لقد أصبح العمل عن بعد هو القاعدة عند ملايين الآباء والأمّهات في جميع أنحاء العالم، وخاصة بعد جائحة كوفيد-19، التي غيرت جذريًا طريقة عمل الناس. ومع تبني الشركات لترتيبات العمل المرنة، أصبح لدى العديد من الآباء الآن الفرصة للعمل من المنزل. وفي حين أنّ لهذا التحول فوائد مثل المرونة وتقليل
ADVERTISEMENT
وقت التنقل، فقد أثار أيضًا مناقشات حول تأثيره على الأطفال. يغير العمل عن بعد ديناميكيات الأسرة، ما يؤثر على نمو الأطفال وتعليمهم وتفاعلاتهم الاجتماعية ورفاهتهم العاطفية. والآثار إيجابية وسلبية على حد سواء، وفهم هذه التأثيرات أمر ضروري لخلق بيئة منزلية متوازنة.
1- زيادة حضور الوالدين والترابط:
الصورة عبر pexels
تتمثل إحدى الفوائد الأكثر وضوحًا للعمل عن بُعد في زيادة الوقت الذي يقضيه الآباء في المنزل. فالأطفال الذين كانوا يرون والديهم عادةً قبل أو بعد ساعات العمل فقط لديهم الآن المزيد من الفرص للتفاعل معهم طوال اليوم. ويمكن أن يعزز هذا الحضور المتزايد الروابط بين الآباء والأطفال، ما يحسن الأمان العاطفي والارتباط. كما يصبح الآباء أكثر استعدادًا لتقديم التوجيه والمساعدة في أداء الواجبات المنزلية أو تقديم الدعم العاطفي في وقته، ما قد يحسن شعور الأطفال بالأمان ويقلل من مشاعر العزلة، ويزيد من استقرار الروتين الأسري.
ADVERTISEMENT
التحديات:
قد يطمس العمل عن بعد الحدود الفاصلة بين المسؤوليات المهنية وتربية الأبناء، ما يجعل من الصعب على الآباء الانخراط بشكل كامل مع أطفالهم. فقد يكونون حاضرين جسديًا ولكنهم منشغلون عقليًا بمهام العمل، ما يؤدي إلى الإحباط لكل من الآباء والأطفال.
2- التأثير على التعليم والتعلّم:
الصورة عبر pixabay
مع عمل الآباء من المنزل، قد تتاح للأطفال المزيد من الفرص للتعلم وتنمية المهارات. يمكن للآباء الذين يعملون عن بُعد المشاركة بشكل أكبر في تعليم أطفالهم، واستكمال تعليمهم المدرسي بإرشادات وموارد إضافية، وخاصة عندما تتبنى المدارس نماذج التعلم الافتراضي. من جهة ثانية، غالبًا ما يأتي العمل عن بُعد بساعات مرنة، ما يسمح للآباء بتحديد وقت للمساعدة في الأعمال المدرسية أو المشاركة في أنشطة إثرائية مثل القراءة أو الألغاز أو الألعاب التعليمية.
ADVERTISEMENT
التحديات:
تعطيل الروتين: بدون حدود واضحة بين العمل والمدرسة ووقت الفراغ، قد يعاني الأطفال من الافتقار إلى روتين منظم. يزدهر الأطفال، الأصغر سنًا على وجه الخصوص، بالروتين والقدرة على التنبؤ، وقد يؤدي مزج بيئة المنزل والمدرسة إلى إرباكهم.
انخفاض الإشراف الأكاديمي: قد لا يتمكن الآباء المثقلون بالعمل من منح أطفالهم الدعم الأكاديمي الذي يحتاجون إليه. إذا استهلك الآباء المواعيد النهائية والاجتماعات، فقد يتأخر الأطفال في العمل المدرسي أو يشاركون بشكل أقل في الأنشطة التعليمية.
