متحف من عام 1996 لا يزال يبدو كأنه من الغد: MAC Niterói بين الأمس واليوم
ADVERTISEMENT

قد يبدو متحف اكتمل بناؤه في عام 1996 أحدث من مبانٍ افتُتحت العام الماضي، والطبق الطائر المعلّق، والقاعدة المنقبضة، والموقع على حافة الجرف هي الدليل على ذلك.

هذا المبنى هو MAC Niterói، Museu de Arte Contemporânea de Niterói، وقد اكتمل في عام 1996 في بوا فياجيم في نيتيروي فوق خليج

ADVERTISEMENT

غوانابارا. صمّمه أوسكار نيماير مع المهندس الإنشائي برونو كونتاريني، وتهمّ هذه الأساسيات لأننا لسنا هنا أمام حالة مبهمة من «العمارة الأيقونية». فوقعه نابع من بضعة اختيارات شديدة الدقة يمكنك التحقق منها بنظرة واحدة.

تصوير غوستافو ناخت على Unsplash

أول ما يصدمك أن المتحف لا يتصرف كمتحف عادي. فهو لا يتمدد، ولا يستقر، ولا يلاقي الأرض بأدب. بل يبدو كجسم مشكَّل وُضع بعناية، كأن المستقبل رُكن عند الجَزْر.

لماذا لا يزال هذا المبنى العائد إلى 1996 يتفوق على مبانٍ أحدث منه في مظهره المستقبلي

ADVERTISEMENT

لنبدأ بالكتلة الرئيسية. كثيرًا ما يُوصَف MAC Niterói بأنه يشبه الطبق الطائر، وهذه مقارنة مفيدة لا كسولة. فالكتلة الدائرية العريضة تتسع إلى الخارج كلما ارتفعت، بحيث يبدو الجزء العلوي كأنه يطفو متجاوزًا الدعامة التي تحته بدل أن يستقر فوق جدران.

وهذا أهم من وسمه بـ«الفضائي الطابع». فكثير من المباني تستعير شكلًا مستقبليًا، لكن عددًا أقل منها يملك من الانضباط ما يتيح لشكل واحد أن يحمل الانطباع كله من دون فوضى، أو أجنحة إضافية، أو كمّ كبير من البنية الظاهرة التي تفسد الحيلة بشرحها.

وهنا يأتي الجزء الأبطأ، لأنه يساعد على تثبيت الفكرة. فقد كان نيماير يتعامل مع الحداثة منذ زمن طويل لا بوصفها صناعة صناديق، بل نحتًا على مقياس المباني. وبحلول اكتمال MAC Niterói في عام 1996، كان قد صار مشهورًا أصلًا بمنحنياته التي تدفع في وجه الجانب الأشد صرامة وقسوة من العمارة الحديثة.

ADVERTISEMENT

وكان دعم برونو كونتاريني الهندسي جزءًا من سبب نجاح المتحف بهذه الدرجة من الصفاء. فالمبنى قادر على هذه اللفتة الدرامية لأن البنية مضبوطة بما يكفي لإخفاء الجهد. أنت لا تقرأ غابة من الدعامات، بل تقرأ شكلًا واحدًا مهيمنًا، وهذه البساطة جزء كبير من سبب استمرار إحساسه بأنه يسبق العين.

ثم يبدأ الموقع بأداء نصيبه. فالمتحف ينتصب فوق الماء في بوا فياجيم، حيث تمنح الصخور والخضرة والشاطئ والخليج الأرض أصلًا حافة متكسرة. وبدل أن يحاول الاندماج في هذا المحيط، يعمد المبنى إلى شحذه. فالمنحنى الصلب للمتحف يلتقي بالساحل غير المنتظم ويجعل كليهما أوضح للعين.

