تكتسب «المقرّ الرئيسي لشركة الدار» أهميته أقل بوصفه رمزًا في الأفق العمراني، وأكثر بوصفه آلة للناس والضوء والأحمال، وهذا ما يجعل شكله الدائري يستحق أكثر من نظرة عابرة. المبنى، الذي كثيرًا ما يُشبَّه بعملة معدنية بسبب هيئته، اكتمل عام 2010 في أبوظبي، وصمّمته MZ Architects، ويرتفع إلى نحو 110 أمتار على 23 طابقًا. هذه هي الحقائق المباشرة التي تريد معرفتها منذ البداية، لأن موضع الاهتمام الحقيقي ليس أنه يبدو غير مألوف، بل كيف يستطيع مبنى مكاتب بهذا الشكل أن يعمل أصلًا.
لطالما تعاملت مراجع معمارية مثل ArchDaily وقوائم المشاريع معه بوصفه عنصرًا بارزًا، وهذا مفهوم، فالمُدن تلتقط أولًا الخطوط الواضحة في الأفق. لكن الرموز رخيصة إذا كان من في الداخل يقضون يومهم وهم يصارعون مخططات طوابق مربكة، أو شمسًا قاسية، أو مصاعد سيئة، أو زوايا مهدرة. هذا المقال عن الكيفية التي يحاول بها هذا المبنى أن يجعل الشكل يبرّر نفسه.
جرّد الأمر من العناوين الكبيرة، وفكّر في صباح عادي داخل مكتب. يصل الناس على دفعات. يمرّون عبر المدخل، وينتظرون المصاعد، ثم يخرجون في طابقهم، ويبحثون عن غرف الاجتماعات والمكاتب ودورات المياه ومساحات الخدمات وطريق العودة إلى الأسفل من دون ارتباك. لا تكون الهيئة الخارجية الدرامية ذات جدوى إلا إذا ظل هذا الإيقاع اليومي يعمل أيضًا.
قراءة مقترحة
وهنا يصبح هذا المبنى أكثر إثارة للاهتمام من صورته البريدية. فالهيئة الدائرية يمكن أن تخفف من المشكلة المعتادة للمكاتب الركنية الميتة، لأنه لا توجد زوايا حادة تحتجز أجزاءً غير قابلة للاستعمال من الطابق. وبعبارة أبسط، قد تساعد الهندسة الشبيهة بالحَلَقة على توزيع المساحة المحيطية على نحو أكثر توازنًا، وهذا مهم في المكاتب لأن المحيط الخارجي هو المكان الذي توجد فيه عادة الإضاءة الطبيعية والإطلالات.
حتى مع هيئة خارجية جريئة، لا ينجح التنظيم الداخلي إلا إذا بقيت أنظمة المكتب المعتادة واضحة ومضغوطة وقابلة للتكرار.
الحركة الرأسية
يجب أن تظل المصاعد والسلالم سهلة العثور عليها وذات كفاءة تكفي للتعامل مع حركة المرور اليومية المتكررة.
نواة الخدمات
لا بد أن تحتفظ دورات المياه والقنوات والمعدات وسائر العناصر الخلفية بنظام مركزي واضح.
استعمال المحيط
يمكن للطابق المنحني أن يوزّع الضوء الطبيعي والإطلالات على نحو أكثر توازنًا عبر تجنّب المساحات الركنية المحصورة.
ولنكن صرحاء هنا: الشكل غير المعتاد، في حد ذاته، لا يضمن مكتبًا أفضل. فبعض المقارّ الشهيرة تهدر المال والمساحة فقط لكي تُذكَر. والاختبار العادل ليس ما إذا كان يبدو جريئًا، بل ما إذا كان الداخل لا يزال يعمل صباح يوم ثلاثاء عادي.
لننتقل الآن إلى الغلاف الخارجي. فعلى الورق، يبدو مبنى مكاتب مكسوًّا بالزجاج في الخليج فكرةً مقلقة، لأن أشعة الشمس وفيرة والحرارة ليست مسألة هامشية. قد يجلب الغلاف الزجاجي ضوءًا طبيعيًا مرحّبًا به يتوغّل بما يكفي في عمق الطوابق ليخفف الإحساس بالكهوف الشائع في كثير من المكاتب، لكنه يحتاج أيضًا إلى ضبط الوهج والكسب الحراري حتى لا يجلس العاملون خلف الستائر طوال اليوم فيما تخوض أجهزة التكييف معركة خاسرة.
| العنصر | الفائدة المحتملة | المطلب العملي |
|---|---|---|
| الغلاف الزجاجي | يُدخل الضوء الطبيعي إلى عمق أكبر داخل طوابق المكاتب | يجب أن يحدّ من الوهج والكسب الحراري الشمسي |
| الواجهة الزجاجية المنحنية | تصنع هيئة نظيفة وسهلة القراءة | عليها أن تعمل بوصفها حاجزًا ومرشّحًا وواجهة قابلة للصيانة |
| الهندسة البسيطة | قد تجعل الحركة الداخلية أسهل للفهم | تظل معتمدة على وضوح التخطيط الداخلي |
لو توقفتَ لحظة عن النظر إليه بوصفه رمزًا، فبماذا ستسميه؟
سأسميه آلة للإشغال. قد يبدو ذلك وصفًا عاديًا، وربما قاسيًا قليلًا، لكنه يبدّد الضباب. فبمجرد أن تصنّف المبنى على هذا النحو، يصبح على كل حركة درامية فيه أن تبرّر نفسها من خلال صلاحية الطوابق للاستعمال، ونقل الأحمال إنشائيًا، والضوء، والحركة اليومية. وهنا تكمن لحظة الإدراك الحقيقية: الدائرة ليست هي الفكرة ما لم تستطع أن تنهض بهذه المهام.
