تُعدّ الفيضانات والجفاف من بين الكوارث الطبيعية الأكثر تدميراً، حيث تؤثر على مليارات البشر على مستوى العالم. ورغم أن هذه الظواهر متعارضة في طبيعتها، فإنها غالباً ما تنتج عن القوى البيئية نفسها. فالفيضانات يمكن أن تدمر البنية الأساسية، وتشرد المجتمعات، وتنشر الأمراض، في حين تؤدي موجات الجفاف إلى نقص المياه، وفشل الزراعة، والانهيار الاقتصادي. وفي مواجهة التحديات المتزايدة التي يفرضها تغير المناخ، فإن فهم هذه الكوارث ومعالجتها أمر بالغ الأهمية على نحو متزايد.
قراءة مقترحة
تستكشف هذه المقالة دراسات الحالة العالمية، والأنماط الجغرافية والزمنية لهذه الأحداث، والتقدم المُحْرَز في تكنولوجيات التنبؤ، واستراتيجيات الوقاية والإدارة.
تُظهر الأمثلة الحديثة أن الفيضانات والجفاف يخلّفان آثاراً بشرية واقتصادية واسعة عبر قارات متعددة.
| النوع | الموقع والسنة | الأثر الأبرز |
|---|---|---|
| فيضانات | باكستان 2022 | غمرت الأمطار نحو ثلث البلاد وتسببت في نزوح 33 مليون شخص وأضرار تجاوزت 30 مليار دولار. |
| فيضانات | الولايات المتحدة 2017 | أحدث إعصار هارفي فيضانات كارثية في هيوستن مع هطول بلغ 60 بوصة في بعض المناطق. |
| فيضانات | موزمبيق 2019 | جلب إعصار إيداي أمطاراً غزيرة أسفرت عن مقتل 602 شخص وتشريد مئات الآلاف. |
| جفاف | كيب تاون 2018 | أدى الجفاف الطويل إلى اقتراب المدينة من سيناريو «اليوم صفر» واستنزاف الإمدادات البلدية تقريباً. |
| جفاف | أستراليا 2019–2020 | ارتبطت حرائق الغابات بجفاف شديد ودمّرت أكثر من 46 مليون فدان. |
| جفاف | كاليفورنيا 2020–2023 | فرض الجفاف المستمر قيوداً شديدة على المياه وخسائر زراعية ورفع مخاطر الحرائق. |
يتكرر الخطر وفق أنماط موسمية وجغرافية واضحة، مع اختلاف تأثيره بين الأقاليم الرطبة وشبه القاحلة.
يؤدي موسم الرياح الموسمية بين حزيران وأيلول بانتظام إلى فيضانات، كما حدث في نيبال والهند وبنغلاديش عام 2017 حين قُتل أكثر من 1200 شخص وتأثر 40 مليوناً.
أظهرت فيضانات ألمانيا وبلجيكا عام 2021 أن حتى المناطق المعتدلة معرّضة لهطول أمطار مفاجئة وغزيرة ناجمة عن تغير المناخ.
قد تعطل الفيضانات الموسمية المجتمعات والتنوع البيولوجي، لكنها تسهم أيضاً في تجديد النظم البيئية.
تعرضت المنطقة لجفاف مدمر في 2010 ترك أكثر من 10 ملايين شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
يُعتقد أن الجفاف المطول في سوريا بين 2006 و2010 ساهم في الاضطرابات الاجتماعية والصراع اللاحق.
أدى الجفاف المستمر، الأسوأ منذ 1200 عام، إلى إجهاد نظام نهر كولورادو بشدة، وهو شريان حياة لملايين البشر.
تختلف شدة الأثر تبعاً لطبيعة المكان، سواء كان ساحلياً أو حضرياً أو زراعياً أو بيئياً.
أ. الفيضانات:
المناطق الساحلية: تًسبَّب تسونامي المحيط الهندي في عام 2004 في حدوث فيضانات كارثية، وخاصة في إندونيسيا، بسبب تعرُّضها الجغرافي وافتقارها إلى الاستعداد.