العبء الرقمي الزائد: مع اعتماد كل من الآباء والأطفال بشكل كبير على الشاشات في العمل والتعلّم، يمكن أن يكون لزيادة وقت الشاشة تأثيرات سلبية، مثل التعب الرقمي وإجهاد العين وانخفاض التفاعلات الاجتماعية وجهاً لوجه.
3- التأثيرات على التنشئة الاجتماعية والعلاقات مع الأقران:
ADVERTISEMENT
الصورة عبر pexels
هناك تأثير آخر مهم للعمل عن بعد على الأطفال يتعلق بتطورهم الاجتماعي؛ إذ تلعب التفاعلات الاجتماعية مع الأقران دورًا حاسمًا في التطور العاطفي والإدراكي للطفل. لقد أدى التحول إلى العمل عن بعد إلى تغيير الديناميكيات الاجتماعية، وخاصة بالنسبة للأطفال الأصغر سنًا الذين لا يزالون يتعلمون كيفية التفاعل مع الآخرين بطرق اجتماعية مناسبة. فأوّلًا يوفر العمل عن بعد للأطفال رؤية مباشرة لعادات عمل والديهم وأساليب الاتصال وأساليب حل المشكلات. يمكن أن تكون هذه أداة تعليمية قوية، حيث غالبًا ما يقتدي الأطفال بسلوك والديهم. كما أن الأنشطة القائمة على الأسرة مثل ليالي اللعب أو المشي أو المشاريع الإبداعية يمكن أن تصبح أكثر تكرارًا، ما يوفر وسائل بديلة للتنشئة الاجتماعية. لأن هذه الأنشطة يمكن أن تعزز العلاقات بين الأشقاء وتبني روابط عائلية أقوى.
ADVERTISEMENT
التحديات:
قد يعاني الأطفال الذين اعتادوا على قضاء الوقت مع الأصدقاء أو زملاء الدراسة من انخفاض في التفاعل الاجتماعي بسبب عمل الآباء من المنزل. ويمكن أن يعيق هذا تطوير المهارات الاجتماعية، وخاصة للأطفال الصغار الذين يتعلمون الإشارات الاجتماعية الحيوية من خلال اللعب والتفاعل مع الأقران. وقد يساهم انخفاض التفاعل وجهاً لوجه مع الأصدقاء وزملاء الدراسة في الشعور بالوحدة والعزلة لدى الأطفال.
4- الرفاهية العاطفية والنفسية:
الصورة عبر pexels
ترتبط الرفاهية العاطفية للأطفال ارتباطًا وثيقًا بجودة الوقت الذي يقضونه مع الوالدين. فتواجدهم في المنزل يسمح للآباء بالمشاركة بشكل أكبر في الحياة العاطفية لأطفالهم. ويصبحون أكثر قدرة على توفير الراحة والطمأنينة خلال الأوقات الصعبة، وهو أمر مهم بشكل خاص في عصر يتميز بعدم اليقين والتحديات العالمية. كما أن التواجد في المنزل يتيح إجراء محادثات أكثر تواترًا وعفوية حول المشاعر والمخاوف. وهذا الأمر يمكن أن يساعد الأطفال على الشعور بمزيد من الارتباط بوالديهم والانفتاح بشأن مشاعرهم الخاصة، ما يعزز بيئة عاطفية إيجابية.
ADVERTISEMENT
التحديات:
ضغوط الوالدين والإرهاق: يعاني العديد من الآباء من التوتر والإرهاق أثناء محاولتهم الموازنة بين متطلبات العمل عن بُعد وتربية الأطفال. يمكن أن يؤدي هذا إلى ضغوط عاطفية يلتقطها الأطفال، ما قد يجعلهم يشعرون بدورهم بالقلق أو الإرهاق.
الصحة العقلية للأطفال: بالنسبة للأطفال، فإن الاضطراب في الروتين، وعدم الفصل بين الحياة المدرسية والحياة المنزلية يمكن أن يخلق ارتباكًا وتوترًا. قد يواجه بعض الأطفال صعوبة في التكيف مع الوضع الطبيعي الجديد، ما قد يؤثر على صحتهم العقلية وقدرتهم على الصمود العاطفي. وفي بعض الحالات، قد يشعر الأطفال وكأنهم يتنافسون مع العمل على جذب انتباه والديهم، ما يؤدي إلى الشعور بعدم الكفاءة أو الإحباط.
