غالباً ما تبدو عجلة فيريس واحدة من أهدأ المشاهد في فضاءات الترفيه العامة، لكن العجلة الشهيرة التي رسّخت هذه الفكرة في أذهاننا لم تُبنَ أساساً لتكون رحلة هادئة على الإطلاق. فقد بدأت في المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو عام 1893، حين اقترح المهندس جورج واشنطن غيل فيريس الابن عجلة ضخمة بما يكفي لتقف بوصفها الجواب الأمريكي على برج إيفل.
وهذا يفسّر لماذا قد يبدو هذا الشيء أكبر من وظيفته. فحتى عندما لا تلحظه إلا لمحة فوق متنزّه ما، فإنه يحمل في هيئته طموحاً عاماً من نوع قديم.
قراءة مقترحة
اليوم، يلتقي معظمنا بعجلات فيريس بوصفها استراحة ضمن يوم من المرح. فهي رحلات عائلية، ورحلات لمشاهدة المنظر، ووسيلة للجلوس مع الاستمرار في الحركة. وهي تنتمي إلى المعارض والواجهات المائية ومدن الملاهي، ويبدو معناها بسيطاً بما يكفي.
أما معناها الأصلي فكان أشدّ حدّة. كان معرض شيكاغو لعام 1893 بحاجة إلى معلم يضاهي في حجمه وجرأته ما رآه الناس في باريس قبل ذلك بأربع سنوات، حين ارتفع برج إيفل فوق المعرض العالمي لعام 1889. وقد دخل فيريس، وهو مهندس جسور من بيتسبرغ، هذه المنافسة بآلة بدا وصفها على الورق أقرب إلى العبث: عجلة دوّارة عملاقة تحمل الناس عالياً في الهواء.
| الحدث | المنشأة | ما الذي كانت ترمز إليه |
|---|---|---|
| باريس، 1889 | برج إيفل | بيان شاهق عن الحجم والجرأة |
| شيكاغو، 1893 | عجلة فيريس | جواب أمريكي بُني على الحركة والحجم والثقة الهندسية |
لم يكن رجل استعراضات في المقام الأول. بل كان مهندساً اعتاد العمل مع الفولاذ والمنشآت الحاملة للأحمال. وكان اقتراحه منسجماً مع لغة العصر: فإذا كانت فرنسا قد أدهشت العالم ببرج، فإن الولايات المتحدة يمكنها أن تردّ بالحركة والحجم وثقة ميكانيكية مرئية.
افتُتح المعرض الكولومبي العالمي في شيكاغو عام 1893 بوصفه معرضاً عاماً هائلاً للثقافة والصناعة والثقة الوطنية بالنفس. وكان المنظمون يريدون الفرجة، لكنهم لم يريدوا الفرجة وحدها. لقد أرادوا منشأة يستطيع الناس أن يشيروا إليها بوصفها دليلاً على أن الهندسة الأمريكية قادرة على إنجاز شيء لم يره العالم من قبل.
وهنا جاء دور فيريس. وتُظهر السرديات التاريخية الخاصة بالمشروع بوضوح أن العجلة صُمّمت باعتبارها معلماً للمعرض، وآلة هائلة الحجم بُنيت لتُبهر الزوار وتجيب عن تحدٍّ قائم.
كان متوقعاً من أول عجلة فيريس أن تؤدي دوراً يتجاوز كونها رحلة ترفيهية: كان عليها أن تجسّد الهندسة والظهور والثقة الوطنية أمام الجمهور.
أن تكون آمنة
كان عليها أن تحمل أعداداً كبيرة من الناس في هيئة يثق بها الجمهور.
أن تكون هائلة
كان يجب أن يُدرك حجمها فوراً بوصفها معلماً للمعرض، لا مجرد مرفق ترفيهي صغير.
أن تُرى من بعيد
كان لا بد أن تهيمن العجلة على المشهد وتشدّ النظر عبر أرض المعرض.