المناطق الحضرية: أدى التوسع الحضري السريع إلى تفاقم الفيضانات الحضرية، كما حدث في لاوس، نيجيريا، حيث أدت أنظمة الصرف غير الكافية إلى تفاقم الأمطار الموسمية.
ب. الجفاف:
المناطق الزراعية: شهدت منطقة ماراثوادا (Marathwada) في الهند حالات انتحار شديدة للمزارعين خلال الجفاف الذي حدث عام 2015 بسبب فشل المحاصيل وتراكم الديون.
النظم البيئية: تواجه غابات الأمازون المَطيرة حالات جفاف متكررة، مما يُهدِّد دورها كمصرف للكربون ويعطل أنماط الطقس العالمية.
تعتمد أنظمة التنبؤ الحديثة على الدمج بين الأقمار الصناعية والنماذج والمحاكاة والذكاء الاصطناعي لرصد الخطر مبكراً.
تراقب الأقمار الصناعية مثل GPM وGRACE-FO هطول الأمطار والمياه الجوفية والمؤشرات البيئية على نطاق واسع.
تستخدم مؤشرات مثل NDVI صور الأقمار الصناعية لتقييم صحة الغطاء النباتي والإجهاد الناتج عن الجفاف.
تدمج الأنظمة الهيدرولوجية وتوقعات المناخ بيانات الطقس مع محاكاة تدفق الأنهار واحتمالات الجفاف.
تحلل خوارزميات التعلم الآلي البيانات التاريخية والبيانات الآنية لإرسال تنبيهات مبكرة لملايين الأشخاص.
أ. الفيضانات:
مراقبة الأقمار الصناعية: تتابع مهمة قياس هطول الأمطار العالمي (Global Precipitation Measurement GPM) التابعة لوكالة ناسا أنماط هطول الأمطار والفيضانات في الوقت الفعلي تقريباً.
النماذج الهيدرولوجية: تدمُج أدوات مثل نظام التوعية بالفيضانات الأوروبي (European Flood Awareness System EFAS) توقّعات الطقس مع محاكاة تدفُّق الأنهار، مما يوفّر تحذيرات مُبكّرة قبل أيام.
التنبؤ المدعوم بالذكاء الاصطناعي: تُحلّل خوارزميات التعلم الآلي البيانات التاريخية والبيانات في الزمن الحقيقي للتنبؤ بأحداث الفيضانات بدقة عالية. على سبيل المثال، نجحت مبادرة التنبؤ بالفيضانات التي أطلقتها جوجل في جنوب آسيا في توفير التنبيهات لملايين الأشخاص.
ب. الجفاف:
الاستشعار عن بعد: تقيس أدوات مثل أقمار GRACE-FO مستويات المياه الجوفية، مما يوفر رؤى حول شدة الجفاف.
مراقبة الغطاء النباتي: يستخدم مؤشر الغطاء النباتي الموحد (Normalized Difference Vegetation Index NDVI) صور الأقمار الصناعية لتقييم صحة النبات والإجهاد الناتج عن الجفاف.
نماذج التنبؤ الموسمية: توفّر أنظمة مثل مركز التنبؤ بالمناخ التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي تنبؤات احتمالية بالجفاف بناءً على تفاعلات المحيط والغلاف الجوي.
يشتمل السلوك الفردي والجماعي المناسب في مواجهة الفيضانات والجفاف على:
أ. الفيضانات:
الإجراءات الفردية: الإخلاء الفوري عند النصح، وتجنب الخوض في مياه الفيضانات، وتخزين الإمدادات الطارئة مثل الطعام والمياه ومستلزمات الإسعافات الأولية.
التدابير المجتمعية: يمكن للجان الكوارث المحلية والمجموعات التطوعية إنشاء أنظمة الإنذار المُبكّر وخُطط الإخلاء.
ب. الجفاف:
الإجراءات الفردية: تقليل استخدام المياه عن طريق تركيب أدوات فعّالة وإصلاح التسريبات. اعتماد ممارسات مستدامة مثل حصاد مياه الأمطار.
المبادرات الجماعية: يمكن للمجتمعات تنظيم اتفاقيات تقاسم المياه وتعزيز تقنيات الزراعة المقاومة للجفاف.