على المبنى أن ينقل العاملين بكفاءة عبر المداخل والمصاعد والسلالم والطوابق.
تحتاج طوابق المكاتب إلى ضوء طبيعي مفيد من دون أن تتحول إلى فراغات معتمة أو مناطق يغمرها الوهج.
يجب أن يحافظ الشكل على المساحة القابلة للاستخدام والتأجير بدلًا من التضحية بقدر كبير منها من أجل الصورة.
على الغلاف الخارجي أن يخفّض اكتساب الحرارة بما يكفي لكي تتمكن أنظمة التبريد من التعامل مع ظروف الخليج.
يجب أن تنتقل الأحمال القادمة من الطوابق والواجهة والرياح ووزن المبنى ذاته بسلاسة عبر الإطار الإنشائي ونظام الطوابق والنواة إلى الأرض.
لنبدأ بالهيكل الإنشائي. فالمبنى المرتفع لا يقف لأن الرسم بدا واثقًا. إذ ينبغي أن تنتقل الأحمال القادمة من الطوابق والواجهة والرياح ووزن المبنى نفسه إلى الأسفل عبر نظام منطقي يصل بها إلى الأرض. وفي مبنى ذي هيئة دائرية وتأثير فتحة كبيرة في الوسط، تصبح مسارات الأحمال هي القصة الحقيقية، لأن الشكل يطلب من الهيكل أن يعيد توجيه القوى ضمن هندسة أقل مباشرة من بلاطة مستطيلة عادية.
وغالبًا ما يعني ذلك تنسيقًا أقوى بين الإطار الخارجي ونظام الطوابق والنواة. بعض القوى تذهب إلى حيث تتوقع، وأخرى تحتاج إلى نقل عبر عناصر مرتبة على نحو خاص حتى يبقى الشكل نقيًا من دون أن يسوء سلوك المبنى. ولا يحتاج القرّاء إلى كل الرسومات الهندسية كي يدركوا المبدأ: كلما كانت الهيئة أكثر غرابة، ضاق هامش الكسل الإنشائي.
ثم تأتي الحزمة السريعة من الواجبات التي يجب على الشكل أن يتعامل معها كل يوم. عليه أن يحمل الأحمال. وعليه أن يحدّ من الوهج. وعليه أن يخفف اكتساب الحرارة. وعليه أن ينقل الناس صعودًا وهبوطًا من دون اختناقات. وعليه أن يتيح لفرق التنظيف والصيانة الوصول إلى الزجاج بأمان. هنا إمّا أن ينضج التصميم اللامع أو يُفتضح أمره.
هناك اعتراض شائع على مقارّ من هذا النوع، وليس اعتراضًا ساذجًا. فالمتشككون يقولون إن مباني المكاتب الأيقونية كثيرًا ما تهدر المساحات القابلة للتأجير، وتكلّف أكثر في التنفيذ، وتقدّم الصورة على الراحة. وقد استحقت مشاريع كثيرة حول العالم هذا النقد فعلًا.
والرد المنصف ليس إنكار وجود هذا الخطر. فهو موجود. فالواجهات المنحنية أصعب من المسطحة. والهندسة الخاصة قد تعقّد التجهيز الداخلي والتنفيذ. لكن السؤال الأجدى أضيق من ذلك وأكثر فائدة: هل جعل فريق التصميم الشكل يدعم احتياجات المكتب اليومية بما يكفي لتبرير هذه المطالب الإضافية؟ في حالة «المقرّ الرئيسي لشركة الدار»، هذا هو الخط الذي يستحق الفحص، لا المديح المجرد عن الجرأة.
ما يبقي هذا المبنى حيًا بوصفه موضوعًا للنظر هو أنه يطلب من نفسه أمرين في آن واحد. فهو يريد أن يُتذكَّر في المدينة، نعم، لكنه أيضًا مضطر إلى أن يتصرف كمبنى مكاتب عملي للأشخاص في داخله. وعندما يلتقي هذان الهدفان، تصبح العمارة أصعب وأفضل.
ولهذا يكافئ المبنى من يتأمله مرة ثانية. فشكله الحلقي، وتأثير المركز المفتوح فيه، وغلافه الزجاجي لا تنتهي عند اكتمال الخارج. بل تواصل عملها عبر طوابير المصاعد، والطوابق المؤجرة، وأحمال التبريد، والهيكل الإنشائي، والتنظيف، والعادات العادية للحياة المكتبية. ولا يكتسب المعلم مكانته إلا حين لا يكسِر الروتين اليومي فكرته.
الحركة والضوء والأحمال
الاختبار النهائي في هذا المقال بسيط: تجاهل الشكل للحظة، واحكم على ما إذا كان المبنى يدير هذه الوظائف الثلاث جيدًا.
استخدم هذا الاختبار مع أي مبنى شهير تمرّ به: تجاهل الشكل لدقيقة، واحكم على كيفية تعامله مع الحركة والضوء والأحمال.