في مدينة حماة الساحرة، كل شيء يمنع المشاهد من التفكير... عجلات رفع المياه الكبيرة ذات الثلاث أو الأربع طوابق (النواعير) توجه المياه المجوفة في الهواء إلى قنوات ري أعلى مبنية من الحجارة أو الخشب لري البساتين المحيطة. تنتشر الألحان الطويلة التي تنتجها النواعير في الأثير... حلم منسي على ضفة النهر وجزء من قصيدة يتم التعبير عنها بلحن لحني بآلة موسيقية بسيطة عن الحب واللامبالاة. إنه إلهام الطيور المغردة التي تنطلق من الطبيعة الدائمة الخضرة. إن البناء الأزرق السماوي لعالم الخيال مصنوع من مادة هشة، وهو يفلت من معرفتنا بمن أقامه وما معنى بنائه. ولكن هناك شيء واحد نعرفه: لا يمكن الحفاظ على توازنه إلا بقوة الأحلام."
قراءة مقترحة
إن هذا الوصف الرائع للنواعير كتبه الأخوان ثارود في كتابهما الطريق الدمشقي الذي نشر في باريس سنة 1923. ولقد كان هذا الوصف هو الوصف الأشهر لجمال وعظمة النواعير في مدينة حماة.
منذ عصور ما قبل التاريخ، سعى الإنسان إلى إيجاد وسائل فعّالة لجمع مياه الأنهار للاستخدام اليومي وري الأراضي الصالحة للزراعة. في البداية، استخدم الإنسان أجهزة بدائية مثل الأحواض والأحواض. وفي نهاية المطاف، كانت هناك حاجة إلى الطاقة لتشغيل عجلات المياه، وكانت الحيوانات هي المصدر الأول لهذا الغرض. وقد تحققت قفزات نوعية في تقنيات جمع المياه من خلال تطبيق طاقة المياه المجانية عن طريق دلاء المياه أو صناديق المياه، أي النواعير على نهر العاصي. يبدأ نظام الري الفعلي، الذي أصبح ممكناً بفضل النواعير، في الرستن، وهي بلدة في وسط سوريا تقع بين حمص وحماة. في هذه المنطقة، يمر نهر العاصي عبر طبقات الحجر الجيري للهضبة السورية الوسطى. هنا، من المستحيل الري السهل مباشرة من النهر، وقد وفرت النواعير حلاً عمليًا. يعد نظام النواعير الهيدروليكي القديم نظام الري الأكثر كفاءة وملاءمة محليًا في تاريخ سوريا. ويعد هذا الاختراع ذا أهمية بالغة وضروري لري الأراضي القاحلة في المنطقة التي تتميز بمناخ البحر الأبيض المتوسط وجفاف الصيف، بالإضافة إلى أن هذا النظام ضروري لتزويد المدن الواقعة على ضفاف النهر بالمياه.
استخدم الإنسان في البداية وسائل بسيطة لجمع مياه الأنهار للاستخدام اليومي وري الأرض.
مع الحاجة إلى تشغيل عجلات المياه، أصبحت الحيوانات المصدر الأول للطاقة.
حققت النواعير قفزة نوعية عبر استخدام طاقة المياه المجانية لرفع الماء إلى مستويات أعلى.
في مناطق مثل الرستن، حيث يصعب الري المباشر من النهر، وفرت النواعير نظامًا مناسبًا وفعّالًا للري وتزويد المدن بالمياه.
تُظهر تفاصيل نواعير حماة كيف جمع هذا النظام بين الهندسة العملية والقدرة العالية على رفع المياه وخدمة الزراعة والمدينة معًا.