ولهذا أيضًا يبدو أقل تقادمًا من بعض مباني التقنية العالية من الحقبة نفسها. فهو لا يعتمد على أدوات ظاهرة، أو أنظمة مكشوفة، أو موادّ كانت تُسوَّق يومًا بوصفها المستقبل ثم علقت في عقدها الزمني. إن مستقبليته تأتي من النسبة والتماس، أو بالأحرى من هذا النقص الغريب في التماس.

ADVERTISEMENT

إذا نظرت إلى الترتيب البصري سريعًا، اتضحت الحجة: جسم الطبق الطائر، الدعامة المفردة النحيلة، منحدر الاقتراب الملتف إلى الخارج، حافة الجرف، الماء في الأسفل، الخضرة من حوله، والأفق الطويل في البعيد. كل عنصر منها يزيل قدرًا إضافيًا من الثقل. وبحلول وصول عينك إلى القمة، يبدو المبنى كأنه يلامس الأرض بشروطه هو.

السؤال الذي يغيّر الطريقة التي تراه بها

هل يبدو لك كأنه هبط هناك، أم كأنه نبت من الجرف؟

إذا كانت إجابتك أنه هبط، فأنت تستجيب لشكل الوعاء النظيف، والدعامة المركزية النحيلة، والإحساس بأن الكتلة الرئيسية تحوم بدل أن ترتكز. وإذا كانت إجابتك أنه نبت، فأنت تلتقط الطريقة التي تلتقي بها القاعدة بالصخر، وكيف يستولي المبنى على الحافة بدل أن يتراجع عنها، وكيف يبدو المنحنى طبيعيًا على نحو غريب ما إن يدخل الخليج والساحل في المشهد.

ADVERTISEMENT

تلك هي الحيلة الحقيقية. فالمتحف يحتفظ بالقراءتين معًا. إنه يبدو مصطنعًا في شكله، ومولودًا من الموقع في موضعه، وهذا ما يمنعه من أن يتحول إلى مجرد جسم أُلقي هناك من أجل الاستعراض.

وهنا لحظة الإدراك: إن مستقبليته لا تأتي من التكنولوجيا أو الجِدّة، بل من قلة ما يبدو مستعدًا منه لملامسة الأرض.

ماذا لو بدا لك كل ذلك مسرحيًا أكثر من اللازم؟

هذا اعتراض مشروع. فإذا كنت تفضّل عمارة تندمج بهدوء في محيطها، فقد لا يكسبك MAC Niterói إلى صفه. فقوته تعتمد على دراما بصرية مقصودة، وهو لا يخجل من ذلك.

لكن المسرحية ليست مرادفًا للسطحية. فالمباني التي تشيخ على نحو سيئ كثيرًا ما تعلن عن نفسها بصوت عالٍ ثم تنفد أسبابها. أما هذا المبنى فيحتفظ بشحنته لأن الدراما فيه مرتبطة بالموقع: الجرف، والخليج، والأفق، والرفض المضبوط لأن يتمدد فوق الأرض مثل مبنى عام عادي.

ADVERTISEMENT

وهذه أيضًا فائدة نافعة في السفر. عندما تقف أمام معلم بارز، فلا تسأل فقط إن كان مشهورًا أو حسن التصوير. اسأل ماذا يفعل بالجاذبية، وبحافة اليابسة، وبمقدار السطح الذي يسمح له بملامسة الأرض. فهذه هي الحركات التي تقرر ما إذا كان المبنى لا يزال يفاجئ بعد أن تبهت تسمية الطراز.

ليست العمارة الأحدث بالضرورة أكثر مظهرًا للمستقبل؛ فالمباني التي تحتفظ بهذه الشحنة هي تلك التي لا يزال شكلها وموقعها يبدوان متقدمين قليلًا على عينك.

