تأسيس بغداد: رحلة عبر الزمن من العصر العباسي إلى الحداثة
ADVERTISEMENT

في قلب العالم الإسلامي، تقف مدينة بغداد شامخة كشاهد على التاريخ العريق والتحولات الجذرية التي شهدتها عبر العصور. منذ تأسيسها على يد الخليفة العباسي المنصور في القرن الثامن الميلادي، كانت بغداد مركزًا للعلم والثقافة، وملتقى للحضارات والأفكار. في هذا المقال، نستكشف رحلة عبر تاريخ بغداد منذ نشأتها

ADVERTISEMENT

كمدينة السلام، مرورًا بأزمنة الازدهار والتحديات، وصولًا إلى واقعها في العصر الحديث. نتتبع خطوات التاريخ لنكتشف كيف أثرت الأحداث الكبرى على هوية بغداد ومكانتها، وكيف تشكلت ملامحها الحضارية والثقافية عبر الزمان.

الفترة العباسية: تأسيس بغداد والعصر الذهبي

صورة من wikimedia

1.الخليفة المنصور وحلم مدينة السلام

في القرن الثامن الميلادي، وضع الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور حجر الأساس لمدينة بغداد، محققًا حلمه بإنشاء "دار السلام"، وهو الاسم الذي اختاره للمدينة تيمنًا بالجنة أو تيمنًا بأحد أسماء الجنة. كان المنصور معروفًا بحكمته ورؤيته الاستراتيجية، وقد اختار موقع بغداد بعناية ليكون مركزًا للخلافة العباسية، مستفيدًا من موقعها الجغرافي الفريد على نهر دجلة.

ADVERTISEMENT

تميزت بغداد بتخطيطها المعماري الفريد، حيث صُممت على شكل دائري يحيط به سور عظيم، وكان في وسطها القصر الخليفي والمسجد الجامع، مما يعكس النظام السياسي والديني للدولة العباسية. وقد جلب المنصور أفضل المهندسين والصناع للعمل على بناء المدينة، مما أدى إلى ازدهارها وتحولها إلى مركز للعلم والثقافة.

كانت بغداد، تحت حكم المنصور، مثالًا للتسامح والتعايش بين مختلف الثقافات والأديان، وقد استقطبت العلماء والمفكرين من جميع أنحاء العالم الإسلامي، مما جعلها مهدًا للحضارة الإسلامية ومنارة للعلم والمعرفة.

2.تخطيط المدينة والهندسة المعمارية العباسية

تُعد بغداد نموذجًا فريدًا للتخطيط العمراني في العصر العباسي، حيث تم تصميمها بشكل دائري يعكس الرؤية الكونية والفلسفية للخلق. كانت الدائرة ترمز إلى الكمال والوحدة، وقد تجسد هذا المفهوم في تخطيط المدينة الذي يضم القصر الخليفي والمسجد الجامع في مركزها، محاطين بأحياء سكنية متناظرة ومتساوية الأبعاد.

ADVERTISEMENT

التأثيرات الساسانية واضحة في العمارة العباسية، خاصة في استخدام الإيوانات والقباب، وهي ميزات معمارية تعكس العظمة والسلطة. كما تميزت المباني العباسية بزخارفها الجصية والرسوم الجدارية التي تضفي جمالية وغنى على الفضاءات الداخلية.

كانت بغداد، بتخطيطها المدني الفريد وعمارتها الغنية، تعبيرًا عن القوة والازدهار الثقافي للخلافة العباسية، وقد أثرت هذه العمارة في تطور العمارة الإسلامية ووصل تأثيرها إلى أقطار شمالي أفريقيا.

3.بغداد في عصرها الذهبي: مركز العلم والثقافة

شهدت بغداد في عصر الخليفة هارون الرشيد، وهو من أشهر الخلفاء العباسيين، ذروة ازدهارها الحضاري والثقافي. تحولت المدينة إلى قبلة للعلماء والمفكرين، وأصبحت مركزًا علميًا وفكريًا بارزًا في العالم الإسلامي، وهو ما أطلق عليه لاحقًا "العصر الإسلامي الذهبي.

