يعرف الجميع أن نيوتن اكتشف الجاذبية عندما سقطت تفاحة، لكنه لم يستخلص قانونًا من قوانين الطبيعة من ضربة ثمرة واحدة، وقد استمرت القصة لأنها تحوّل سنوات من التفكير إلى مشهد يمكنك أن تحتفظ به في ذهنك.
وهذا التصحيح مهم لأكثر من مجرد الدقة. فالرواية الأنيقة تجعل العلم يبدو كالسحر. أما الرواية الحقيقية فتُظهر ما هو أفضل من ذلك: كيف تتحول ملاحظة حادة إلى معرفة، ولكن فقط بعد المقارنة والحساب والزمن.
قراءة مقترحة
المصدر الأساسي هنا هو ويليام ستوكلي، وهو صديق لنيوتن دوّن حديثًا دار بينهما عام 1726. ففي كتابه الذي نُشر عام 1752 بعنوان مذكرات حياة السير إسحاق نيوتن، استعاد ستوكلي ما قاله نيوتن عن أن منظر تفاحة تسقط كان قد دفعه إلى التفكير حين كان في الريف.
وهنا يكمن الفارق المهم. فحساب ستوكلي يؤيد قصة التفاحة بوصفها إلهامًا متذكَّرًا، لا برهانًا فوريًا. وهذا لا يعني أن قصة التفاحة مختلقة بالمعنى البسيط؛ بل يعني أن الرواية الشائعة تختصر سنوات من التفكير في مشهد واحد.
في عامي 1665 و1666، أُغلقت جامعة كامبريدج بسبب الطاعون، وقضى نيوتن بعض الوقت في قصر وولسثورب في لنكولنشاير، بعيدًا عن الجامعة.
أعطت تلك العزلة نيوتن الشاب فسحة للتفكير في الحركة والرياضيات والضوء، فبدأ عملًا واصل تطويره طويلًا بعد انتشار قصة التفاحة.
تلك هي الوقائع الأبطأ الكامنة تحت الأسطورة المصقولة. لم يكن الأمر معجزة وقعت في ظهيرة واحدة، بل كان عالمًا شابًا في عزلة، يحمل أسئلة كان قد بدأ العمل عليها من قبل، واستمر في العمل عليها طويلًا بعد أن ذاعت شهرة قصة التفاحة.
التفاحة تسقط إلى أسفل. هذا ما يستطيع أي شخص أن يراه. أما الفكرة الأصعب فهي أن تسأل لماذا تسقط إلى أسفل، وهل يتوقف هذا الجذب عند قمم الأشجار، أم إن القوة نفسها قد تمتد إلى مسافات أبعد كثيرًا.
تفاحة واحدة ساقطة كشفت فورًا قانون الجاذبية.
كان يمكن للتفاحة أن تثير سؤالًا: هل القوة التي تسحب الأشياء إلى أسفل على الأرض تمتد أيضًا إلى مسافة تكفي لتشكيل حركة القمر؟
في الرواية الشائعة، تلمع التفاحة ويختفي كل ما عداها. أما في الرواية الحقيقية، فتستقر تلك الصورة اللامعة على خلفية من الكتب المكدسة ذات الحواف البالية: صورة تُحفظ من أول نظرة، لكنها تستند إلى طبقات من الملاحظات والجدالات القديمة والرياضيات التي استغرق بناؤها سنوات.
هل يمكن فعلًا لتفاحة واحدة تسقط أن تمنح الإنسان قانونًا كونيًا؟
على الأرجح لا، لا في حياتك أنت ولا في حياة نيوتن. تذكّر آخر مرة تحولت فيها ملاحظة واحدة إلى فهم من دون تدوين أو مقارنة أو متابعة. معظمنا لا يستطيع ذلك، وهذه هي الفكرة.
لم يستنبط نيوتن قانون الجاذبية الكونية من حادثة واحدة. لقد كانت التفاحة مجرد باعث على التساؤل: هل يمكن للقوة التي تُسقط الأجسام على الأرض أن تمتد أيضًا إلى القمر؟ وهذا السؤال أعمق بكثير من الرواية الكرتونية، لأنه يُظهر العقل وهو ينتقل من المحلي إلى الكوني.
بعد عزلة الطاعون جاءت المرحلة الطويلة الوسطى، وهي الجزء الذي تكرهه الأساطير. فقد ظل نيوتن يتأمل في الأجسام الساقطة والحركة المدارية سنواتٍ طويلة. وقارن بين الأفكار، وراجعها، وعمل على بناء تفسير رياضي متين بما يكفي ليضم التفاحات والكواكب في إطار واحد.
أُغلقت كامبريدج أثناء الطاعون، وقضى نيوتن بعض الوقت في وولسثورب مانور.
جرت الإشارة لاحقًا إلى تفاحة ساقطة بوصفها اللحظة التي دفعت نيوتن إلى التفكير.
قارن نيوتن بين الأفكار، وراجعها، وعمل على بناء تفسير رياضي يربط بين الأجسام الساقطة والحركة المدارية.
عرض نيوتن لاحقًا في المطبوع الإطار الناضج للحركة والجاذبية.
المبادئ، وهو اختصار لعنوان Philosophiae Naturalis Principia Mathematica، هو الكتاب الذي عرض فيه نيوتن الإطار الناضج للحركة والجاذبية. وهذا الكتاب لم يسقط من شجرة، بل بُني بناءً.
وهنا يستطيع القارئ أن يستخدم اختبارًا بسيطًا مع أي أسطورة عن اكتشاف. اسأل عن ثلاثة أشياء: ما الذي جرى رصده، وما الذي جرى استنتاجه، وما الذي جرى البرهنة عليه لاحقًا. قد يحدث الأول في لحظة خاطفة، أما الآخران فلا يكادان يحدثان كذلك أبدًا.
يقاوم بعض الناس هذا التصحيح لأن القصة القديمة مرتبة ومثيرة. وهم يقلقون من أن العلم سيفقد بريقه إذا لم تكن التفاحة قد كشفت الجاذبية فورًا.
وأنا أرى العكس. فعالم تمنحك فيه نظرة واحدة قانونًا مكتملًا هو عالم حيل. أما عالم يمكن فيه لمشهد عادي كتفاحة تسقط أن يبدأ خطًا من التفكير يمتد حتى القمر، فذلك هو المدهش حقًا.
ولا تزال رواية ستوكلي المتأخرة مهمة لأنها تحفظ المقياس الإنساني للبداية. فقد تذكّر نيوتن لحظةً حدّدت سؤالًا بحدة أكبر. أما البرهان فجاء لاحقًا، عبر عمل استطاع الآخرون أن يفحصوه ويختبروه ويستخدموه.
هكذا تتحول اللمحة إلى معرفة. لا بأن تحل محل الجهد، بل بأن تمنح الجهد وجهة دقيقة يسير نحوها.
القصة الأقوى ليست أن نيوتن اكتشف الجاذبية في لحظة، بل أن تفاحة مألوفة وهي تهوي ساعدت على بدء العمل الطويل الذي أظهر أن القوة نفسها تمتد حتى القمر.