آيلين دنيز

آيلين دنيز

ADVERTISEMENT
اكتشاف تاريخي في الأردن يكشف عن امتداد الحضارة المصرية
ADVERTISEMENT

شهد العالم الأثري حدثاً استثنائياً يبرز عظمة الحضارة المصرية القديمة وتأثيرها العميق على المناطق المجاورة. تم اكتشاف نقش فرعوني في جنوب الأردن يعود إلى عهد الملك رمسيس الثالث، وهو ما يُعد دليلاً جديداً على امتداد نفوذ المصريين القدماء إلى هذه المنطقة الحيوية. النقش يحمل رمزية كبيرة، حيث يكشف عن شبكة

ADVERTISEMENT

تجارية متقدمة وعلاقات اقتصادية وثقافية واسعة تربط بين مصر والمشرق العربي.
هذا الاكتشاف يلقي الضوء على دور الأردن كمحور استراتيجي في العلاقات بين الحضارات القديمة، حيث كانت هذه المنطقة معبراً رئيسياً لطرق التجارة والتواصل الثقافي. النقش يُبرز أيضاً مستوى الحرفية والفن في النقوش الفرعونية، التي استطاعت مقاومة الزمن لتكون شاهداً حياً على التاريخ. يجسد هذا الحدث أهمية التفاعل الحضاري ودوره في بناء حضارات متقدمة، مما يجعل هذا النقش مصدر إلهام جديد لدراسة التاريخ.

ADVERTISEMENT

النقش والملك رمسيس الثاني

النقش المكتشف في الأردن يُبرز اسم الملك رمسيس الثالث وألقابه محفوراً بمهارة على صخرة في وادٍ ناءٍ. يُعتبر الملك رمسيس الثاني واحداً من أعظم حكام مصر القديمة، وقد اشتهر بإنجازاته العسكرية والمعمارية. النقش يحمل دلالة واضحة على وجود مصري في المنطقة، ربما ضمن حملة عسكرية أو رحلة تجارية، مما يفتح الباب أمام نظريات جديدة حول العلاقات بين مصر والمشرق العربي في تلك الحقبة.
تُعد جودة النقش وبقاءه دليلاً على تقدم المصريين في تقنيات النقش والحفر. النقش يعكس اهتمام المصريين باستعراض قوتهم وحضورهم حتى في المناطق البعيدة عن وادي النيل. يشير هذا إلى استراتيجية توسيع النفوذ التي اتبعها الفراعنة، سواء عبر التجارة أو السياسة. يُمثل النقش شاهداً مادياً على تفاعل الحضارات وتبادل المعرفة والثقافة، وهو ما يبرز أهمية الأردن كموقع يربط بين العالم القديم.

ADVERTISEMENT
بواسطة Pbuergler على Wiki

تمثال يصور رمسيس الثاني

شبكات التجارة القديمة وتأثيرها

الطرق التجارية التي ربطت مصر بمناطق الشام، بما فيها الأردن، كانت أحد الأسباب الرئيسية لامتداد التأثير المصري إلى هذه المناطق. الاكتشاف الأخير يعزز فكرة أن التجارة لم تكن مجرد وسيلة لتبادل السلع، بل كانت أيضاً قناة لنقل الأفكار والثقافات. تشير النقوش المكتشفة إلى أن الأردنيين القدماء كانوا جزءاً من شبكة تجارة إقليمية ساعدت على جلب المواد الخام التي احتاجتها الحضارة المصرية، مثل المعادن والأخشاب.
تعكس هذه الشبكات قوة العلاقات الاقتصادية والثقافية التي كانت قائمة بين الشعوب. الأدلة الأثرية الأخرى المكتشفة في الأردن، مثل الأواني الفخارية والتماثيل الصغيرة، تشير إلى أن التفاعل مع مصر أثر بشكل واضح على الحياة اليومية في المنطقة. هذا يُظهر أن الحضارة المصرية لم تكن معزولة، بل كانت متداخلة مع العالم المحيط بها، مما جعلها قوة اقتصادية وثقافية لا تُضاهى.