5- الآثار طويلة المدى على نمو الأطفال:
الصورة عبر unsplash
في الأسر التي يركز فيها الآباء على العمل، قد تتاح للأطفال فرص أكبر لتطوير استقلالهم. ومع وجود إشراف أقل من الوالدين، قد يتحمل بعض الأطفال المزيد من المسؤولية عن إدارة وقتهم، وإكمال الواجبات المدرسية، وتسلية أنفسهم، ما قد يعزز الاكتفاء الذاتي لديهم.
ADVERTISEMENT
التحديات:
ارتباك الأدوار: قد يكافح الأطفال لفهم الفرق بين وقت عمل والديهم ووقت الأسرة، وخاصة إذا كانت مهام العمل تتداخل مع التفاعلات الأسرية.
إمكانية انفصال الوالدين: في حين قد يستخدم بعض الآباء العمل عن بُعد كفرصة للمشاركة بشكل أكبر، فقد يصبح آخرون أكثر بعدًا مع تركيزهم على المطالب المهنية. قد يعاني الأطفال الذين يشعرون بالتجاهل أو التغاضي عنهم من مسافة عاطفية عن والديهم، ما قد يكون له آثار دائمة على علاقتهم.
الخاتمة:
أثر التحول إلى العمل عن بُعد بشكل عميق على كل شيء في حياة الأطفال؛ من العلاقات الأسرية إلى التعليم والرفاهية العاطفية. وفي حين أن العمل عن بُعد يوفر العديد من الفوائد، مثل زيادة حضور الوالدين وفرصة تقوية الروابط الأسرية، فإنه يفرض أيضًا تحديات من حيث الحفاظ على الحدود ودعم تعليم الأطفال وضمان التنمية الاجتماعية. لضمان ازدهار الأطفال في بيئة العمل عن بُعد، يجب على الآباء إيجاد طرق لموازنة مسؤولياتهم المهنية مع احتياجات أطفالهم، وخلق جو منزلي يغذي إنتاجية العمل والارتباط الأسري.
شيماء محمود
ADVERTISEMENT
علماء الفيزياء يحددون كيفية تقطيع البصل بأقل كمية من الدموع
ADVERTISEMENT
قليلٌ ما تُضاهي تجارب المطبخ إحباطًا من تقطيع البصل مع المعاناة من سيلان الدموع والشعور بالوخز. يحدث هذا التفاعل الشائع نتيجةً لإطلاق مركبات كيميائية عند تقطيع البصل، مما يُثير سلسلةً من الأحداث التي تُهيّج العينين. المُسبّب لهذا التهيج هو أكسيد سين-بروبانثيال-S، وهو غاز متطاير يتكوّن عند تعرّض خلايا البصل للتلف.