ADVERTISEMENT

تأسيس "بيت الحكمة" كان خطوة رئيسية في هذا العصر، حيث جمع هذا المركز العلمي الكبار من العلماء والمترجمين والفلاسفة، وشهد ترجمة وتأليف العديد من الأعمال العلمية والأدبية. كان هارون الرشيد معروفًا بدعمه الكبير للعلم والعلماء، وقد أسهم ذلك في نمو العلوم الإسلامية والعربية وتطورها.

خلال هذا العصر، شهدت بغداد أيضًا تطورًا كبيرًا في الجانب الحضاري وبناء المؤسسات، وأصبحت مدينة تجمع بين العلم والثقافة والفنون، وكانت مثالًا يحتذى به في التسامح والتعايش الثقافي.

تاريخ بغداد: التحولات عبر العصور

صورة من wikimedia

1.الغزو المغولي وتداعياته على بغداد

الغزو المغولي الذي وقع في القرن الثالث عشر الميلادي، ترك آثاراً كبيرة على بغداد وشعبها:

الدمار الهائل: تسبب الغزو المغولي في دمار هائل لمدينة بغداد، حيث تم تدمير معظم مبانيها وهياكلها الحضارية الهامة، بما في ذلك المكتبات والمدارس والمعابد. تعرضت المدينة لنهب شديد وقتل السكان بأعداد هائلة، مما جعل بغداد تفقد مكانتها كمركز ثقافي وحضاري مهم.

ADVERTISEMENT

التأثير الثقافي: بعد الغزو المغولي، تراجعت الحياة الثقافية في بغداد، حيث فقدت المدينة العديد من علمائها وفنانيها وأدبائها الذين قتلوا أو فروا خوفاً من الغزاة. تراجعت النشاطات الفكرية والثقافية في المدينة لفترة طويلة بسبب الدمار الهائل الذي لحق بها.

التأثير الاقتصادي: شهدت البنية الاقتصادية لبغداد انهياراً جذرياً بعد الغزو المغولي، حيث تم تدمير المزارع والبنية التحتية الاقتصادية الهامة، مما أدى إلى تراجع حجم التجارة والنشاط الاقتصادي في المدينة.

التأثير الاجتماعي: تأثرت الحياة الاجتماعية في بغداد بشكل كبير بسبب الغزو المغولي، حيث تسبب في انقسام المجتمع وتفككه، وزاد من التوترات الاجتماعية بين السكان المتبقين في المدينة.

الغزو المغولي وتداعياته على بغداد كانت كارثية، حيث شهدت المدينة فترة من الدمار والخراب الشديدين، وتأثرت بشكل كبير في مختلف الجوانب من حياتها.

ADVERTISEMENT

2.بغداد كعاصمةٍ للدولة العثمانية

بغداد كعاصمةٍ للدولة العثمانية، شهدت تغييرات مهمة في العديد من الجوانب:

التأثيرات الثقافية: تحت الحكم العثماني، استمرت بغداد بالازدهار كمركز ثقافي مهم في العالم الإسلامي. تم تطوير البنية التحتية للمدينة وتحسين المرافق العامة مثل المساجد والمدارس والمستشفيات. كما شهدت بغداد نشاطًا ثقافيًا مستمرًا وتطورًا في الأدب والعلوم والفنون، مع استمرار الجذب للعلماء والفنانين والكتّاب من جميع أنحاء الإمبراطورية العثمانية.

التأثيرات الاقتصادية: كانت بغداد تحت الحكم العثماني مركزًا تجاريًا حيويًا، حيث استمرت التجارة بالازدهار وتنوعت المنتجات التي تم تداولها في الأسواق المحلية والدولية. تطوّرت البنية التحتية للتجارة مع بناء مرافق لتخزين البضائع وتسهيل النقل والتجارة بين بغداد والمدن الأخرى في الإمبراطورية العثمانية وخارجها.

ADVERTISEMENT

التأثيرات الاجتماعية: تأثرت الحياة الاجتماعية في بغداد بتواجد الإدارة العثمانية وتطبيق قوانينها وسياساتها. شهدت المدينة تغييرات في التركيبة الاجتماعية ونمط الحياة، مع تأثير السياسات العثمانية على التعايش الثقافي والديني والاقتصادي بين السكان المختلفين في بغداد.

حكم الدولة العثمانية شكل فترة من التطور والتغيير في بغداد، حيث استمرت المدينة في تحقيق أهميتها الاقتصادية والثقافية كمركز حيوي في العالم الإسلامي.