ADVERTISEMENT
بواسطة Frederick William Green على Wiki

لوحة قبر من نخن، حوالي 3500 قبل الميلاد، نقادة، ربما حضارة جرزة

الأردن كموقع أثري مهم

الأردن يزخر بالمواقع الأثرية التي تحمل شواهد على التفاعل الحضاري مع مصر القديمة. النقش الأخير يُضاف إلى قائمة طويلة من الاكتشافات التي تُظهر أن الأردن كان مركزاً حيوياً في العالم القديم. المناطق التي تم فيها اكتشاف آثار مصرية تُشير إلى أن المصريين قد استخدموا الأردن كقاعدة للتجارة أو حتى كموقع للتمركز العسكري.
تُظهر الاكتشافات الأخرى أن الأردنيين كانوا على دراية بالفن والتقنيات المصرية، حيث تم العثور على أنماط مشابهة في الهندسة المعمارية والنقوش. كما تشير الأدلة إلى أن القوافل التجارية كانت تمر عبر الأردن، ناقلة معها البخور والبهارات والسلع القيمة. هذا يوضح كيف كان الأردن جزءاً لا يتجزأ من شبكة التجارة العالمية في ذلك الوقت. الأهمية الاستراتيجية للأردن كجسر يربط بين مصر وبلاد الشام تُبرز مدى التفاعل والتكامل الحضاري في المنطقة.

ADVERTISEMENT
بواسطة Bernard Gagnon على Wiki

قبر القصر، البتراء، الأردن

أهمية الاكتشاف في دراسة التاريخ

اكتشاف هذا النقش يُعتبر خطوة كبيرة في فهم العلاقات بين الحضارات القديمة. يُبرز كيف استطاعت الحضارة المصرية ترك بصمتها في مناطق بعيدة عن حدودها التقليدية. النقش يُظهر بوضوح أن المصريين كانوا قادرين على بناء شبكات واسعة من العلاقات الاقتصادية والثقافية التي تجاوزت حدود وادي النيل.
بالإضافة إلى قيمته التاريخية، يُساهم هذا النقش في إثراء الدراسات الأثرية من خلال تقديم معلومات جديدة حول استراتيجيات الفراعنة في تعزيز نفوذهم. يشير الاكتشاف أيضاً إلى أن الأردن كان بوابة للتبادل الثقافي والتجاري، مما يؤكد أهمية المنطقة في دراسة الحضارات القديمة. يمثل هذا النقش تذكيراً بقوة التأثير الحضاري وكيف يمكن للتاريخ أن يكشف عن روابط عميقة بين شعوب العالم القديم.

ADVERTISEMENT
بواسطة unknown Egyptian scribe على Wiki

جزء من جدار عليه نقوش هيروغليفية من مقبرة سيتي الأول (حكم حوالي 1294 أو 1290 - 1279 قبل الميلاد)

الاكتشاف الأخير لنقش فرعوني في الأردن يُعد دليلاً على مدى التأثير الحضاري لمصر القديمة وعلاقاتها مع الشعوب المجاورة. النقش يُبرز أن الحضارة المصرية لم تكن مجرد حضارة محلية، بل كانت تمتلك رؤية توسعية من خلال التجارة والثقافة.
هذا الاكتشاف يمثل فرصة لفهم أعمق للعلاقات التاريخية بين الشعوب، ويؤكد على أهمية التبادل الثقافي كعامل في بناء الحضارات. النقش يُعيد التأكيد على قيمة الأردن كموقع أثري غني يعكس تاريخ المنطقة ودورها كمحور للتواصل بين الشرق والغرب. يمثل هذا الاكتشاف دعوة لإعادة استكشاف التاريخ وفهم تأثير الحضارات القديمة على عالمنا المعاصر.

حكيم مرعشلي

حكيم مرعشلي

ADVERTISEMENT
أسطورة الأنوناكي في التراث العراقي
ADVERTISEMENT

الأنوناكي بين الواقع والخيال في التراث العراقيّ

لا يخفى على عشاق التاريخ مدى عمق وثراء التراث العراقيّ وتعدّد حضاراته على مرّ تاريخه الضارب في القدم، سنعود في هذه المقالة 5000 سنةٍ إلى الماضي .. إلى صفحة من صفحات التراث العراقيّ المنسيّة، ونسبح في عالمٍ من الأفكار التي تتأرجح بين الحقيقة

ADVERTISEMENT

والخيال لتثير عاصفةً من التساؤلات داخل العقول. سنتحدّث اليوم عن ... الأنوناكي.