ADVERTISEMENT
يرتفع هذا الغاز في الهواء، ويتلامس مع رطوبة العين، مُثيرًا إحساسًا حارقًا، مما يدفع الجسم إلى إنتاج الدموع كآلية دفاعية. لطالما سعى الفيزيائيون وعلماء الأغذية إلى إيجاد طرق لتخفيف هذا التفاعل، من خلال دراسة الخصائص الكيميائية للبصل، وتقنيات التقطيع، والعوامل البيئية التي تُؤثّر على انتشار الغاز. وقد دفع فهم كيفية إطلاق خلايا البصل لهذه المركبات الباحثين إلى اقتراح استراتيجيات مُحدّدة يُمكن أن تُقلّل بشكلٍ كبير من تهيج العين أثناء الطهي. وقد استكشفت الدراسات الحديثة السلوك الجزيئي، وطرق التقطيع الميكانيكية، ومتغيرات درجة الحرارة لتحسين تجربة التقطيع وتقليل الانزعاج. بالإضافة إلى ذلك، استكشف العلماء دور العوامل الوراثية في تحديد قدرة البصل على إحداث الدموع. تُنتج أنواع البصل المختلفة مستويات متفاوتة من سين-بروبانثيال-إس-أكسيد، وغالبًا ما يُسبب البصل الأكثر حلاوةً تهيجًا أقل من الأنواع الأقوى والأكثر نفاذة. هذا يشير إلى أن التعديل الوراثي أو التهجين الانتقائي قد يؤدي إلى إنتاج بصل يُطلق موادًا مُهيجة أقل، مما يُقدم حلًا محتملًا طويل الأمد لهذه المشكلة.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Merve على pexels
تقنيات تقطيع مُحسّنة لتقليل الدموع
تلعب طريقة تقطيع البصل دورًا هامًا في التحكم في إطلاق المركبات المُسببة للدموع. تشير الأبحاث إلى أن تقطيع البصل على طول أليافه، بدلًا من تقطيعه عرضيًا، يُقلل من تمزق الخلايا، مما يُقلل من كمية الغازات المتطايرة المُنطلقة. تُرتّب طبقات البصل بشكل مُتمركز، ويُقلل التقطيع الموازي لهذه الطبقات بدلًا من التعامد من تنشيط الإنزيمات، مما يُقلل من مُعدّل انبعاث المُهيجات في الهواء. ومن الاستراتيجيات الأخرى الفعّالة استخدام سكين حاد بدلًا من سكين غير حاد. فالشفرة غير الحادة تُسحق خلايا البصل بدلًا من تقطيعها بدقة، مما يُؤدي إلى طرد المزيد من المُهيجات. في المقابل، تُجري السكين الحادة قطعًا دقيقة، مما يُقلل من كمية الغازات المُنطلقة ويُخفّض التهيّج بشكل كبير. يُوصي العلماء أيضًا بتبريد البصل قبل تقطيعه. فعندما يكون البصل باردًا، يتباطأ التفاعل الإنزيمي، مما يُقلل من مُعدّل إنتاج أكسيد سين-بروبانثيال-S. إن حفظ البصل في الثلاجة لمدة 30 دقيقة قبل تقطيعه يُحدث فرقًا ملحوظًا في تقليل إزعاج العين. في المطابخ الاحترافية، طُرحت طرق تقطيع عالية السرعة، مثل التقطيع بالليزر، كحل بديل. تُحدث هذه التقنية أدنى حد من الاضطراب الخلوي مقارنةً بالسكاكين التقليدية، مما يعني إطلاق مواد مُهيجة أقل. على الرغم من أن تقطيع البصل بالليزر ليس عمليًا بعد للطهاة المنزليين، إلا أنه يُقدم إمكانيات مثيرة لمستقبل تحضير الطعام دون دموع. علاوة على ذلك، جرب بعض الباحثين نقع البصل في الخل أو الماء المالح قبل تقطيعه، مما يُساعد على تكسير الإنزيمات المسؤولة عن إنتاج الغاز المُهيج. وبينما تُغير هذه الطريقة طعم البصل قليلًا، إلا أنها قد تكون مفيدة في الوصفات التي تُكمل فيها الحموضة الطبق.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة Aлександар Габона على pexels
استراتيجيات بيئية للحد من تهيج العين
إلى جانب تقنيات التقطيع، تلعب العوامل البيئية دورًا هامًا في تقليل الدموع الناتجة عن البصل. تُعد التهوية من أكثر الطرق فعالية لتشتيت المركبات المهيجة بسرعة قبل وصولها إلى العينين. يُؤدي تقطيع البصل بالقرب من مروحة تعمل، أو فتحة تهوية، أو نافذة مفتوحة إلى تحويل الغاز بعيدًا عن الوجه، مما يُوفر راحة كبيرة. ومن الطرق الأخرى تقطيع البصل تحت الماء أو شطفه قبل تقطيعه. يعمل الماء كحاجز طبيعي، يمنع أكسيد سين-بروبانثيال-S من الارتفاع في الهواء. يُوصي بعض الطهاة بارتداء نظارات واقية، تحمي العينين من التهيج، على الرغم من أنها غالبًا ما تُعتبر غير عملية للطهي غير الرسمي. ومن المثير للاهتمام أن بعض الفيزيائيين اقترحوا استخدام بيئات ذات ضغط هواء سلبي، حيث يتم التحكم في تيارات الهواء لسحب المركبات المتطايرة بنشاط بمجرد إطلاقها. على الرغم من أن هذا المفهوم يقتصر حاليًا على المطابخ الاحترافية والمختبرات التجريبية، إلا أنه قد يُلهم تصميمات مستقبلية للأجهزة المنزلية التي تهدف إلى التخلص تمامًا من الدموع الناتجة عن البصل. بالإضافة إلى ذلك، يستكشف بعض علماء الأغذية محيِّدات كيميائية يمكن رشّها على البصل قبل تقطيعه للتخلّص من المركبات المهيجة. يمكن تطوير هذه المحاليل إلى منتجات تجارية، مما يوفر طريقةً سهلةً للتخلّص من الانزعاج المصاحب لتحضير البصل.
