل الأكسجين بشكلٍ جيّدٍ في الظروف الحمضية. وبما أنّ تغيّر المناخ يؤدّي تدريجياً إلى خفض الباهاء في محيطات العالم، لذا قد تصبح بيئة هذه المحيطات في المستقبل غير مناسبةٍ للبنية التشريحية للأخطبوط.

ADVERTISEMENT

الأخطبوط لديه تسعة أدمغة

الصورة عبر unsplash

هناك سببٌ آخر لوجود تلك المجموعة الرائعة من القلوب يرجع إلى سمةٍ غريبةٍ أخرى في البنية التشريحية للأخطبوط: وهي أنّ لديه دماغاً صغيراً في كلٍّ من المجسّات الثمانية، الأمر الذي يساعد كلَّ ذراعٍ على التصرّف بشكلٍ مستقلٍّ بمنعكساتٍ سريعةٍ ودقيقةٍ. يشرف الدماغ التاسع على الجهاز العصبي بأكمله، ويمكنه أيضاً تخطّي الدماغ الصغير إلى حدٍّ ما لتشغيل أيّ مجسٍّ من المجسّات. إنّ نسبة الدماغ-إلى-الجسم لدى الأخطبوط هي النسبة الأكبر بين جميع أنواع اللافقاريات، ولديه نفس عدد الخلايا العصبية تقريباً الموجود لدى الكلب. ومن المعروف أنّ الأخطبوطات ذكيّةٌ للغاية، وأنها قادرةٌ على تعلّم حلّ الألغاز خلال عمليات المحاكاة المخبرية، كما أنها قادرةٌ أيضاً على التعرّف على الأشخاص. إنّ امتلاك مثل هذا الجهاز العصبي القوي وواسع النطاق يتطلّب الكثير من الطاقة، ومن هنا تأتي الحاجة إلى القلوب الثلاثة كي تقوم بضخّ الدم إلى أرجاء جسم الأخطبوط.

ADVERTISEMENT

أذرع الأخطبوط لها عقول خاصّة بها.

الصورة عبر Ann Antonova/Pexels

يقع ثلثا الخلايا العصبية للأخطبوط في أذرعه، وليس في رأسه. ونتيجةً لذلك، يمكن أن تحلَّ الأذرع مشكلة كيفية فتح محارةٍ ما، بينما يكون أصحابها مشغولين بفعل شيءٍ آخر، مثل البحث في أرجاء كهفٍ ما عن المزيد من الأشياء الجيّدة الصالحة للأكل. يمكن أن تتفاعل الأذرع حتى بعد قطعها تماماً. في إحدى التجارب، انتفضت الأذرع المقطوعة متألمةً عندما قام الباحثون بقرصها.

تُستخدَم المجسّات، التي يغطّي كلّاً منها مجموعةٌ من المصّاصات القوية، في الحركة وفي جمع الطعام. وعلى الرغم من أنّ الأخطبوطات يمكنها السباحة، إلّا أنّ حركتها المفضّلة هي الزحف على طول قاع البحر. يمكن للأخطبوطات أيضاً استخدام مجسّاتها للتحكّم بالأشياء وفتح الجرار وحمل الطعام. لقد كانت البنية التشريحية للأخطبوط مصدر إلهامٍ لتطوير الروبوتات؛ فباستخدام المحاكاة الحيوية، طوّر الباحثون في جامعة هارفارد روبوتاً مجسّياً طرّياً يمكنه الإمساك بدقّةٍ بالأشياء غير منتظمة الشكل. بل كانت هناك محاولاتٌ لتطوير روبوتاتٍ للتسلّق بناءً على قدرتها على الإمساك بالأسطح مثل درجات السلالم والجدران الخشنة.

ADVERTISEMENT

الأخطبوطات لديها دماء زرقاء

الصورة عبر unsplash

لدى الأخطبوطات دمٌ أزرق اللون. وهذا ليس عائداً إلى جيناتٍ ملكيةٍ، ولكنّ سببه هو النحاس. فعلى عكس الكثير من اللافقاريات البحرية الأخرى، تتمتّع الأخطبوطات بمعدّل استقلابٍ مرتفعٍ، وبالتالي تحتاج إلى الأكسجين بشكلٍ كبيرٍ. يُعتبَر الهيموسيانين الذي يُعَدّ النحاس أساس بنائه أكثر كفاءةً في نقل الأكسجين عند درجات حرارةٍ منخفضةٍ وتركيزاتٍ منخفضةٍ للأكسجين من الهيموجلوبين الذي يُعَدّ الحديد أساس بنائه والذي يجعل دمنا أحمر اللون.

الأخطبوطات ذكية

الصورة عبر unsplash

تتميّز الأخطبوطات بين رأسيات الأرجل -وبين جميع اللافقاريات- بأدمغتها الكبيرة. ويمكن للأخطبوطات التنّقل في المتاهات وحلّ المشكلات والتذكّر والتنبؤ واستخدام الأدوات وتفكيك أيّ شيءٍ تقريباً بدءاً من السلطعون وحتى القفل، وكلّ ذلك عدا عن سلوكيات الصيد المتطوّرة. يقوم أصحاب المَرْبى المائي شيد Aquarium Shedd بتوفير أنشطةٍ محفّزةٍ لأخطبوط المحيط الهادئ العملاق المقيم هناك (وتمكينه من المشاركة في أعمال الرعاية المُخصَّصة لحفظ سلامته) من خلال جلسات تدريبٍ منتظمةٍ تطبّق نفس تقنيات التعزيز الإيجابي المُستخدَمة مع الثدييات البحرية. كذلك يقومون بإغناء حياة الأخطبوط، وهذا يتضمّن تزويده بمجموعةٍ متنوعةٍ من الدُمى والهدايا المفضّلة، حيث يتمّ تقديم الأخيرة أحياناً على شكل "ألغازٍ من الفرائس" موجودةٍ في مرطباناتٍ ملولبة الأغطية.

ADVERTISEMENT

كم تدوم فترة حياة الأخطبوط؟

الصورة عبر unsplash

مع هذا التفرّد في البنية التشريحية للأخطبوط، قد تتوقّع أن تعيش رأسيات الأرجل هذه إلى الأبد. للأسف، لا. يبلغ العمر الافتراضي المعتاد لمعظم أنواع الأخطبوطات حوالي سنة إلى سنتين في ظروف الحياة البرّية، وذلك وفقاً لما ذكرته مجلة ناشيونال جيوغرافيك. ويشير مجلس الحفاظ على الطبيعة في كندا إلى أنّ أكبر الأنواع، وهو الأخطبوط العملاق الشمالي في المحيط الهادئ، هو أيضاً الأطول عمراً. يصل طول هذا الأخطبوط إلى حوالي خمسة أمتار ويتراوح وزنه بين 20 و50 كيلوغراماً (حوالي 16.5 قدماً وبين 44 و110 رطل)، ويموت بعمر خمس سنوات تقريباً، ويحدث ذلك عادةً بعد التزاوج أو بعد وضع البيوض والعناية بها. نشرت مجلة ساينتفيك أمريكان مقالاً عن فقدان الأخطبوط باندورا Pandora المقيمة في حديقة الحيوانات الوطنية، والتي كانت تُمتِع الزوار في حوضها لمدة 27 شهراً، وهو رقمٌ قياسيٌ بالنسبة لأخطبوطٍ.

تسنيم علياء

تسنيم علياء

ADVERTISEMENT