الأنوناكي بين الواقع والخيال في التراث العراقيّ

الأنوناكي كما صوّرهم السومريّون في آثارهم كأنهم يهبطون من السماء

لا يخفى على عشاق التاريخ مدى عمق وثراء التراث العراقيّ وتعدّد حضاراته على مرّ تاريخه الضارب في القدم، سنعود في هذه المقالة 5000 سنةٍ إلى الماضي .. إلى صفحة من صفحات التراث العراقيّ المنسيّة، ونسبح في عالمٍ من الأفكار التي تتأرجح بين الحقيقة والخيال لتثير عاصفةً من التساؤلات داخل العقول. سنتحدّث اليوم عن ... الأنوناكي.

ADVERTISEMENT

من هم الأنوناكي؟

تميّزت رسومات الأنوناكي بضخامة أجسامهم مقارنةً بالبشر

الأنوناكي هم مجموعةٌ من الآلهة التي ورد ذكرها في بعض الكتابات العراقية القديمة من العصور السومريّة والأكاديّة والأشوريّة والبابلية التي عاشت بأرض العراق قديمًا، وينتمون إلى مجموعةٍ يطلق عليها اسم آلهة "البانثيون" السومريّة، وهي مجموعة آلهةٍ ترتبط مع بعضها بأحداثٍ تاريخيّةٍ وطقوسٍ معيّنةٍ، كما أنهم يُعرّفون بأنهم أبناء إله السماء " آنو" وإلهة الأرض "كي"، وتعني حرفيًّا: أبناء أو أتباع الإله "آنو" وتعني أيضًا: أبناء السلالة الملكيّة من الإله "آنو"، ويقال أنهم الجيل الأوّل من الآلهة التي تمّ نفيها وهزيمتها من قبل الآلهة الصغار. تمّ ذكر مصطلح الأنوناكي لأوّل مرّةٍ في النقوش المكتوبة في عهد أحد أشهر الملوك السومريّين القدماء، الملك "غوديا" الذي حكم بين عامي 2144 ق.م و 2124 ق.م في مدينة "لجش". وصفت النصوص السومريّة الأولى الأنوناكي بأنهم أقوى وأهم الآلهة في "البانثيون" السومريّ، وشمل الأنوناكي الآلهة السبعة الذين يقرّرون وهم: "آن" و "إنليل" و "إنكي" و "نينهورساغ" و "نانّا" و "أوتو" و"إنانّا".

ADVERTISEMENT

كم عدد الأنوناكي؟

الصورة عبر DangrafArt على pixabay

تذكر بعض نصوص التراث العراقيّ السومريّ أن الأنوناكي هم الآلهة السبعة الذين يقرّرون مصير البشر على الأرض، وهم يجلسون أمام عرش إلهة العالم السفلي "إريشكيجال" ليحكموا على الموتى، وتمّ اعتبارهم اثني عشر إلهًا في عصر الحيثيّين من بعدهم، وورد ذكر العديد من الأنوناكي الآخرين خارج العالم السفليّ في نصوصٍ تراثيّةٍ أخرى، لكن على الرغم من وصف بعض الآلهة الأخرى بأنهم أعضاءٌ في الأنوناكي، إلا أنّه لم يتم حصر أسماء جميع الأنوناكي حتّى الآن، وعادةً ما يشار إليها متناثرةً في بعض نصوص التراث العراقي الأدبيّة. علاوةً على ذلك، تصف النصوص السومريّة الأنوناكي بشكلٍ شبه عشوائيٍّ ولا تتّفق على مجموع عدد الأنوناكي الكلّيّ، لكن يبدو لنا أن الأنوناكي تم تعريفهم على أنهم آلهةٌ سماويّةٌ ذات قوى هائلةٍ كما ذكر في قصيدة "إنكي والنظام العالميّ" الذي أشار فيها إلى أن الأنوناكي كرّموا "إنكي"، وغنّوا ترانيم الثناء على شرفه، و تنصّ نفس القصيدة مرّتين على أن الأنوناكي "يقرّرون مصير البشريّة".

