الحقيقة المفاجئة: أنت تشارك عيدَ ميلادك مع 20 مليون شخص آخر!
ADVERTISEMENT
من أعلى رأسك، هل يمكنك التفكير في شخص تعرفه وله تاريخُ ميلادك نفسُه؟ في يوم عيد ميلادك، هل وجدت نفسَك ترسل التمنيات الطيبة إلى العديد من الأصدقاء على الفيسبوك؟ نراهن أنك سألت Google عن الأشخاص المشهورين الذين يشاركونك تاريخَ ميلادك. هناك شيء واحد مؤكد: على الرغم من أن عيدَ ميلادك
ADVERTISEMENT
هو يومُك الخاص، إلا أنك لست الوحيد.
قد يبدو هذا غيرَ مُرجَّحٍ نسبيًا، ولكن بالنسبة لبعضِ أعياد الميلاد وبشكلٍ أكثر من غيرها، يكون الأمر عكس ذلك تمامًا. إذا كنت قد تساءلت يومًا عن عدد الأشخاص الذين يشاركونك تاريخ ميلادك، فلا تبحث كثيرًا.
كم عدد "أصدقاء عيد الميلاد" الأحياء لديك في جميع أنحاء العالم؟
الصورة عبر Christian Bowen على unsplash
عندما نناقش هذا الأمرَ على مستوىً أساسي، فإن قيمةَ احتمال مشاركة عيد ميلادك مع أي شخص تقابله -في حالة وقوع عيد ميلادك في أي يوم غير 29 فبراير (شباط)- تبلغ حوالي 1/365 في أي مجتمع سكاني (0.274%). نظرًا لأن عدد سكان العالم يُقدر بأكثر من سبعة مليارات ونصف المليار، فمن الناحية النظرية، يجب عليك مشاركةُ عيد ميلادك مع أكثر من 20 مليون شخص (~ 20,438,356).
ADVERTISEMENT
ومع ذلك، إذا ولدت في اليوم الكبيس 29 فبراير (شباط)، فيجب أن تشاركَ تاريخَ ميلادك مع 1/1461 فقط من السكان، حيث أن 366 + 365 + 365 + 365 يساوي 1461. حيث أن هذا اليوم يأتي مرة واحدة فقط كل أربع سنوات، فهناك فقط 0.068% من الأشخاص في جميع أنحاء العالم يعتبرونه عيدَ ميلادهم - وهذا يعني 5,072,800 شخص فقط!
بعض الأيام أكثر شعبية من غيرها
الصورة عبر Anastasiia Chepinska على unsplash
على الرغم من أن قيمةَ احتمالِ وقوع يوم الولادة في تاريخٍ ما معطىً تبدو منطقيًا وكأنها يجب أن تكون حوالي واحد من 365.25، إلا أن معدلات المواليد لا تتبع توزيعًا منتظماً -فهناك الكثير من الأشياء التي تؤثر على موعد ولادة الأطفال. في التقليد الأمريكي، على سبيل المثال، تحدث نسبةٌ عالية من الزيجات في شهر يونيو (حزيران)، وهذا يؤدي إلى ولادة العديد من الأطفال بين فبراير (شباط) ومارس (أيّار).
ADVERTISEMENT
ويبدو من المحتمل أيضًا أن الناس ينجبون أطفالًا عندما يكونون في حالة راحة واسترخاء و/أو عندما تكون خياراتُ الترفيه محدودة للغاية. تميل الأحداث الطبيعية وغير الطبيعية العشوائية مثل انقطاع التيار الكهربائي والعواصف الثلجية والفيضانات إلى إبقاء الناس في الداخل، وبالتالي إلى زيادة معدلات الحمل. العطلات المعروفة بإثارة المشاعر الدافئة، مثل عيد الحب وعيد الشكر، معروفة أيضًا بارتفاع معدلات الحمل. بالإضافة إلى ذلك، تؤثِّر صحةُ الأم بشكل كبير على خصوبتها، لذلك فمن المنطقي أن الضغوطَ البيئية تجعل الحملَ أقل احتمالاً.
منذ التسعينيات، أظهر العديدُ من الدراسات العلمية أن هناك تقلباتٍ موسميةً في معدلات الحمل. على سبيل المثال، تبلغ معدلات المواليد في نصف الكرة الشمالي ذروتها عادة بين شهري مارس (آذار) ومايو (أيّار)، وتكون في أدنى مستوياتها بين أكتوبر (تشرين الأوّل) وديسمبر (كانون الأوّل). وبطبيعة الحال، تختلف هذه الأرقام بشكل كبير حسب العمر والتعليم والحالة الاجتماعية والاقتصادية والحالة الاجتماعية للوالدَين.