3.الاستعمار البريطاني في القرن العشرين

الاستعمار البريطاني يمثل حدثا محوريا في تاريخ بغداد خلال القرن العشرين، وقد شكل هذا الاستعمار تأثيرات عميقة على مختلف الجوانب في حياة المدينة:

التأثيرات الثقافية: تحت الحكم البريطاني، شهدت بغداد تأثيرات ثقافية متنوعة، حيث قامت السلطات الاستعمارية بمحاولات لفرض الثقافة البريطانية واللغة الإنجليزية كلغة رسمية. كما شهدت بغداد انتفاضة ثقافية مضادة حيث حافظ السكان على تقاليدهم وثقافتهم العربية والإسلامية، مما أدى إلى تطور ثقافي متنوع ومتعدد الأوجه.

ADVERTISEMENT

التأثيرات الاقتصادية: خلال الاستعمار البريطاني، تم تطوير البنية التحتية للمدينة، وتحسين، وسائل النقل، والاتصالات. تمت محاولات تحسين البنية التحتية الاقتصادية، مما أدى إلى تطور قطاعات مختلفة مثل الزراعة والتجارة والصناعة. ومع ذلك، كانت هذه التطورات غالبًا ما تخدم مصالح الاستعمار البريطاني وتركز على استخراج الموارد الطبيعية وتحقيق الربح.

التأثيرات الاجتماعية: شهدت بغداد تحولات اجتماعية مهمة خلال فترة الاستعمار البريطاني، حيث زادت التوترات الاجتماعية بين السكان المحليين والسلطات الاستعمارية. كما شهدت المدينة انتفاضات اجتماعية ضد الاستعمار والتدخل البريطاني، وتأثرت التركيبة الاجتماعية بسبب التحولات الاقتصادية والسياسية التي طالت المدينة.

الاستعمار البريطاني كان فترة صعبة لبغداد، حيث شهدت التحديات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تركت آثارًا عميقة على مختلف جوانب حياة المدينة.

ADVERTISEMENT

4.بغداد بعد الاستقلال

بعد الاستقلال، شهدت بغداد مرحلة جديدة من التحولات والتحديات، وهناك العديد من الجوانب التي يمكن توسيعها في هذا السياق:

التحولات السياسية: بعد الاستقلال، أصبحت بغداد عاصمة للعراق المستقل، وشهدت تطورات سياسية مهمة تشمل إنشاء مؤسسات حكومية جديدة ووضع دساتير وقوانين لتنظيم الحياة السياسية. كما شهدت المدينة فترات من الاستقرار والاضطرابات السياسية تبعاً للتحولات في السياسة العراقية.

التطور الاقتصادي: بعد الاستقلال، شهدت بغداد جهوداً كبيرة لتحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز البنية التحتية. تم تنمية الصناعات وتوسيع قاعدة البنية التحتية للنقل والاتصالات والطاقة. كما شهدت المدينة تطوراً في قطاعات الخدمات مثل التعليم والصحة والسياحة.

التحولات الثقافية: بغداد بعد الاستقلال شهدت تجديداً في الحياة الثقافية، مع تعزيز الهوية الوطنية والثقافية العراقية. شهدت المدينة نهضة في المجال الأدبي والفني والثقافي، حيث ظهرت مجموعة من الكتّاب والفنانين والمثقفين الذين أثروا المشهد الثقافي العراقي.

ADVERTISEMENT

التحولات الاجتماعية: شهدت بغداد تحولات اجتماعية مهمة بعد الاستقلال، مع تغير في هياكل المجتمع وأنماط العيش. زادت التعددية الثقافية والاجتماعية، وزاد التفاعل بين مختلف الطوائف والمجتمعات في المدينة.

التحديات والمواجهات: بغداد بعد الاستقلال واجهت العديد من التحديات والمشكلات، بما في ذلك التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تشمل الفساد، والصراعات السياسية، والتحديات الأمنية.

باختصار، بغداد بعد الاستقلال شهدت فترة من التحولات والتحديات، ورغم التقدم في بعض المجالات، إلا أنها ما زالت تواجه العديد من التحديات التي تتطلب جهوداً مستمرة لتحقيق التنمية والاستقرار الشاملين.