ADVERTISEMENT

الأنوناكي حسب المعتقد السومريّ

"إنانّا" أو "نينا" إحدى الأنوناكي المشهورات في التاريخ العراقيّ السومريّ

كان يُنظر إلى كل إلهٍ رئيسيٍّ في البانثيون السومريّ تقريبًا على أنّه يحمي مدينةً معيّنةً، لذا انتظر منه الشعب أن يحمي مصالح تلك المدينة، وكان لكل إلهٍ منهم هيكلًا يقيم فيه بشكلٍ دائمٍ داخل كل مدينةٍ، كما تذكر النصوص أن مدينة "إريدو" مثلًا يسكنها خمسين من الأنوناكي. أمّا في مدينة  "إنلد" التي توجد في العالم السفلي حسب المعتقد السومري، فيوجد بها سبعةٌ من الأنوناكي يعملون كقضاةٍ، حيث تمّت محاكمة "إنانا" أمامهم عقابًا لها على محاولة الاستيلاء على العالم السفليّ ، وتمّ اتّهامها بالغطرسة وحُكِم عليها بالإعدام.

الأنوناكي في التاريخ الأكاديّ والبابليّ

تصّور الأكاديّين عن الأنوناكي في عام 2300 ق.م
ADVERTISEMENT

من يخشى الأنوناكي .. يمدّ عمره"

هذه قطعة من ترنيمةٍ بابليّةٍ قديمةٍ تشير إلى تقديس البابليّين القدماء للأنوناكي، كما ترسم النصوص الأكاديّة في 1531 ق.م  صورًا للأنوناكي "إنانّا" وهي تنزل إلى العالم السفليّ، وتصوّر بقيّة الأنوناكي على أنّهم آلهة العالم السفلي. في قصيدةٍ أكاديّةٍ مختصرةٍ مكتوبةٍ في أوائل الألفية الثانية عن الأنوناكي "إنانّا"، علّقت "إريشكيغال" ملكة العالم السفليّ بأنها تشرب الماء مع الأنوناكي، وفي وقتٍ لاحقٍ في نفس القصيدة، أمرت "إريشكيغال" الخادم المدعو "نامتار" بجلب الأنوناكي من مدينة "إيغالجينا" كما أمرت الخدم بتزيين عتبات سلم العرش بالشعب المرجانيّة الملوّنة.

الأنوناكي وعلاقتهم بالفضاء

نحت من العصر الحيثي يظهر 12 أنوناكي كآلهة العالم السفلي في بلاد الرافدين
ADVERTISEMENT

ارتبطت الآلهة الرئيسيّة في الأساطير السومريّة بأجرامٍ سماويّةٍ محددّةٍ، وكان يعتقد أن "إنانا" هي كوكب الزهرة، كما كان يعتقد أن "أوتو" هي الشمس و "نانّا" هي القمر. تمّت نسبة كل مجموعةٍ من المدارات أو النجوم إلى أنوناكي معيّنٍ، فنُسب "آنو" إلى السماء الاستوائيّة ونُسب "إنليل" إلى السماء الشماليّة و"إنكي" إلى السماء الجنوبيّة، وكان مسار مدار "إنليل" السماويّ مستمرًّا كدائرةٍ متماثلةٍ حول القطب السماويّ الشماليّ، ولكن يعتقد أن دائرتي "آنو" و"إنكي" تتقاطعان في نقاطٍ مختلفةٍ.

