باريس، مدينة النور، ليست مجرد منارة لعشاق الفن والموضة والمأكولات الفاخرة والمتاحف والكنائس، بل إنها أيضاً ملاذ لعشاق الكتب. على مدى قرون، لعبت الكتب ومكتبات الكتب دوراً محورياً في تشكيل الثقافة والفكر الباريسي. تكشف هذه الجولة سيراً على الأقدام عبر مكتبات المدينة العريقة وعلى أرصفة نهر السين عن نسيج غني من التاريخ والتراث والشغف الدائم بالكلمة المكتوبة. من المتاجر الصغيرة إلى المعالم الأدبية المترامية الأطراف، تُقدِّم مكتبات باريس رحلة مقنعة مثل القصص التي تحتويها.
قراءة مقترحة
لطالما كانت باريس مركزاً للحوار الفكري والإبداع الأدبي. موطناً لمشاهير مثل فيكتور هوجو (Victor Hugo) وإميل زولا (Émile Zola) وسيمون دي بوفوار (Simone de Beauvoir)، وفَّرت مكتبات المدينة أماكن لقاء للمفكرين والثوريين على حد سواء. ربما كانت مكتبة شكسبير أند كومباني (Shakespeare and Company)، التي تُعدّ ربما المكتبة الأكثر شهرة في باريس، ملاذاً للكتاب المغتربين خلال أوائل القرن العشرين، حيث استضافت عمالقة الأدب مثل إرنست همنغواي (Ernest Hemingway) وجيمس جويس (James Joyce).
لا تزال باريس اليوم مدينة غارقة في الثقافة، حيث يشكل الأدب والفكر والثقافة جزءاً لا يتجزأ من هويتها. وتُعدّ المهرجانات الأدبية وقراءات المؤلفين ونوادي الكتب من الأحداث الشائعة في التقويم الثقافي للمدينة. سواء في شارع سان جيرمان (Saint-Germain) الصاخب أو جزيرة سان لويس (Saint-Louis) الهادئة، أو عروض بائعي الكتب على أرصفة نهر السين، تُجسِّد مكتبات المدينة الروح النابضة بالحياة في نمط العيش الباريسي، وتجتذب الزوار من جميع فئات العمر.
تعتبر الكتب والقراءة جزءاً لا يتجزأ من نسيج المجتمع الباريسي. غالباً ما ينظر الباريسيون إلى القراءة على أنها ليست مجرد هواية بل أسلوب حياة. وعلى العموم، لا تخلو حقيبة المواطن الباريسي من كتاب، وما أن يأخذ مكانه في الحافلة أو مترو الأنفاق حتى يفتح كتابه غير آبه بما حوله من حركة أو ضجيج أو اهتزاز. وغالباً ما تتميز المكتبات والمقاهي والمتنزهات العامة بقُرّاء منغمسين في الروايات أو الفلسفة أو الشعر. وخير دليل على ذلك، حدث "ليلة القراءة" السنوي في المدينة الذي يُجسِّد هذا التفاني، حيث يجذب الآلاف للاحتفال بالكتب.
تضم باريس أكثر من 700 مكتبة، مما يجعلها واحدة من أكثر مناطق المكتبات كثافة في العالم. تتراوح هذه المؤسسات من المتاجر المستقلة إلى سلاسل أكبر مثل Fnac إلى المكتبات الوطنية الكبرى مثل مركز بومبيدو (Pompidou) والمكتبة الوطنية وغيرها من مراكز التوثيق. وعلى الرغم من التحديات التي يفرضها التحول الرقمي، تواصل المكتبات الباريسية ازدهارها، بدعم من سياسات الحكومة وثقافة تُقدِّر التراث الأدبي.
أكثر من 700 مكتبة
هذا الرقم يجعل باريس واحدة من أكثر مناطق المكتبات كثافة في العالم، مع تنوع بين المتاجر المستقلة والسلاسل والمكتبات الوطنية الكبرى.
بلغ عدد المكتبات في باريس ذروته في منتصف القرن العشرين. وفي حين فرض العصر الرقمي تحديات في البداية، فقد تكيّفت العديد من المكتبات من خلال التركيز على الأسواق المتخصصة واستضافة الأحداث وتعزيز المشاركة المجتمعية في نشاطاتها.
• عدد المكتبات: حوالي 715 (اعتباراً من عام 2023).
• المكتبات المستقلة: أكثر من 90٪.
• مبيعات الكتب السنوية في باريس: 500 مليون يورو.
• عدد السياح الذين يزورون المكتبات سنوياً: 2 مليون.
غالباً ما تتركز المكتبات في باريس في الأحياء المليئة بالتاريخ والسحر مثل الحي اللاتيني الشهير وشارع سان ميشيل وأرصفة نهر السين. وهذا مُقترح جولة سيرا ًعلى الأقدام في مكتبات باريس:
تبدأ الرحلة في مكتبة الكتب الشهيرة باللغة الإنجليزية على الضفة اليسرى لنهر السين.
في شارع ريفولي، تظهر أقدم مكتبة كتب باللغة الإنجليزية في القارة الأوروبية.
في الحي اللاتيني، تقدّم المكتبة ملاذاً مريحاً للكتب الإنجليزية والقهوة.
تتيح الأكشاك استكشاف الكتب المستعملة والمطبوعات النادرة على الأرصفة.
بالقرب من القصر الملكي، تبدو المكتبة جوهرة تاريخية بها مجموعة مختارة من الأدب الفرنسي.
في شارع سان ميشيل، أسسها أستاذ جامعي في الآداب، وهي توفر الكتب الجامعية الجديدة والمستعملة وغيرها.
تُعدّ المكتبات الباريسية كنوزاً من الثروة الأدبية، حيث تقدم:
توجد في المتاجر المتخصصة مثل مكتبة أوغست بلايزوت (Auguste Blaizot).
تعكس طبيعة باريس العالمية.
تغطي جميع المراحل الدراسية.
تشتمل على القصص والمسرحيات والنقد الأدبي.
تُعنى بالتطورات السياسية العالمية والمحلية.
تُعقَد بانتظام لإشراك المجتمع الأدبي.
تتبنى المكتبات الباريسية التكنولوجيا بشكل متزايد، وتقدم كتالوجات عبر الإنترنت وخدمات النقر والتجميع (click-and-collect). وأصبحت المساحات التعاونية للعمل المشترك والقراءة اتجاهات شائعة.
بينما تستمر الرقمنة (digitalization) في الازدياد، فإن تفاني باريس في الحفاظ على ثقافتها الأدبية يضمن مستقبلاً مرناً للمكتبات. ويؤكد استثمار المدينة في المهرجانات الأدبية وبرامج القراءة للشباب على هذا الالتزام.
لا تُعدّ المكتبات في باريس مجرد مساحات للبيع بالتجزئة؛ بل إنها بمثابة حراس لروح المدينة. والتجول عبر هذه المؤسسات العريقة يشبه عبور تاريخ باريس نفسها وثقافتها. ومع تطور المدينة، تستمر المكتبات في العمل كملاذ للقراء والكتاب، مما يضمن أن يظل سحر الكلمة المكتوبة جزءاً لا يمحى من الحياة الباريسية.