في ختام هذا المقال، يتضح أن تأسيس بغداد في العصر العباسي يعتبر نقطة تحول رئيسية في تاريخ العالم الإسلامي والشرق الأوسط. منذ تأسيسها كعاصمة للدولة العباسية وحتى الوقت الحاضر، شهدت بغداد تغيرات هائلة على مستوى الثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والاجتماع.

ADVERTISEMENT

رغم تحديات تاريخية عديدة، بما في ذلك الغزو المغولي والاستعمار البريطاني، بقيت بغداد مصممة على الصمود والتعافي. ومع بداية القرن العشرين والاستقلال، شهدت بغداد تحولات جديدة تمثلت في مرحلة جديدة من التنمية والبناء.

اليوم، تظل بغداد مدينة تاريخية وحديثة في آن واحد، تضج بالحياة والنشاطات، وتحمل بين جدرانها آثاراً عريقة تروي قصة الحضارة الإسلامية وتاريخ بغداد والعراق. إن استمرار بغداد في التألق والازدهار يعكس عمق إرثها الثقافي وتماسك شعبها، وتظل مصدر إلهام للعديد من المدن في العالم الإسلامي وباقي أنحاء العالم.

صورة من wikimedia

في النهاية، نجد أن بغداد ليست مجرد مدينة عابرة للزمان والمكان، بل هي رمز للصمود والتجدد، ومركز حيوي للحضارة والتنوع، ولذا فإن تاريخها العريق وتطورها المستمر يستحق الاحترام والتقدير، ويبقى مصدر إلهام للأجيال القادمة.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
التنقل اليومي بين المدن بالمركبات الكهربائية: تجارب وتحديات جديدة في المنطقة
ADVERTISEMENT

يشهد العالم العربي تحولًا تدريجيًا نحو النقل المستدام، ومع تزايد الوعي البيئي وارتفاع أسعار الوقود التقليدي، بدأت المركبات الكهربائية تشق طريقها إلى الحياة اليومية للكثير من السائقين. لم يعد استخدامها مقتصرًا على التنقل داخل المدن فقط، بل بدأت بعض الفئات تعتمد عليها في التنقل اليومي بين المدن، سواء لأغراض العمل

ADVERTISEMENT

أو الدراسة أو حتى الزيارات العائلية. غير أن هذه الخطوة الطموحة نحو نمط تنقل نظيف لا تخلو من التحديات، خصوصًا في ما يتعلق بالبنية التحتية وتوزيع محطات الشحن على الطرق السريعة.

الصورة بواسطة borodai على envato

تجارب المستخدمين في التنقل الكهربائي بين المدن

تتباين تجارب المستخدمين للمركبات الكهربائية بين المدن العربية حسب الموقع الجغرافي ومستوى تطور شبكات الشحن. فبعض السائقين يروون كيف أصبحت رحلاتهم أكثر هدوءًا وأقل كلفة مقارنة بالمركبات التقليدية، حيث لا يحتاجون إلى التوقف المتكرر للتزود بالوقود، كما أن الصيانة الدورية أقل تعقيدًا. أحد المستخدمين من منطقة الخليج ذكر أن قيادته لمسافة تتجاوز 150 كيلومترًا يوميًا أصبحت روتينية بعد أن اعتمد على خطة شحن منظمة في المنزل وفي مكان العمل.

ADVERTISEMENT

لكن على الجانب الآخر، هناك من واجه صعوبات حقيقية. فقلة محطات الشحن السريعة على الطرق بين المدن تجعل السائقين مضطرين للتخطيط الدقيق لمسار الرحلة، مع هامش خطأ محدود. بعض المستخدمين وصفوا شعور القلق من انخفاض البطارية قبل الوصول إلى وجهتهم بأنه أحد أكبر التحديات النفسية في التجربة، خاصة في المناطق التي لا تزال فيها محطات الشحن نادرة.

البنية التحتية: حجر الأساس في نجاح التنقل الكهربائي

لا يمكن للتنقل اليومي بين المدن بالمركبات الكهربائية أن يصبح خيارًا واقعيًا على نطاق واسع دون وجود شبكة شحن متكاملة. في العديد من المدن العربية الكبرى، بدأت مشاريع وطنية لتركيب محطات شحن في الطرق السريعة والمواقف العامة، لكن الانتقال من مرحلة التجربة إلى التغطية الشاملة ما يزال بطيئًا.