عبادة الأنوناكي في بلاد ما بين النهرين

الصورة عبر mzmatuszewski0 على pixabay

اعتقدت شعوب بلاد ما بين النهرين القديمة أن آلهتهم تعيش في السماء، وأنهم قاموا بزيارة الأرض عدّة مراتٍ كما ذكر في النصوص التراثية العراقية القديمة، وأنّ تمثال الإله كان تجسيدًا ماديًّا للإله نفسه. على هذا النحو، حظيت تماثيل العبادة في القدم في العراق برعايةٍ واهتمامٍ مستمرّين وتم تعيين مجموعةٍ من الكهنة لرعايتها. كان هؤلاء الكهنة يلبسون التماثيل ويقيمون المأدبات أمام تماثيل آلهتهم. يُعتقد أن معبد الإله هو مكان الإقامة الحرفيّ لذلك الإله، وكان لدى الآلهة قوارب وصنادل كاملة الحجم مخزنةً عادةً داخل معابد العراق القديمة، وكانت تستخدم لنقل تماثيل آلهتهم على طول الممرّات المائيّة خلال مختلف المهرجانات الدينيّة. كان لدى الآلهة أيضًا عرباتٍ تُستخدَم للنقل في بعض الأحيان حيث يتم نقل تمثال عبادة الإله إلى موقع المعركة حتى يتمكن الإله من مشاهدة المعركة، حيث كان يُعتقد أن الآلهة الرئيسيّة لبلاد ما بين النهرين، والتي تضمنت الأنوناكي، تشارك في "تجمّع الآلهة"، التي اتخذت من خلالها الآلهة جميع قراراتها. كان يُنظر إلى هذا التجمّع على أنّه نظيرٌ إلهيٌّ للنظام التشريعيّ شبه الديموقراطيّ الذي كان موجودًا خلال عهد الأسرة الثالثة في أور (2112 ق.م - 2004 ق.م).

ADVERTISEMENT

الأنوناكي في عالم الواقع

الصورة عبر dlsdkcgl على pixabay

تمّ ذكر الأنوناكي بشكلٍ رئيسيٍّ في نصوص التراث العراقيّ الأدبيّة، ولم يتم اكتشاف سوى القليل جدًّا من الأدلّة التي يمكن أن تثبت حقيقة وجود أيّة طائفةٍ منهم، ونقول طائفةً لأن كل عضوٍ من الأنوناكي كانت لديه طائفته الفرديّة، وبالمثل، لم تكتشف حتى الآن أيّة بياناتٍ عن أنوناكي كمجموعةٍ كاملةٍ، على الرّغم من تحديد بعض الصور لاثنين أو ثلاثة أعضاءٍ فرديّين معًا. كانت الآلهة في بلاد ما بين النهرين القديمة مجسّمةً بشكلٍ فرديٍّ في معظم الأحيان، وكان يُعتقد أنها تمتلك قوًى غير عاديّةٍ وغالبًا ما كان يُنظر إليها على أنها ذات حجمٍ ماديٍّ هائلٍ. كانت الآلهة ترتدي "الميلام" عادةً، وهي مادةٌ غامضةٌ ومخيفةٌ تغطّي أجساد الانوناكي، كما يمكن أن يرتدي "الميلام" أيضًا الأبطال والملوك والعمالقة وحتى الشياطين. يسمى تأثير رؤية الإنسان لـ"الميلام" بوصف "ني"، وتعني  الوخز الجسديّ. كانت الآلهة تصوّر دائمًا وهي ترتدي قبّعاتٍ ذات قرنين، تتكوّن من سبعة أزواجٍ متراكبةٍ من قرون الثيران، كما تمّ تصويرها أحيانًا وهي ترتدي ملابس بها زينةٌ ذهبيّةٌ وفضيّةٌ متقنةٌ مخيطةٌ فيها.