تحتاج الاستجابة الحكومية إلى الجمع بين البنية الأساسية والسياسات وإدارة المياه ودعم الزراعة المرنة.
تتوزع الاستجابة الفعالة بين الوقاية المادية والتنظيم القانوني وحماية الموارد المائية والقطاع الزراعي.
البنية الأساسية المقاومة للفيضانات
تشمل السدود المتقدمة وحواجز العواصف والتخطيط الحضري المقاوم للفيضانات، كما في التجربة الهولندية.
السياسات والتشريعات
تفرض قوانين تقسيم المناطق وتمنع الاستيطان في المناطق المعرضة للخطر لتقليل الخسائر المستقبلية.
تخزين المياه وإعادة استخدامها
تعتمد بعض الدول على إعادة استخدام المياه وتقنيات التحلية لمعالجة ندرة المياه.
دعم الزراعة المرنة
يشمل دعم المحاصيل المقاومة للجفاف وطرق الري الفعالة لتخفيف أثر الجفاف على المزارعين.
يعمل تغير المناخ على زيادة وتيرة كل من الفيضانات والجفاف من خلال تغيير أنماط الطقس العالمية:
يحتفظ الهواء الأكثر دفئاً بمزيد من الرطوبة، مما يؤدي إلى هطول أمطار غزيرة وفيضانات مفاجئة، كما حدث في العواصف الأخيرة في أوروبا والولايات المتحدة.
تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة التبخر وتفاقم العجز المائي، كما يظهر في الجفاف الطويل بمنطقة القرن الأفريقي، الأسوأ منذ 40 عاماً.
تتطلّب معالجة هذه الكوارث استراتيجيات متكاملة:
يمكن للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تحسين نمذجة المخاطر، بينما توفر الأنظمة الفضائية المتقدمة مثل كوبرنيكوس مراقبة عالمية مستمرة.
تقلل إعادة التحريج وإدارة مسطحات المياه والبنية التحتية الخضراء مثل الأرصفة القابلة للنفاذ والأراضي الرطبة من مخاطر الطرفين.
تظل خفض الانبعاثات وتوسيع تدابير التكيّف وتقديم الدعم المالي للدول الضعيفة عناصر حاسمة للحد من المخاطر المستقبلية.
أ. التقنيات المبتكرة:
يمكن للذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة تحسين نمذجة المخاطر وأنظمة الاستجابة للكوارث.
توفر أنظمة الأقمار الصناعية المتقدمة، مثل برنامج كوبرنيكوس التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، مراقبة عالمية مستمرة للظروف البيئية.
ب. التنمية المستدامة:
يمكن لإعادة التحريج وإدارة مسطحات المياه أن تُقلّل من مخاطر الفيضانات والجفاف.
يجب على مُخططي المدن دمج البنية التحتية الخضراء، مثل الأرصفة القابلة للنفاذ والأراضي الرطبة.
ت. العمل المناخي:
إن التخفيضات في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري ضرورية للتخفيف من المخاطر المستقبلية.
إن التعاون الدولي بشأن تدابير التكيُّف، بما في ذلك المساعدات المالية للدول الضعيفة، أمر بالغ الأهمية.
مليارات البشر
هذا هو حجم السكان الذين يمكن أن تمسهم آثار الفيضانات والجفاف على مستوى العالم، ما يفسر الحاجة إلى الوقاية طويلة المدى والتنسيق بين الحكومات والمجتمعات.
إن الفيضانات والجفاف أمر لا مفر منه، ولكن آثارهما لا ينبغي أن تكون كارثية. من خلال الاستفادة من أدوات التنبؤ المتقدمة، وتبني الممارسات المستدامة، ومعالجة تغير المناخ، ويمكن الاستعداد بشكل أفضل لهذه الكوارث والتخفيف منها. وتلعب الحكومات والمجتمعات والأفراد جميعاً دوراً في ضمان القدرة على الصمود والحد من التعرُّض لهذه التحديات المتكررة. وبالتعاون، يمكن حماية الأرواح، وسبل العيش، والنظم البيئية من التهديدات المزدوجة المتمثلة في الفيضانات والجفاف.