تعاني بعض الدول من تفاوت كبير في توزيع هذه المحطات، حيث تتركز في المناطق الحضرية الكبرى وتكاد تنعدم في المناطق الريفية أو الطرق السريعة ذات الحركة المحدودة. هذا الخلل البنيوي يؤدي إلى ما يسمى بـ "قلق المدى"، وهو الشعور بالخوف من نفاد شحن البطارية قبل الوصول إلى محطة شحن قريبة. لذلك، فإن التخطيط الحكومي والتعاون بين القطاعين العام والخاص يعدان ضروريين لتسريع انتشار البنية التحتية اللازمة.

ADVERTISEMENT
الصورة بواسطة prostooleh على envato

التحديات التقنية والبيئية

المركبات الكهربائية تقدم وعودًا كبيرة بخفض الانبعاثات وتحسين جودة الهواء، لكن التحدي لا يقف عند حدود التشغيل فقط. فشبكات الكهرباء نفسها تحتاج إلى تطوير لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة، خاصة في ساعات الذروة. في بعض الدول، لا تزال مصادر الطاقة الرئيسية معتمدة على الوقود الأحفوري، ما يعني أن الكهرباء المستخدمة لشحن المركبات ليست نظيفة بالكامل.

كما أن ارتفاع درجات الحرارة في بعض المناطق العربية يفرض تحديات إضافية على أداء البطاريات، إذ تتأثر سعتها وكفاءتها عند التعرض لحرارة عالية لفترات طويلة. هذه العوامل تجعل من المهم تطوير تقنيات محلية تتناسب مع المناخ الإقليمي بدلًا من الاعتماد الكامل على النماذج المستوردة.

المدن العربية وتوجهات المستقبل

ADVERTISEMENT

تسعى عدة مدن عربية إلى تحويل شبكات النقل العام والخاصة إلى أنظمة كهربائية بالكامل خلال العقود المقبلة. هذا التحول لا يقتصر على المركبات فقط، بل يشمل البنية التحتية الذكية، مثل الطرق المزودة بأجهزة شحن لاسلكية أو أنظمة إدارة حركة تعتمد على البيانات. بعض الحكومات أطلقت مبادرات لتشجيع اقتناء المركبات الكهربائية من خلال الإعفاءات الضريبية وتوفير أماكن شحن مجانية أو بأسعار رمزية في المراكز التجارية والجامعات.

ومع تزايد عدد المستخدمين، بدأت تظهر مجتمعات رقمية على الإنترنت يتبادل فيها السائقون خبراتهم حول أفضل طرق الشحن ونصائح الصيانة وأداء البطاريات في مختلف الظروف. هذه التجارب الفردية تشكل قاعدة معرفية مهمة تساهم في تحسين التجربة العامة وتطوير السياسات المستقبلية.

الصورة بواسطة JulieStar على envato
ADVERTISEMENT

من التجربة الفردية إلى التحول المجتمعي

عندما يتحدث المستخدمون عن رحلاتهم اليومية بين المدن باستخدام مركبات كهربائية، يظهر عنصر الاستدامة كقيمة شخصية قبل أن يكون خيارًا اقتصاديًا. كثيرون يرون أن القيادة النظيفة تمنحهم شعورًا بالمساهمة في حماية البيئة وتخفيف الضغط على الموارد الطبيعية. ومع ذلك، تبقى الحاجة إلى الثقة في البنية التحتية، إذ لا يمكن لأي تحول حقيقي أن يترسخ دون بيئة داعمة من الخدمات والتقنيات والسياسات.

التحول نحو التنقل الكهربائي في المنطقة العربية ليس مجرد اتجاه عالمي يتم تقليده، بل فرصة لإعادة تصميم نمط الحياة والتنقل بما يتناسب مع احتياجات الأفراد وخصوصيات المدن المحلية. فكل مدينة تمتلك طابعًا فريدًا في المسافات، المناخ، والكثافة السكانية، وكلها عوامل تؤثر في طريقة اعتماد المركبات الكهربائية كخيار للتنقل اليومي.

