الحليب: العلم والخلافات والحقيقة الغذائية
تجتمع في كوب الحليب أسئلة مختلفة لا يصح اختزالها في حكم واحد: هل الدهون في الحليب كامل الدسم مشكلة؟ هل الحليب الخام أفضل من المبستر؟ وهل يبرر الخلاف حول بروتيني A1 وA2 دفع سعر أعلى لنوع بعينه؟ بالنسبة إليك، تتوقف الإجابة العملية على نوع الحليب والكمية، وعلى وجود عدم تحمل للاكتوز أو حساسية من بروتينات الحليب.
عرض النقاط الرئيسية
- لا يزال الجدل محتدمًا حول فوائد الحليب ومخاطره، ما جعل المستهلكين في حيرة حيال موقف العلم بشأنه.
- الحليب الخام قد يشكل مخاطر صحية شديدة مثل الإصابة بالسالمونيلا، رغم ادعاءات البعض بأنه أكثر فائدة من المبستر.
- هناك قلق متزايد حيال بروتين A1 في الحليب، في ظل فرضيات تربطه بحالات صحية مثل السكري والتوحد.
- ADVERTISEMENT
- الدراسات المتعلقة بالببتيد BCM-7 الناتج عن هضم A1 β-casein أظهرت نتائج متضاربة، مما يستدعي مزيدًا من البحث لحسم الجدل.
- تناول الحليب قد يرتبط بفوائد صحية كخفض خطر السكتة الدماغية والسكري، لكنه قد يزيد أيضًا من خطر الإصابة ببعض السرطانات ومرض باركنسون.
- الحليب قليل الدسم يبدو أكثر فائدة من الحليب كامل الدسم من حيث تقليل مخاطر السمنة وبعض أنواع السرطان.
- ينصح بتجنب الحليب فقط للأشخاص الذين يعانون من عدم تحمل اللاكتوز أو الحساسية للبروتينات، بينما يعتبر مناسبًا للآخرين ضمن نظام غذائي متوازن.
الدهون والحليب الخام مسألتان منفصلتان
يحتوي الحليب كامل الدسم على دهون مشبعة أكثر من الحليب قليل الدسم أو منزوع الدسم. وتوضح جمعية القلب الأمريكية أن الحليب الخالي من الدسم والحليب الذي يحتوي على 1% من الدهون أقل بكثير في الدهون الكلية والمشبعة والكوليسترول والسعرات الحرارية من الحليب كامل الدسم أو ذي 2% من الدهون. لهذا يختار بعض الناس تناول كامل الدسم باعتدال، بينما يفضل آخرون الأنواع الأقل دسمًا لتقليل مدخول الدهون المشبعة.
توصية
أما الحليب الخام فالقضية فيه تتعلق بالسلامة الميكروبية، لا بنسبة الدهون. تزعم روايات شائعة في الطب التكاملي ومنشورات المؤثرين أنه أكثر صحة من الحليب المبستر، لكن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تحذر من أنه قد يحمل السالمونيلا والإشريكية القولونية والليستيريا والعطيفة وغيرها من الجراثيم المسببة للأمراض المنقولة بالغذاء. وقد تتراوح الإصابة من الإسهال إلى حالات تستدعي دخول المستشفى، ويكون الأطفال وكبار السن والحوامل وضعاف المناعة أشد عرضة للمضاعفات.
عرضت صحيفة نيويورك تايمز حالة ابن جاكي، الذي أمضى ثلاثة أيام في المستشفى بعد إصابته بالسالمونيلا. كان واحدًا من 171 شخصًا مرضوا في تفش ارتبط بمنتجات حليب غير مبستر من شركة Raw Farm، بين سبتمبر 2023 ومارس 2024. ونقلت الصحيفة عن مايكل أوسترهولم، مدير مركز أبحاث وسياسات الأمراض المعدية، أن العدد الفعلي قد يكون أعلى لأن كثيرًا ممن تظهر عليهم أعراض الأمراض المنقولة بالغذاء لا يطلبون الرعاية الطبية أو يخضعون للفحص.
ماذا تقول فرضية A1 وA2؟
يتكون بروتين حليب البقر من مجموعتين رئيسيتين: الكازينات، التي تشكل نحو 80% من إجمالي البروتين، والبروتينات القابلة للذوبان، ومن بينها الإنزيمات. وتنقسم الكازينات إلى أربعة أنواع. يدور الخلاف هنا حول أحدها، وهو بيتا كازين، الذي قد يوجد في صورة A1 أو A2.
تفترض الحجة المؤيدة لحليب A2 أن هضم بيتا كازين A1 يطلق الببتيد بيتا كازومورفين-7، المعروف اختصارًا باسم BCM-7، وأن هذا الناتج قد يرتبط بآثار صحية غير مرغوبة. وقد امتدت المزاعم إلى التدهور المعرفي والحساسية والسرطان والسكري والتوحد، ومنها نشأت توصيات بتفضيل الحليب المحتوي على A2.