أن تحوّل الصناعة إلى فرجة
كان الهدف منها أن تجعل الآلات الحديثة تبدو كأنها عرض عام.
80.5 متر
كان ارتفاع العجلة الأصلية كافياً لتعمل معلماً لا مجرد رحلة، مع قدرتها في الوقت نفسه على حمل حمولة إجمالية أكبر بكثير مما قد يتخيله معظم الناظرين إليها من الأرض.
وبالنسبة إلى زوار المعرض عام 1893، لم تكن تلك مجرد دورة. كانت رحلة داخل مفاخرة وطنية.
والآن عُد إلى ذلك المنظر المألوف لعجلة تدور خلف الأشجار. ما إن تعرف ما الذي كان وراء الأولى منها حتى تتغير الهيئة. فما يبدو هادئاً من بعيد هو أيضاً الشكل الباقي لتحدٍّ عام.
وهذه هي الحيلة الحقيقية في عجلة فيريس. فقد لانت هيئتها مع الزمن، لكن وظيفتها الأولى كانت حادة الأطراف. لقد بُنيت لتُظهر أن الفولاذ والمحامل والمحاور والجرأة يمكن أن تُرتَّب في شيء لم يره الجمهور من قبل ولن ينساه.
وإذا تمهّلت قليلاً عند مشهد شيكاغو، كدت ترى المشكلة التي كان فيريس يحاول حلّها. فقد كان مسؤولو المعرض يريدون منشأة مميّزة. وكانت البلاد تريد أن تُظهر ثقتها الصناعية. فقدم فيريس عجلة ضخمة إلى حد أن الناس كان عليهم أولاً أن يثقوا في الهندسة قبل أن يطمئنوا إلى المتعة. وهذه قصة نشأة مختلفة عن تلك التي يحملها معظمنا في ذهنه.
وبالطبع، جاء المعنى المرح لاحقاً، وبالنسبة إلى كثيرين فهو المعنى الوحيد الذي يهم الآن. وليس المقصود هنا الادعاء بأن كل عجلة فيريس في كل معرض ما تزال تحمل الثقل الثقافي نفسه الذي حملته في شيكاغو عام 1893. فقد انتشرت كثير من الألعاب الدائرية لأن الناس استمتعوا بها ولأن المشغّلين استطاعوا أن يربحوا منها. والمتعة البسيطة جزء من هذه الحكاية أيضاً.
لكن عجلة فيريس صارت أكثر من مجرد رحلة مفيدة لأن أصلها الأشهر جمع بين المتعة والاستعراض العام. وهذه المزاوجة مهمة. فالدوّامة تبهر على مستوى الأرض. أما عجلة فيريس فتعلن عن نفسها للمعرض كله.
والتمييز الأخير في المقال عملي: فما يزال بالإمكان فهم الشيء نفسه على عدة مستويات في آن واحد.
زينة
يمكنها ببساطة أن تؤدي وظيفة علامة بصرية مبهجة في متنزّه أو معرض أو على واجهة مائية.
نقل الأجساد
فهي تنقل الركاب، وتمنحهم مقعداً، وتحوّل الحركة إلى رحلة قابلة للاستخدام.
مسرح عام للحجم
فهي ما تزال تعلن عن نفسها عبر أرض المعرض على نحو لا تفعله إلا قلة من الألعاب.
ولهذه الهوية المزدوجة يبقى المشهد عالقاً في الذهن. يمكنك أن تستمتع بالرحلة بوصفها رحلة فحسب، وفي الوقت نفسه تدرك أن أشهر أسلافها دخل إلى العالم بوصفه آلة صُممت لتُبهر أمة وزوارها.
ليست عجلة فيريس مجرد أيقونة في متنزّه أصبحت محبوبة؛ بل هي أثر باقٍ من آثار المعارض العالمية تعلّم كيف يبدو وديعاً.