ADVERTISEMENT

رحلة الانتقال إلى التنقل الكهربائي بين المدن لا تزال في بدايتها، لكنها واعدة. ومع استمرار التطوير في البنية التحتية وتحسن أداء البطاريات، سيصبح هذا النمط من التنقل خيارًا واقعيًا ومستدامًا لملايين العرب. مستقبل النقل في المنطقة يعتمد على توازن دقيق بين الابتكار والتخطيط، وبين طموحات المستخدمين وقدرة المدن على التكيف مع هذا التغيير الجذري.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
القصّة المفجعة للفيلة "توبسي" وإعدامها أمام الجمهور
ADVERTISEMENT

الفيَلة مخلوقات رائعة بشكل لا يصدّق. في البرّيّة، يمكن أن تعيش الفيَلة ما يصل إلى 60-70 سنة. تعدّ الفيَلة أيضاً أحد الأنواع القليلة جدّاً من الحيوانات التي تعاني من الحزن مثل البشر. وكما نفعل نحن، تقوم الفيَلة بدفن موتاها، والبكاء عليهم، وتكرّم رفاتهم لسنوات من خلال زيارة

ADVERTISEMENT

موقع الدفن لبضعة أيّام أثناء دورات الهجرة الطبيعيّة.

لسوء الحظ، استُغلّت هذه الحيوانات المذهلة من قِبل البشر للترفيه، وبخاصّة في السيركات المتنقّلة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. إحدى فيَلة السيرك التي عانت كثيراً على أيدي البشر كانت الفيلة "توبسي".

أُعدمت توبسي علناً بإحدى أكثر الطرق وحشيّة: الصعق الكهربائيّ.

حياة توبسي فيلة السيرك:

الصورة عبر unsplash

من المحتمل أن تكون الفيلة توبسي قد وُلدت حوالي عام 1875. لكن لم يكن أمامها وقت طويل للاستمتاع بالحياة البرّيّة؛ قبض عليها المهرّبون عندما كانت طفلة صغيرة.

ADVERTISEMENT

كما وصفها المؤلّف مايكل دالي في كتابه "القصّة المذهلة للفيل أعوج الذيل، و بي تي بارنوم، والساحر الأمريكيّ، توماس إديسون"، من المحتمل أنّ توبسي عبرت المحيط الأطلسيّ بمفردها. ومن المؤكّد أنّها لم تكن لديها أيّة فكرة عمّا ينتظرها: غابة من نوع مختلف، وهي مدينة نيويورك.

هناك، تمّ التقاط توبسي من قِبل قطب السيرك آدم فوربو. قدّمتها شركة فوربو للناس، وتفاخرت - كذباً - بأنّها عثرت على أوّل فيل أمريكيّ المولد.

تمّ إعلانها "فيلة سيّئة"

الصورة عبر unsplash

أطاعت توبسي أسيادها الجدد لسنوات دون وقوع حوادث. ولكنّها بدأت فيما بعد في اكتساب سمعة باعتبارها فيلة "سيّئة". في 28 مايو/أيّار 1902، قتلت عامل سيرك يدعى جيه فيلدينغ بلونت.

ليس من الواضح بالضبط ما حدث بين بلونت وتوبسي. يبدو أنّه دخل حظيرتها في وقت مبكّر من الصباح. هناك، ربّما يكون قد أطعم توبسي سيجارة مشتعلة. أو ربّما تكون توبسي قد بادرت بالهجوم لدى اقتراب هذا الغريب المخمور، بسبب الخوف أو الغضب.

ADVERTISEMENT

على أيّة حال، ردّت على وجوده بإمساكه بخرطومها وإلقائه أرضاً.

منذ تلك اللحظة فصاعداً، صار يُنظر إلى توبسي على أنّها فيلة "سيّئة". قام سيرك فوربو بغسل يديه منها بسرعة. وبعد فترة وجيزة، انتهى الأمر بتوبسي في حديقة لونا بارك في جزيرة كوني آيلاند.

في لونا بارك، عانت توبسي على يد المدرّب "ويليام آلت". في أحد الحوادث، ظلّ "آلت" ينخسها بمذراة حتّى "بدأ الدم يتدفّق على وجهها وجانبيها".

اعتُقل "آلت" بتهمة سوء المعاملة. ومع ذلك، وصفت صحيفة بروكن إيغل الحادث على أنّه خطأ توبسي، ونشرت مقالة عنونتها: "توبسي، الفيلة السيّئة، تثير مشكلة في كوني".