ADVERTISEMENT
صورة بواسطة cottonbro studio على pexels
ابتكارات مستقبلية في تحضير البصل دون دموع
مع استمرار تقدم علوم الأغذية، يستكشف الباحثون طرقًا لتعديل البصل وراثيًا للحد من آثاره المسببة للدموع. وقد نجحت بعض المختبرات في هندسة بصل منخفض التهيج يُطلق مركبات متطايرة أقل عند التقطيع، على الرغم من أن هذه الأنواع غير متوفرة على نطاق واسع حتى الآن. ومن مجالات البحث الواعدة الأخرى استخدام مُعادلات كيميائية تُقاوم أكسيد سين-بروبانثيال-S عند إطلاقه. ويدرس العلماء حاليًا استخدام بخاخات وطلاءات لألواح التقطيع قادرة على امتصاص أو إبطال مفعول المادة المهيجة قبل أن تنتشر في الهواء، مما يوفر حلاً عمليًا أكثر لطهاة المنازل. بالإضافة إلى ذلك، قد تتضمن تقنيات المطبخ المستقبلية أنظمة متقدمة لتنقية الهواء تلتقط المواد المهيجة وتُحيّدها فورًا قبل وصولها إلى العينين. قد تُمهد هذه الابتكارات الطريق لتجربة خالية تمامًا من الدموع، مما يُحدث ثورة في كيفية تحضير الطعام. ومع استمرار الباحثين في تحسين أساليب تقطيع البصل مع تقليل الدموع، من المرجح أن يُشكل الجمع بين تقنيات التقطيع المُحسّنة والتهوية الجيدة والتعديلات الجينية المُحتملة مستقبل تحضير البصل. إلى أن تصبح هذه الحلول المتقدمة شائعة، يمكن لطهاة المنازل اتباع أساليب استراتيجية - مثل استخدام سكين حاد، وتبريد البصل، وتحسين تدفق الهواء - لجعل تجربتهم في الطهي أكثر متعة. في نهاية المطاف، تتطور تجربة المطبخ مع الاكتشافات العلمية، ومع كل ابتكار، نقترب من جعل الطهي أكثر كفاءة وراحة. وبينما قد لا يتحقق حلم البصل الخالي من الدموع بالكامل بعد، فإن المستقبل يَعِد بإمكانيات مثيرة قد تُحوّل هذه المهمة المُرهقة إلى عملية سهلة وخالية من المتاعب.