| العنصر | التفصيل | الدلالة |
|---|---|---|
| عدد النواعير | 16 ناعورة ضمن كيلومترين | كثافة استثنائية على مجرى النهر |
| القطر المعتاد | من 5 إلى 12 مترًا | أحجام مختلفة بحسب الموقع والحاجة |
| أكبر ناعورة | المحمدية بقطر 21 مترًا | تمثل الحجم الأضخم على نهر العاصي |
| عدد الدلاء | من 50 إلى 120 دلو ماء | سعة رفع كبيرة للمياه |
| القدرة القصوى | 45 لترًا في الثانية | تكفي لري 25 هكتارًا من الأرض |
| الصيانة الدورية | كل عامين تقريبًا | للحفاظ على السلاسة والكفاءة |
حماة مدينة سورية قديمة تقع على ضفاف نهر العاصي، وتعرف أيضاً بمدينة الجغرافي أبو الفدا (1273 – 1331م)، الذي حكمها من عام 1310م إلى عام 1331م. وكثيراً ما يطلق على حماة اسم "مدينة النواعير"، وذلك بسبب كثرة النواعير الموجودة فيها. ففي غضون كيلومترين، تنتشر 16 نواعير على طول النهر. وتروي هذه النواعير الحقول على جانبي النهر، وتخلق ضفة واسعة للنهر في العديد من الأماكن. وتتغذى النواعير بالطاقة الكهرومائية للنهر. وتغوص عجلات النواعير الخشبية في قاع النهر. ولتسريع دورانها، تُبنى سدود مائلة صغيرة أمامها. وتعمل هذه السدود على إبطاء سرعة المياه، وتسمح لها بالتدفق بسرعة إلى ما يسمى بالخلجان. وتضرب المياه الدلاء الفردية بقوة، بحيث تدور عجلات المياه الكبيرة وتحمل المياه إلى الأعلى في دلاء. وبمجرد وصولها إلى أعلى نقطة، يتم تفريغ الدلاء في أنابيب مياه مفتوحة كبيرة (جسور). ثم تقود هذه الجسور المياه إلى الحقول الأعلى. يتراوح حجم نواعير حماة بين 5 و 12 مترًا في القطر. يحتوي كل دولاب على ما بين 50 و 120 دلو ماء. يصل قطر أكبر دولاب ماء على نهر العاصي إلى 21 مترًا وأطلق عليه سكان حماة اسم المحمدية. خلصت دراسة أجريت عام 1930 إلى أن دولاب دلو ماء واحد يمكنه نقل 45 لترًا من الماء في الثانية بأقصى طاقته. هذه الكمية من الماء كافية لري 25 هكتارًا من الأراضي الصالحة للزراعة. من أجل الحفاظ على الأداء السلس والفعال للدواليب المائية، يجب صيانتها كل عامين، وإذا لزم الأمر، استبدال بعض صناديق المياه. المصطلح الفني لهذا العمل الصيانة الدورية هو "القشطة"، مما يعني إزالة جميع الأجزاء الخشبية. يمكن أن يتكون نظام العجلة المائية من عجلة واحدة أو عجلة مزدوجة، والتي تتضمن عجلتين خشبيتين مثبتتين في السد المائي الصغير. في بعض الأحيان توجد عجلات مائية على الضفتين المتقابلتين لضمان أفضل استخدام للطاقة الكهرومائية التي تولدها السدود الصغيرة. إذا كان هناك أكثر من ثلاث عجلات مائية على نفس السد، يطلق عليها بطارية. تنقسم العجلات المائية إلى فئتين وفقًا لوظيفتها:
مخصصة لري الحقول والأراضي الزراعية المحيطة بالنهر.
تخدم المزارع الحضرية وإمدادات مياه الشرب والمرافق العامة مثل المساجد والحمامات والبازارات والحدائق.
بداية القرن العشرين
مع وصول المضخات إلى المنطقة بدأت أعداد كثيرة من النواعير بالاختفاء، رغم استمرار بقاء بعضها بوصفه رمزًا تراثيًا لمدينة حماة.
لقد أثبت النظام الهيدروليكي التقليدي للنواعير حتى يومنا هذا أنه وسيلة فعّالة للتحكم الدقيق في موارد المياه. حيث يتم ري الأراضي الصالحة للزراعة وتزويدها بمياه الشرب. وقد لعبت هذه الأنظمة الفنية والجمالية المتطورة دورًا مهمًا في التنمية الريفية في حماة حتى وصلت المضخات إلى المنطقة في بداية القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، اختفت العديد من النواعير. وتحظى النواعير الباقية في حماة برعاية مستمرة من السلطات المحلية. وأصبحت رمزًا لمدينة حماة وتراثها. وهي محمية وأبرز مناطق الجذب السياحي في المدينة. وتشكل النواعير جزءًا من تراث يعكس براعة سكان المنطقة وتجربتهم القديمة في التكيف مع الظروف الطبيعية.