ADVERTISEMENT
طحن الأرقام
الصورة عبر Jimmy Conover على unsplash
في عام 2006، نشرت صحيفة نيويورك تايمز جدول بيانات بعنوان "ما مدى شيوع عيد ميلادك؟" قدَّم هذا الجدولُ، الذي جمع معطياتِه أميتاب شاندرا من جامعة هارفارد، بياناتٍ حول عدد مرات ولادة الأطفال في الولايات المتحدة في كل يوم من 1 يناير (كانون الثاني) إلى 31 ديسمبر (كانون الأوّل). ووفقًا لهذه المقالة، من المرجَّح أن يولد الأطفال في الصيف أكثر بكثير من أيّ فصل آخر، يليه الخريف فالربيع ثمّ الشتاء على التوالي. تتميّز الفترةُ من بداية شهر سبتمبر (أيلول) إلى منتصفه بأعياد الميلاد الأكثر شيوعًا، على الرغم من أن اليومَ الأكثر شعبية يتغير قليلاً من سنة إلى أخرى. هذا اليوم في الوقت الحالي هو 9 سبتمبر (أيلول).
ليس من المستغرب أن يكون يومُ 29 فبراير (شباط) هو أقلُّ أعياد الميلاد شيوعًا أو أحدُ أقلِّها شيوعًا -وعلى الأرجح سيبقى دوما هكذا-. باستثناء هذا اليوم النادر، كانت الأيام العشرة الأكثر شعبية والتي تم الإبلاغ عنها في هذه الدراسة هي العطلات: الرابع من يوليو (تمّوز)، وأواخر نوفمبر (تشرين الثاني) (عيد الشكر والأيام القريبة منه)، والفترة حول عيد الميلاد (24-26 ديسمبر (كانون الأول))، أو رأس السنة الجديدة (29 ديسمبر (كانون الأول) ويناير (كانون الثاني) 1-3) على وجه الخصوص.
ADVERTISEMENT
قد يقترح البعض أن أعياد الميلاد ذات الشعبية المنخفضة تعني أن الأمهات يكون لهن رأيٌ في موعد ولادة أطفالهن فيفضّلْن عدم الولادة في أيام العطلات. ومنذ هذه الدراسة، ظهرت بيانات أحدث تؤكد أن العطلات تحافظ على أدنى معدلات المواليد وأن الأيام العشرة الأولى من شهر سبتمبر (أيلول) هي الأعلى.
عائشة
ADVERTISEMENT
مبنيّ للسرعة، مكشوفٌ أمام ثمن التخصص: المفاضلة التي يعيشها الفهد الصياد
ADVERTISEMENT
أسرع الحيوانات البرية ليس، في معظم الوجوه، أقوى السنوريات في السهل. وما يبدو كمالًا ليس في الحقيقة سوى جسد صيغ على نحو ضيق لأداء مهمة شاقة واحدة، وإذا رفعت الغطاء عن أجزائه جزءًا بعد جزء، بدا الفهد أقل شبهًا بصياد صالح لكل غرض، وأكثر شبهًا بآلة جُرِّدت من كل ما
ADVERTISEMENT
لا يخدم السرعة.
تصوير أحمد جلال على Unsplash
ليست هذه مراجعة رومانسية للصورة الشائعة، بل مراجعة فيزيائية. فقد أظهرت دراسات ميدانية تتبعت فهودًا طليقة بأطواق عالية الدقة أنها تستطيع بلوغ نحو 18.9 مترًا في الثانية والتسارع بمعدل يقارب 7.5 مترًا في الثانية المربعة، لكنها كشفت أيضًا شيئًا أكثر إثارة للاهتمام: فالصيد ليس مجرد بلوغ أعلى سرعة ممكنة. إنه يعتمد على اندفاعات قصيرة، وانعطافات، وتوقيت دقيق، وجسد ينهكه التعب سريعًا.