عبد الله المقدسي
ADVERTISEMENT
هل يُمكن إنماء خلايا دماغية جديدة؟ تُشير أبحاث جديدة إلى إجابة نهائية لهذا الجدل العلمي المُستمر
ADVERTISEMENT
لعقود، كان يُعتقد أن الدماغ البشري ثابت إلى حد كبير بعد مرحلة الطفولة المُبكرة، حيث تبقى مليارات الخلايا العصبية فيه ثابتة ومُقدّر لها أن تتراجع مع التقدم في السن. وقد أكدت هذه الفكرة - المُتجذرة في الأدبيات العلمية والمعتقدات العامة - أنه بمجرد موت خلايا الدماغ (العصبونات)، فإنها تختفي إلى
ADVERTISEMENT
الأبد. إلا أن التطورات العلمية الحديثة قلبت هذا الرأي رأساً على عقب. فقد كشفت الإنجازات في علم الأعصاب، وعلم الأحياء الجزيئي، والطب التجديدي عن إمكانية إنماء خلايا دماغية جديدة، حتى في مرحلة البلوغ - وهي عملية تُعرف باسم تكوين الخلايا العصبية. يستكشف هذا المقال التطور التاريخي لهذا الجدل، وبيولوجيا إنماء الخلايا، والأبحاث الحديثة حول تجديد خلايا الدماغ، والتطبيقات المُستقبلية لتقنيات إنماء الخلايا، والتي تُتوج بالإجماع العلمي الحالي.
ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة John Schmidt على wikipedia
الخلايا الظهارية في المزرعة، ملطخة بالكيراتين (أحمر) والحمض النووي (أخضر)
1. تاريخ نمو الخلايا ونشأته.
بدأت رحلة فهم نمو الخلايا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وخاصةً بعد إعلان ثيودور شوان عام 1839عن نظرية الخلية، ونظرية سانتياغو رامون إي كاخال الرائدة في مجال الخلايا العصبية. كتب كاخال مقولته الشهيرة: "في دماغ البالغين، تكون مسارات الأعصاب ثابتة، منتهية، وغير قابلة للتغيير. كل شيء قد يموت، ولا شيء قد يتجدد."
الصورة على wikipedia
خلايا مزروعة تنمو في وسط نمو
لم يتحدَّ عالم الأعصاب الأمريكي جوزيف ألتمان هذا الاعتقاد إلا في ستينيات القرن الماضي، بتحديد خلايا عصبية جديدة في أدمغة الفئران البالغة (ألتمان وداس، 1965). قوبلت أعماله برفض واسع النطاق بسبب الاعتقاد السائد ومحدودية تقنيات التصوير. عاد هذا المفهوم للظهور في التسعينيات مع تطوير المجهر متحد البؤر وتقنيات وسم الخلايا مثل BrdU(بروموديوكسي يوريدين)، مما سمح للعلماء بتتبع ولادة خلايا جديدة.
ADVERTISEMENT
2. تطور فهم نمو الخلايا.
شهد فهم تجديد الخلايا توسعاً ملحوظاً مع ثورة الخلايا الجذعية. عُزلت الخلايا الجذعية - القادرة على التمايز إلى أنواع خلايا متخصصة - لأول مرة في الفئران عام 1981، وفي البشر عام 1998. كشف اكتشافها عن إمكانية تحفيز خلايا معينة لتجديد الأنسجة التالفة، بما في ذلك خلايا القلب والكبد والجلد.
بحلول العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحول الاهتمام إلى الجهاز العصبي، حيث بدأ الباحثون بتحديد الخلايا الجذعية العصبية (NSCs) في مناطق دماغية محددة. برز الحُصين والمنطقة تحت البطينية كمناطق رئيسية يحدث فيها تكوين الخلايا العصبية لدى البالغين.
نظرة اقتصادية: من المتوقع أن يصل حجم سوق العلاج بالخلايا الجذعية العالمي إلى 30.1 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، حيث تُشكل العلاجات التجديدية العصبية شريحةً كبيرةً منه.
ADVERTISEMENT
الصورة على wikipedia
زجاجة من وسط زراعة الخلايا DMEM
3. التطورات الحديثة في زراعة الخلايا.
أحدثت الاكتشافات التكنولوجية نقلةً نوعيةً في القدرة على زراعة الخلايا والتحكم بها:
•العضيات: تُحاكي هياكل الدماغ الصغيرة المزروعة من الخلايا الجذعية نمو الدماغ، وتُقدم نموذجاً جديداً لأبحاث تكوين الخلايا العصبية.