وبعد أن لحقت توبسي بمدرّبها إلى مخفر الشرطة، حاشرة رأسها إلى الداخل، أعلنت صحيفة نيويورك تايمز: "فيلة تُرهب شرطة كوني آيلاند".

في أعقاب هذه الحادثة وغيرها من الحوادث، قامت لونا بارك بطرد المدرّب "ويليام آلت". ونظراً لعدم وجود مدرّب للفيَلة، قرّروا قتل الفيلة "السيّئة" توبسي.

ADVERTISEMENT

لماذا تمّ صعق الفيلة توبسي بالكهرباء؟

الصورة عبر unsplash

في البداية، أرادت إدارة لونا بارك شنق توبسي أمام المتفرّجين. ولكن، وبعد غضب جماعات حقوق الحيوان، وافقت على صعقها بالكهرباء بدلاً من ذلك.

وهكذا، في 4 يناير/كانون الثاني 1903، قادوا توبسي إلى موتها. ولكن عندما وصل الأمر إلى عبور الجسر المؤدّي إلى موقع الصعق الكهربائيّ، توقّفت توبسي فجأة. ولم يمكن لأيّ قدر من الوخز أو النخس أن يدفعها إلى التحرّك.

لذلك، قام مسؤولو الحديقة بجرّ جميع الأسلاك إلى حيث كانت. ثمّ عندما بدأوا في تجهيزها للصعق بالكهرباء، أطاعت توبسي كلّ أوامرهم. ورفعت قدميها عندما طُلب منها ذلك حتّى يتمكّن المسؤولون من تثبيت المداسات النحاسيّة، التي تهدف إلى توصيل الصدمة بشكل أفضل.

أحد المراسلين تمتم من بين الحشد: "ليست بهذه الشراسة".

للتأكّد من موت توبسي، قام مسؤولو لونا بارك أوّلاً بإطعامها جزراً مخلوطاً بسمّ السيانيد. وعندما ابتلعت القطعة الثالثة، صاح أحدهم: "حسناً"، وفجأة تدفّق 6600 فولت عبر جسدها.

ADVERTISEMENT

اهتزّت توبسي بعنف ثم مالت إلى الأمام. لكنّ تعذيبها لم يكن قد انتهى بعد. للتأكّد من أنّهم قتلوها نهائيّاً، قام المسؤولون بعد ذلك بلفّ حبل المشنقة حول رقبتها وشدّوه بقوّة لمدة عشر دقائق.

في اليوم التالي، هلّلت صحيفة نيويورك تايمز لإعدام توبسي، واصفة إيّاها بـ "الفيلة قاتلة الإنسان".

هل قتل توماس إديسون توبسي؟

الصورة عبرconeyislandhistory

لعقود من الزمن، استمرت الأسطورة القائلة بأنّ توماس إديسون هو من قتل توبسي. في الواقع، قام إديسون بقتل عدد من الحيوانات. كجزء من "حروب التيّارات الكهربائيّة" التي خاضها ضدّ نيكولا تسلا، حاول إديسون إثبات خطورة "التيّار المتناوب" التي كان تسلا يروّج لها، عن طريق صعق الكلاب والعجول وحتّى الخيول بالكهرباء.

لكنّ إديسون لم يقتل توبسي. فبحلول وقت موتها، كانت حروب التيّارات الكهربائيّة قد انتهت منذ فترة طويلة. وعلى الرغم من أنّ طاقم تصوير إديسون قد صوّر موت توبسي بالكاميرا، إلّا أنّ إديسون نفسه لم يحضر إعدامها بالكهرباء. يمكنك مشاهدة الفيديو الكامل لإعدام فيل عبر الإنترنت من خلال البحث عن هذا العنوان. ومع ذلك، يرجى الحذر من أنّ اللقطات مزعجة وقد تُضايق بعض المشاهدين.

ADVERTISEMENT

قد لا تكون توبسي مرتبطةً بإرث إديسون، لكنّها تركت علامة. بعد ذلك بعامين، هربت فيلة اسمها فاني من لونا بارك. لقد كانت خائفة لدرجة أنّها سبحت عبر المياه إلى جزيرة ستاتن.

لماذا؟ بمجرّد أن مرت بالمكان الذي دفن فيه مسؤولو لونا بارك رأس توبسي، أجفلت فاني هاربة.

تسنيم علياء

تسنيم علياء

ADVERTISEMENT