استندت الفرضية إلى مقارنات سكانية وأبحاث حيوانية. وأشار الدكتور حق إلى تجربة ربطت بيتا كازين A1 بالسكري لدى الفئران، وإلى إفادات مستهلكين عن الانتفاخ والإسهال والغثيان بعد شرب حليب A1، ثم اختفاء الأعراض عند الانتقال إلى A2. وقد طُرحت هذه الملاحظات تفسيرًا محتملًا لزيادة خطر السكري من النوع الأول، مع افتراض أن بعض الأفراد قد لا يتحملون BCM-7.
حلل غونزاليس-مالكا وزملاؤه في دراسة ببليومترية عام 2023 عددًا بلغ 119 دراسة مفهرسة في قاعدة Scopus عن BCM-7 وحليبي A1 وA2. كانت النتائج متعارضة: ربطت بعض التجارب الحيوانية BCM-7 بتأثيرات مضادة للالتهاب ومواتية، بينما سجلت أعمال أخرى آثارًا سلبية في الجهاز المناعي. وخلص الباحثون إلى العبارة الآتية: «هناك حاجة إلى أدلة علمية أقوى للوصول إلى إجماع حول ما إذا كان وجود β-casein A1 يمكن أن يؤثر سلبًا بشكل كبير على الصحة.»
يفيد هذا التفصيل عند قراءة العبوة: وصف A2 يتعلق بنوع بيتا كازين، ولا يعني أن الحليب خال من اللاكتوز أو من جميع بروتينات الحليب. فإذا كانت مشكلتك عدم تحمل اللاكتوز أو حساسية بروتين الحليب، فلا يحل اسم A2 وحده المشكلة.
حصيلة المنافع والمخاطر في المراجعات
جمعت مراجعة مظلية أعدها شينغشيا تشانغ وزملاؤه نتائج المراجعات المنهجية والتحليلات التلوية لدى البشر، فوجدت أن إضافة 200 مل من الحليب يوميًا ارتبطت بانخفاض خطر السكتة الدماغية بنسبة 7%، وأمراض القلب والأوعية الدموية بنسبة 6%، وارتفاع ضغط الدم بنسبة 4%. وفي المقابل، ارتبط استهلاك 200 جرام يوميًا بزيادة خطر سرطان البروستاتا بنسبة 3%.
لم تكن الاتجاهات واحدة في بقية النتائج. ارتبط الحليب قليل الدسم بانخفاض خطر سرطان القولون والمستقيم، كما ارتبط تناول كميات أكبر من الحليب بانخفاض مخاطر السكري من النوع الثاني ومتلازمة التمثيل الغذائي والسمنة ومرض ألزهايمر. وعلى الجانب الآخر، ارتبط كل 200 جرام إضافية يوميًا بارتفاع خطر مرض باركنسون بنسبة 17%. هذه روابط إحصائية مأخوذة من مراجعات لبحوث بشرية، ولا تجعل الحليب سببًا منفردًا لأي من هذه النتائج.
تؤثر حساسية حليب البقر، وهي استجابة مناعية لبروتيناته قد تسبب تهيجًا أو تورمًا في الوجه والشفتين، في نسبة تتراوح بين 0.6% و3.0% من الأشخاص. أما تقديرات عدم تحمل اللاكتوز فتراوحت بين 0% و17.9% في البيانات التي تناولتها المراجعة. والحالتان مختلفتان: الحساسية تستهدف البروتين، في حين يرتبط عدم التحمل بصعوبة هضم سكر اللاكتوز.
لا يفرض عدم تحمل اللاكتوز دائمًا استبعاد كل منتجات الحليب. يذكر المعهد الوطني الأمريكي للسكري وأمراض الجهاز الهضمي والكلى أن كثيرًا من المصابين يستطيعون تناول 12 جرامًا من اللاكتوز، وهي الكمية الموجودة تقريبًا في كوب من الحليب، من دون أعراض أو مع أعراض خفيفة. ويتسق ذلك مع نطاق 12 إلى 15 جرامًا المذكور لتحمل جرعة واحدة؛ ويمكنك تحديد الكمية المناسبة لك بمراقبة الأعراض عند تناول كميات أصغر مع الطعام، أو اختيار منتجات منخفضة اللاكتوز.
خلص مؤلفو المراجعة المظلية إلى أن استهلاك الحليب يقدم منافع أكثر من الأضرار في حصيلة النتائج التي جمعوها، وأنه يمكن إدراجه ضمن نظام غذائي صحي. ويظل تجنبه مناسبًا لمن لديه حساسية من بروتينات الحليب، بينما يعتمد قرار المصاب بعدم تحمل اللاكتوز على مقدار ما يستطيع تحمله؛ وقد يستبعده آخرون ببساطة لأنهم لا يحبون مذاقه.