للوهلة الأولى، توحي عينا الفقمة الكبيرتان بشعور نألفه؛ لكن انتظر خلال الوقفة القصيرة قبل أن تغوص، فتبدآن في كشف طريقة للتعامل مع الضوء عند حافة الماء. ومن العادات المفيدة عند درابزين المرفأ أن تلاحظ أولاً، ثم تسأل عن المشكلة الفيزيائية التي قد تحلّها سمة ما.
يبقينا ذلك التغيير الصغير في العادة قريبين من الحيوان من غير أن نسقط عليه أفكارنا الخاصة. فما الذي يتغير حين ينزلق الوجه نفسه تحت السطح؟
تتوقف فقمة عند السطح. تبدو عيناها كبيرتين نسبياً، وقد يظهر أن حدقتيها تتغيران مع تبدل الضوء. ومن السهل أن نسمّي ذلك التعبير فوراً. لكن الأفضل أن تنتظر بضع ثوانٍ وتراقب الرأس وخط الماء والضوء على الماء قبل أن تقرر أن الوجه يخبرنا بشيء عن المزاج.
تؤدي تلك العيون مهمة عملية. فلدى فقمات المرفأ عدسات كبيرة مستديرة، ويمكن لحدقاتها أن تتسع كثيراً. ويوضح مركز الثدييات البحرية أن هذه السمات تساعد الفقمات على استخدام الضوء الخافت والتركيز جيداً تحت الماء، حيث ينكسر الضوء على نحو مختلف عما يفعل في الهواء.
يمكن للهواء الساطع والوهج عند السطح أن يغيرا ما يبدو أن العين تُظهره، فيسهل الإفراط في تأويل التعبير.
تساعد العدسات الكبيرة المستديرة والحدقات التي تتسع كثيراً الفقمات على استخدام الضوء الخافت والتركيز في الماء، حيث ينكسر الضوء بصورة مختلفة.
ولا يعني ذلك أن الفقمة ترى على نحو مثالي في كل الظروف. فالهواء الساطع والظلام والرواسب المثارة والماء العميق، يفرض كلٌّ منها قيوده الخاصة على الرؤية. تستطيع العين أن تجمع الضوء المتاح، لكنها لا تستطيع الرؤية بوضوح عبر كل بقعة من المياه العكرة.
قراءة مقترحة
ضع هذه الفكرة في ذهنك حين تختفي فقمة عن الأنظار. ففي الماء المظلم أو العكر، يستطيع جزء آخر من الوجه التقاط معلومات تفوت العينين.
والآن راقب الماء، لا الفقمة.
تترك السمكة المتحركة، أو حتى جسم صغير يُسحب عبر الماء، أثراً مائياً يبهت خلفها. يدور الماء ويبطؤ، ويحمل تغيرات دقيقة في الضغط. وعلى خطم الفقمة، تمتد الشوارب وتتحرك في ذلك الماء المتحرك.
هذه الشوارب هي شعيرات حسية: شعيرات صلبة مغروسة في جريبات غنية بالإمداد العصبي. وتنتقل الانحناءات الدقيقة وفروق الضغط عبر الشعيرات الحسية إلى قواعدها الحساسة. لا تلمس الفقمة فريسة بعيدة بشواربها؛ بل تلتقط الحركة الباقية في الماء بعد مرور شيء ما.
اختبر غويدو دينهارت وزملاؤه هذه القدرة في تجربة أُجريت عام 2001 ونشرتها مجلة Science. إذ تتبعت فقمة مرفأ مدرَّبة ومعصوبة العينين الأثر الهيدروديناميكي لغواصة مصغرة مستخدمةً شواربها.
تتحرك سمكة أو جسم صغير عبر الماء.
يدور الماء ويبطؤ، ويحمل تغيرات ضغط آخذة في التلاشي بعد مرور من صنعها.
تنحني الشعيرات الحسية قليلاً، وتنتقل تلك التغيرات إلى الجريبات الحساسة عند القاعدة.
أظهرت تجربة عام 2001 أن فقمة مرفأ مدرَّبة ومعصوبة العينين تتبع أثراً هيدروديناميكياً بشواربها.
النتيجة لافتة، لكنها تحتاج إلى حدّها الصحيح. فقد كانت هذه دراسات مضبوطة شملت أعداداً صغيرة جداً من الحيوانات المدرَّبة. وهي تبيّن ما تستطيع شوارب فقمات المرفأ اكتشافه؛ لكنها لا تعني أن كل ارتعاشة في شارب تُرى من الشاطئ تثبت أن الفقمة تصطاد.
ومع ذلك، يجدر الاحتفاظ بهذا التسلسل في الذهن: تسبح الفريسة، ويدور الماء، ويبقى الأثر، وتنحني الشوارب، فتتبع الفقمة. لقد احتفظ الماء بسجل وجيز للحركة.
من بعيد، راقب ما إذا كان الرأس يلتفت نحو ماء مضطرب أو كانت الشوارب تتجه إلى الأمام. قد يوحي أيٌّ من الفعلين بالانتباه إلى ما يحمله الماء. لكن أياً منهما ليس دليلاً بمفرده، وهذا القدر القليل من التحفّظ جزء من رؤية الحياة البرية بوضوح.
عند الغمر، تبدو فتحات المنخرين وكأنها تنغلق. ومن السهل إغفالها لأن الحركة سريعة، وغالباً لا تتجاوز انقباضاً عند طرف الخطم. لكنها تشير إلى عبور الحيوان من الهواء إلى الماء.
تشير إرشادات NOAA حول تشريح الفقمة إلى الجانب غير البديهي: تكون منخرا فقمة المرفأ مغلقين ومحكمين في وضع الراحة. وتفتحهما العضلات للتنفس عند السطح. ويمنع إغلاق المنخرين دخول الماء إلى مجرى الهواء، مع أنه ليس سوى جزء واحد من قدرة الفقمة الأوسع على البقاء تحت الماء.
مجتمعةً، تشكل هذه السمات الثلاث وجهاً عاملاً عند الحد الفاصل. تدير العينان الضوء المتاح. وتسجل الشوارب حركة الماء. وينفتح المنخران لفترة وجيزة لاستنشاق الهواء، ثم ينغلقان بإحكام حين يهبط الرأس تحت الماء.
ولا يعني شيء من ذلك أن فقمة المرفأ لا تكون لها حالة سلوكية أو استجابة فردية. فقد تكون متيقظة أو مستريحة أو حذرة أو مركزة. لكن شكل العين وحده دليل ضعيف. فالوضعية واتجاه الحركة ونمط التنفس والمسافة من الشاطئ والسلوك المتكرر تمنح المراقب أساساً أمتن بكثير.
جرّب مراقبة لمدة 20 ثانية أثناء رؤية بعيدة أو في مقطع مصور للحياة البرية، من دون أن تطلق اسماً على عاطفة. لاحظ ما إذا كان المنخران يتغيران عند الغمر، وما إذا كان الرأس يلتفت نحو ماء مضطرب، وما إذا كانت الشوارب تتجه إلى الأمام. قد يشير كلٌّ منها إلى التنفس أو الانتباه أو استشعار الماء، لكن لا حركة واحدة تحسم الأمر.
ولاعتياد ميداني يحترم الحيوان، لاحظ سمة واحدة، وراقب ما يتغير حولها، ثم فكّر في العمل الذي قد تؤديه تلك السمة.