ADVERTISEMENT

سرّ اهتمام الأوروبّيّين بالأنوناكي

غلاف كتاب "الأدلّة التاريخيّة على وجود الأنوناكي" للكاتب التركي "شفق جوكتورك"

في عام 2018م، أشار الكاتب التركيّ "شفق جوكتورك" في كتابه المكتوب باللغة الإنجليزية بعنوان: "Anunnaki Theory Authenticated With a New Twist: Historical Evidence of Anunnaki Presence" إلى بعض الأدلّة التي تدعم حقيقة تواجد الأنوناكي على أرض العراق، وقام بجمع تلك الأدلّة في كتابه، وأثار الكثير من التساؤلات عن الاهتمام الشديد من قبل العلماء الأوروبّيّين بكل ما يتعلّق بالأنوناكي. استنتج الكاتب حقيقة وجود الأنوناكي بعد سرد أدلّته، وأشار إلى سرّ القفزة العلميّة الهائلة التي حدثت في العقود الأخيرة من عمر البشريّة في محاولةٍ منه لإثبات أن الأنوناكي هم أصحاب ذلك العلم وأن الأوربّيّين قد أعادوا اكتشاف ذلك العلم من خلال دراستهم لآثار الأنوناكي معتمدًا في إثباته على بعض الألواح الأثريّة القديمة المدوَّنة بالخطّ المسماريّ، والتي تتحدّث حسب قوله عن مجيء الأنوناكي من كوكب "نيبيرو" الذي يقع على أطراف مجموعتنا الشمسية وكونهم كائناتٍ فضائيّةً متطوّرةً وليسوا آلهةً خرافيّةً كما صوّرهم العلماء الأوربّيّون، واستند أيضًا في استنتاجاته إلى بعض الآيات القرآنية وبعض المصادر التوراتية والإنجيليّة، وأعاد صياغة بعض المقولات الأثرية لمشاهير المؤرّخين أمثال "هيرودوت" و"بيريسوس". ويعتبر الكاتب من مشاهير الكتّاب الأتراك الذين لهم باعٌ في تاريخ الحضارات القديمة وله العديد من المحاضرات بخصوص الأنوناكي، كما أنّه خصّص كتابًا آخر سمّاه " الإلهة إنانّا"، وهي إحدى الأنوناكي المعروفة بتمرّدها، ولها قصّةٌ مثيرةٌ تتناول نزولها إلى العالم السفليّ وتعرّضها للموت ثم عودتها إلى الحياة.

ADVERTISEMENT

الأنوناكي ونظرية المؤامرة

غلاف كتاب "الكوكب الثاني عشر" للكاتب زكريا سيتشن الذي تحدث فيه عن الأنوناكي ككائناتٍ فضائيّة

لم يكن الكاتب " شفق" أوّل من تكلّم بخصوص نظريّة المؤامرة حول حقيقة الأنوناكي، بل سبقه الكثيرون في هذا الأمر من أمثال "إيريك فون دينيكن"  الذي ألّف كتابًا بعنوان: "عربات الآلهة" عام 1968م ليطرح نفس الأطروحة، كما كتب أيضاً "زكريّا سيتشن" كتاب أسماه "الكوكب الثاني عشر" كمحاولةٍ لإثبات نظريّة مجيء الأنوناكي من كوكب "نيبيرو"، وألّف "ديفيد آيك" وغيره كتبًا مماثلةً فنّدوا فيها أدلّةً وبراهين لإثبات حقيقة وجود الأنوناكي وأنهم ليسو من البشر. ويظلّ أصحاب الكلمة الأولى والأخيرة فيما يخصّ الأنوناكي هم أهل العراق، فهم أدرى بتاريخهم من غيرهم، ولعلّهم يحسمون الخلاف بكتبٍ تؤرخ لهذه المرحلة بشكلٍ علميٍّ ليظهر للعالم حقيقة الأنوناكي بغض النظر عن ماهيّتهم فالعراق تظلّ أرضها صاحبة أعظم الحضارات على مرّ التاريخ سواء كان الأنوناكي من وحي الخيال أم كانوا بشراً أو حتى كائناتٍ فضائيّة.

عائشة

عائشة

ADVERTISEMENT