• مكّن تعديل الجينات بتقنية كريسبر-كاس9 من التحكم بالجينات التي تُنظم نمو الخلايا وإصلاحها.
• ساعد تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية في تصنيف أنواع الخلايا وتتبع سلالاتها التطورية.
في عام 2019، قدمت دراسة رئيسية أجراها بولدريني وآخرون (جامعة كولومبيا) أدلةً على استمرار تكوين الخلايا العصبية الحُصينية لدى كبار السن، مما يُشير إلى أن تراجع الذاكرة المرتبط بالعمر ليس أمراً حتمياً.
4. أنواع الخلايا التي يمكن زرعها وفئاتها.
ADVERTISEMENT
الخلايا التي يمكن زرعها:
•الخلايا الظهارية: أنسجة الجلد والبطانة، سهلة الزراعة في المختبر.
•الخلايا المكونة للدم: خلايا الدم المشتقة من الخلايا الجذعية لنخاع العظم.
•الخلايا الكبدية: يُعد تجديد الكبد ظاهرة طبيعية وموثقة جيداً.
•الخلايا القلبية: ثبت مؤخراً أنها تتجدد بعد احتشاء عضلة القلب باستخدام العلاج بالخلايا الجذعية.
•الخلايا الجذعية العصبية: قادرة على التمايز إلى خلايا عصبية، وخلايا نجمية، وخلايا قليلة التغصن.
نظرة إحصائية: وفقاً للمعهد الوطني للصحة، تُجرى حالياً أكثر من 80 تجربة سريرية باستخدام الخلايا الجذعية العصبية المزروعة لعلاج مرض باركنسون، والتعافي من السكتات الدماغية، وإصابات الحبل الشوكي.
5. خلايا يصعب نموها.
تظل بعض الخلايا مقاومة للتجدد أو الزراعة الاصطناعية:
•خلايا بيتا البنكرياسية(المنتجة للأنسولين): يصعب تكاثرها بشكل مستقر خارج الجسم.
ADVERTISEMENT
•خلايا الشبكية: على الرغم من التقدم المحرز، إلا أن استعادة البصر بالكامل لا تزال معقدة.
•الخلايا العصبية القشرية الناضجة: بمجرد اكتمال نموها، تقل احتمالية تجددها لدى البالغين خارج البيئات العصبية.
علاوة على ذلك، فإن الرفض المناعي، وخطر الطفرات، ومحدودية دعم السقالة، تُعقّد نمو بعض أنواع الخلايا المتخصصة.
6. تطبيقات مُتطورة لزراعة الخلايا.
تُستخدم الخلايا المُزروعة أو المُجدّدة الآن في:
• ترقيع الجلد لضحايا الحروق.
• زراعة نخاع العظم لمرضى سرطان الدم.
• إصلاح القلب بعد الاحتشاء.
• إعادة التأهيل العصبي (مثلًا، في مرض باركنسون وإصابات الحبل الشوكي).
• الاختبارات الدوائية باستخدام عُضويات مُزروعة في المختبر.
البيانات الاقتصادية: من المتوقع أن يتجاوز سوق الطب التجديدي 150 مليار دولار أمريكي عالمياً بحلول عام 2035.
ADVERTISEMENT
الصورة يواسطة Ayda P على wikipedia
تمثيل تخطيطي لزراعة ثنائية الأبعاد، وزراعة ثلاثية الأبعاد، ودراسة عضو على رقاقة، ودراسة في الجسم الحي
7. هل يُمكن زراعة خلايا الدماغ؟
نعم، ولكن مع بعض المُحاذير. تم تأكيد تكوين الخلايا العصبية في مناطق مُحددة من الدماغ مثل:
•المنطقة تحت البطينية: تُغذي البصلة الشمية بالخلايا العصبية (خاصةً لدى القوارض).
