ADVERTISEMENT

زهور التوليب البرتقالية ليست هولندية الأصل — فقصتها تبدأ في آسيا الوسطى

التوليب، الزهرة التي يربطها معظم الناس بهولندا، لم يبدأ هناك؛ بل بدأ في آسيا الوسطى، وقد غيّر مساره عبر العالم العثماني ما يظنه كثير من الناس اليوم بشأن هويته.

تصوير RoonZ nl على Unsplash

وهذا أول تصحيح يجدر بنا إجراؤه. فقد ارتبطت زهور التوليب ارتباطًا وثيقًا بالحقول الهولندية والتجارة الهولندية والهوية الهولندية، لكنها كانت قد قطعت بالفعل رحلة طويلة قبل أن تصل إلى شمال أوروبا.

ADVERTISEMENT

تتبع الأبحاث النباتية والتاريخية، ومنها مراجعة نُشرت عام 2022 في مجلة Plants بقلم إليني ستيفاناكي ومؤلفين مشاركين، انتقال التوليب الزخرفي إلى أوروبا من الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر، وتربط الحكاية الأطول للتوليب بالامتداد الراجع عبر آسيا الوسطى والأناضول. وبعبارة بسيطة: الزهرة التي يسميها الناس هولندية وصلت إلى أوروبا عبر الحدائق العثمانية، حاملة معها تاريخًا شرقيًا أقدم بكثير.

لماذا التصقت بها الصفة الهولندية بهذا القدر؟

ليس من الصعب أن نفهم لماذا يضع الناس التوليب في خانة «الهولندي». فقد أصبحت هولندا أحد أكبر مراكز زراعة التوليب في العالم. وعمل المزارعون الهولنديون على تهذيب الأصناف، وبنوا تجارة كبرى للأبصال، وجعلوا الزهرة مشهورة إلى مدى بعيد خارج أوروبا.

وتلك الشهرة اللاحقة مهمة فعلًا. إنها تاريخ حقيقي، لا خطأ. لكن الشهرة والأصل ليسا الشيء نفسه، وهنا تحديدًا يُختزل التوليب في صورة ربيعية مبتذلة، بينما يستحق قصة أكمل من ذلك.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

المسار في لمحة واحدة

آسيا الوسطى

هنا تبدأ حكاية التوليب، في موطنه الشرقي الأقدم.

العوالم الفارسية والإيرانية

انتقلت زراعته غربًا، وصارت جزءًا من تقليد أوسع في الاستنبات والعناية.

الحدائق العثمانية

زُرع التوليب وأُعجب به وتشكّلت ملامحه الثقافية قبل أن يدخل أوروبا.

أوروبا في القرن السادس عشر ثم الشهرة الهولندية

دخلت الزهرة إلى أوروبا، ثم غدت لاحقًا رمزًا تجاريًا وثقافيًا هولنديًا.

كان الموطن الأول للزهرة أبعد شرقًا مما يظن كثيرون

لزهور التوليب البرية موطن واسع في آسيا الوسطى. تخيّل مناطق جبلية وسهبية تمتد عبر أماكن مثل كازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان ومناطق مجاورة، حيث نمت أنواع كثيرة من التوليب قبل وقت طويل من تحوّل هذه الزهرة إلى رمز أنيق للحدائق.

ADVERTISEMENT

ومن هناك دخل التوليب، مع مرور الزمن، في رعاية الإنسان. وغالبًا ما تُربط الزراعة المبكرة له بالثقافة الفارسية وبأراضٍ تقع اليوم ضمن إيران ومناطق قريبة منها. وهذه واحدة من اللحظات التي تحتاج فيها كلمة «الأصل» إلى شيء من الصراحة: فالأصل البري، والزراعة المبكرة، والانتماء الوطني اللاحق، ثلاثة أشياء مختلفة.

ثلاثة معانٍ لأصل التوليب

المعنى الأقرب دقة ما الذي يشير إليه
الأصل البري آسيا الوسطى الموطن الواسع الذي نمت فيه أنواع التوليب البرية طبيعيًا.
الزراعة المبكرة المناطق الفارسية والإيرانية الأراضي التي ارتبط فيها التوليب على نحو أعمق برعاية الإنسان وزراعته.
الهوية العامة هولندا المكان الذي جعل التوليب لاحقًا مشهورًا عالميًا بوصفه رمزًا وطنيًا.
ADVERTISEMENT

لذلك، حين يسأل أحدهم من أين جاءت زهور التوليب، فإن أدق إجابة ليست بلدًا واحدًا يُختم على جواز سفر. فجذورها البرية في آسيا الوسطى، وتعاظمت قصتها الزراعية عبر الأراضي الفارسية والأناضول، أما هويتها العامة الأشهر فجاءت لاحقًا.

زهرة لا تدوم إلا أيامًا، ورحلة استغرقت قرونًا

تتفتح زهرة التوليب، وتبقى متألقة لبرهة قصيرة، ثم تمضي. وهذا العمر القصير جزء من السبب الذي يجعل الناس يتعاملون معها بوصفها مجرد علامة بسيطة على الربيع: زاهية، سريعة، مألوفة.

لكن إذا انتقلنا فجأة إلى الساعة الأطول، وجدنا أن السمعة المختزلة في تلك الزهرة الواحدة استغرقت قرونًا حتى تتشكل. فقد تحركت الزهرة عبر آسيا الوسطى. ثم زُرعت وأُعجب بها أبعد إلى الغرب. وازدهرت في الأراضي العثمانية. ودخلت أوروبا في القرن السادس عشر. وبعد ذلك فقط أصبحت أحد أقوى الرموز الزهرية لهولندا.

ADVERTISEMENT

وهنا تكمن المفاجأة الحقيقية في التوليب. فالزهرة التي أمامك قد لا تدوم إلا أيامًا، لكن فكرتها عبرت إمبراطوريات.

قبل الشهرة الهولندية، كانت هناك حدائق عثمانية

إذا كان للتوليب مكان واحد جرى فيه تبنيه ثقافيًا قبل أن تجعله أوروبا محبوبًا على نطاق واسع، فهو العالم العثماني. ففي القرن السادس عشر، كانت زهور التوليب تُزرع ويُعجب بها في الحدائق العثمانية، بما في ذلك حدائق البلاط. ولم تكن مجرد واردات عابرة وُضعت في التراب من غير أن يلتفت إليها أحد. بل كانت قد صارت بالفعل من الزهور التي ينتقيها الناس ويثمّنونها ويتأملونها بعناية.

وهذا المشهد الأبطأ مهم، لأنه يمنع اختزال التوليب في مجرد ملصق شحن. فلم يُقتلع ببساطة من الشرق ويُسلَّم إلى الغرب. بل صاغه البستانيون والرعاة والأذواق في الأراضي العثمانية قبل أن يدخل إلى البستنة الأوروبية.

ADVERTISEMENT

ثم تتسارع الوتيرة من جديد. الموطن البري. الزراعة المبكرة. الحدائق العثمانية. أوروبا في القرن السادس عشر. الشهرة الهولندية. وهذا التسلسل أقرب بكثير إلى الحقيقة من ذلك الاختصار الأنيق الذي تعلمه معظمنا.

فكيف جعلتها أوروبا، ثم هولندا، جزءًا من هويتها؟

وصل التوليب إلى أوروبا من الإمبراطورية العثمانية في القرن السادس عشر، حين كانت النباتات والأبصال والاهتمامات النباتية تتحرك عبر طرق التجارة والدبلوماسية. وما إن استقرت الزهرة في الحدائق الأوروبية حتى انتشرت سريعًا بين الجامعين والمزارعين.

وبرعت هولندا على نحو خاص في المرحلة التالية. فقد طوّر المزارعون الهولنديون أصنافًا جديدة، وحوّلوا التوليب إلى قوة تجارية وثقافية. كما ساعدت موجة قصيرة من المضاربة في القرن السابع عشر على ترسيخ هذا الارتباط، وإن كانت تلك الحلقة تُروى غالبًا بصوت أعلى من التاريخ الأطول الذي يقف وراءها.

ADVERTISEMENT

وهنا يأتي الاعتراض المنصف في هذه المقالة: أليست زهور التوليب هولندية فعلًا في الذاكرة الثقافية؟ بلى، هي كذلك. لكنها هولندية بالمعنى نفسه الذي تكون فيه البيتزا إيطالية بينما جاءت الطماطم من الأمريكتين: فقد يتبنى مكانٌ ما شيئًا ما، ويهذّبه، ويشتهر به، من دون أن يكون أول موضع خرج منه في البرية.

المسار ذو الكلمات الخمس الذي يرسّخ الحكاية في الذهن

جرّب هذا الاختبار الصغير للذاكرة: آسيا الوسطى ← العالم العثماني ← أوروبا ← رمز هولندي. ليس هذا كل المحطات، لكنه الخط الذي يمكنك الاحتفاظ به في ذهنك من غير حاجة إلى كتاب في علم النبات في جيبك.

الأصل والشهرة ليسا الشيء نفسه

قبل

التعامل مع سؤال «من أين جاءت زهور التوليب؟» كما لو كانت له إجابة وطنية واحدة بسيطة.

بعد

التمييز بين موطنها البري في آسيا الوسطى، وزراعتها المبكرة عبر التاريخ الفارسي والإيراني والمناطق المجاورة، ثم شهرتها العالمية اللاحقة في هولندا.

ADVERTISEMENT

ويساعد هذا المسار أيضًا على تنقية معنى كلمة «الأصل». فإذا كنت تقصد الموطن البري، فابدأ من آسيا الوسطى. وإذا كنت تقصد الزراعة المبكرة، فانظر إلى التاريخ الفارسي والإيراني والمناطق المجاورة. أما إذا كنت تقصد المكان الذي جعل الزهرة مشهورة عالميًا، فنعم، تنتمي هولندا إلى القصة، لكن ليس في بدايتها.

ومتى فصلت بين هذه المعاني، كفّ التوليب عن كونه اختصارًا سياحيًا، وصار زهرة مهاجرة ذات ذاكرة طويلة.

لقد جعل الهولنديون التوليب مشهورًا في العالم، لكنهم لم يكونوا أول من أوجده.