ومع ذلك، لا يزال تجديد الخلايا العصبية القشرية على نطاق واسع أمراً بعيد المنال. ومع ذلك، فقد أظهرت خلايا الدماغ المزروعة في المختبر من الخلايا الجذعية متعددة القدرات المُستحثة (iPSCs) والعضيات الدماغية نجاحاً جزئياً في محاكاة السلوك العصبي.
الصورة على livescience
يحدث التخليق العصبي أو تشكُّل أعصاب جديدة قبل الولادة، لكن بعض الأدلّة تقترح أنه يمكن أن يستمر على مدى العمر
ADVERTISEMENT
8. الجدل حول نمو خلايا الدماغ.
على الرغم من تراكم الأدلة، واجه هذا المجال جدلاً حاداً:
•المؤيدون: يستشهدون بدراسات مثل إريكسون وآخرون (1998) وبولدريني وآخرون (2018) التي تدعم تكوين الخلايا العصبية الحُصينية مدى الحياة.
•المشككون: يشيرون إلى سوريلز وآخرون (2018)، الذين ادّعوا حدوث انخفاض حاد في تكوين الخلايا العصبية بعد الطفولة.
ينشأ هذا التناقض من الاختلافات المنهجية، وجودة حفظ الأنسجة، وحساسية التصوير.
9. أبحاث جديدة والإجابة النهائية حول نمو خلايا الدماغ.
في عام 2023، أجرت دراسة تجميعية بارزة أجراها معهد ألين لعلوم الدماغ وجامعة ستانفورد فحصت أكثر من 40 دراسة، وخلصت إلى أن: "تكوين الخلايا العصبية الحُصينية لدى البالغين عملية محفوظة ومستمرة لدى أنواع الثدييات، بما في ذلك البشر، مع تباين يتحدد حسب العمر والبيئة والصحة".
ADVERTISEMENT
علاوة على ذلك، حدد العلماء عوامل تُعزز تكوين الخلايا العصبية، مثل التمارين الرياضية، والبيئات المُخصبة، والعوامل الغذائية (مثل الفلافونويدات الموجودة في التوت الأزرق).
وبالتالي، يُؤكد الإجماع العلمي النهائي أن خلايا الدماغ - وخاصةً في الحُصين - يُمكن نموها طوال الحياة في ظل الظروف المُناسبة.
10. مستقبل نمو الخلايا وتطبيقاته.
يكمن مستقبل نمو الخلايا في تقاطع علم الأعصاب والذكاء الاصطناعي وهندسة الأنسجة:
• غرسات دماغية مُهندسة بيولوجياً لاستعادة الذاكرة لدى مرضى الزهايمر.
• شبكات عصبية مُدربة بالذكاء الاصطناعي مبنية من خلايا عصبية بيولوجية حقيقية (مثل DishBrain، 2022).
التوقعات: بحلول عام 2040، يمكن أن يُخفِّف تجديد الخلايا العصبية العبء العالمي للأمراض التنكسية العصبية (التي تُكلِّف حالياً أكثر من تريليون دولار أمريكي سنوياً) بنسبة تصل إلى 25%، وفقاً لتوقعات منظمة الصحة العالمية.
ADVERTISEMENT
الخلاصة,
لقد تحوّلت مسألة قدرة البشر على تنمية خلايا دماغية جديدة من خرافة مُشكِّكة إلى حقيقة علمية مُوثَّقة. وبفضل التطورات في علم الأحياء الجزيئي، وأبحاث الخلايا الجذعية، وتقنيات التصوير، نُدرك الآن أن تكوين الخلايا العصبية لدى البالغين يحدث، لا سيما في الحُصين، ويُبشِّر بإمكانية هائلة لعلاج إصابات الدماغ والأمراض التنكسية. على الرغم من استمرار التحديات في تجديد جميع أنواع الخلايا العصبية، إلا أن هذا المجال يتجه بثبات نحو إصلاح الدماغ بدقة. ومع استمرار العلم في طمس الخطوط الفاصلة بين البيولوجيا والهندسة، قد تُصبح القدرة على تنمية خلايا الدماغ قريباً ليس مجرد إمكانية علاجية، بل أساساً لتعزيز الإدراك نفسه.