أول ما ينبغي ملاحظته ليس الأرجل
ADVERTISEMENT
انظر إلى الوجه أولًا. تلك الخطوط السوداء الممتدة من العينين إلى الفم تُعامل كثيرًا بوصفها زينة، لكنها تُفسَّر عادة على أنها أداة وظيفية، تساعد على تقليل الوهج وتحسين التركيز في ضوء النهار الساطع، على نحو يشبه قدرة الطلاء الداكن على خفض الضوء المنعكس عن العين البشرية.
هذا التفسير معقول ومتداول على نطاق واسع، وإن كان أقل اختبارًا مباشرًا من آليات عدو الفهد. ومن الإنصاف أن نكون صريحين في ذلك. ومع هذا، وحتى مع بقاء قدر من الشك، فإن الوجه يقودك إلى الفكرة الصحيحة: ففي الفهد، يكون الجمال في الغالب وظيفة أولًا.
ولضوء النهار أهميته هنا. فعلى خلاف الأسود والنمور المرقطة وكثير من السنوريات الأخرى التي تؤدي معظم نشاطها في ساعات أخفت، يصطاد الفهد كثيرًا نهارًا، معتمدًا على البصر لاختيار الهدف، وتقدير المسافة، والحفاظ على المسار وسط ارتباك المطاردة السريعة. وتنسجم هذه الخطوط الدمعية مع تلك الحياة البصرية، وتمهّد للقارئ القاعدة الأوسع في هذا الحيوان: كل سمة أنيقة تؤدي شيئًا واحدًا بإتقان، وتفرض ثمنًا في موضع آخر.
ADVERTISEMENT
تبدأ السرعة من العمود الفقري، وهناك يبدأ الثمن أيضًا
يمتاز العمود الفقري للفهد بمرونة غير عادية. ففي كامل العدو، ينثني وينبسط كأنه نابض، ما يساعد الساقين الخلفيتين على التقدم بعيدًا تحت الجسد ثم الدفع بعيدًا إلى الخلف. وهذا أحد أسباب طول خطوته، وأحد أسباب أنه يبدو كأنه ينساب فوق الأرض بدل أن يضربها ضربًا.
غير أن جسدًا بُني لكي يتمدد وينطوي من أجل المطاردة ليس جسدًا بُني لمصارعة الفرائس الكبيرة على طريقة الأسد. فالفهود تستهدف في العادة ظباءً أصغر حجمًا وما شابهها من الحيوانات التي تستطيع إسقاطها عن توازنها وخنقها سريعًا. وهي ليست ممسكة بالفرائس في ذلك المعنى الثقيل القائم على القوة الغاشمة. فالبنية نفسها التي تساعدها على الطيران تحد أيضًا مما تستطيع إحكام السيطرة عليه بأمان.
ثم هناك الصدر. فالرئتان الكبيرتان، والقلب الكبير، والممرات الأنفية الواسعة، والجهاز التنفسي المضبوط على الجهد العنيف، كلها تتيح انتقال الأكسجين بسرعة. أثناء المطاردة، يغدو كامل مقدمة الجسد جزءًا من غرفة المحرك. لكن المحركات التي تمنح خرجًا حادًا تولد أيضًا حرارة، والفهود تعدو على هامش ضيق قبل أن يفرض تراكم الحرارة والإنهاك عليها التوقف.
ADVERTISEMENT
وهنا أول تصحيح مفيد ينبغي الاحتفاظ به: الفهد لا ينتصر لأنه ببساطة أسرع من كل ما حوله. إنه ينتصر حين تجتمع القدرة على التسارع، والاتزان، والانعطاف، ونافذة الأداء القصيرة جدًا في اللحظة المناسبة تمامًا.
القدمان تتشبثان بالأرض مثل حذاء جري، لا مثل قفازين مبطنين
معظم السنوريات تبقي مخالبها منكمشة بالكامل حين لا تستخدمها. أما الفهود فمختلفة. فمخالبها لا تنكمش إلا جزئيًا، وهذا يمنحها تماسكًا أكبر، أشبه بمسامير مدمجة في حذاء جري. وفي المنعطفات الحادة، وعلى الأرض الرخوة، وفي الثواني الأولى العنيفة من التسارع، يكون لهذا التماسك شأن كبير.
وللذيل دوره أيضًا. فهو يعمل كموازن ودفة، فيساعد الحيوان على الانعطاف عبر التغيرات السريعة في الاتجاه حين تراوغ الفريسة يمينًا أو يسارًا. ومرة أخرى تفيدنا البيانات الميدانية هنا: فالفهود الطليقة كثيرًا ما تمسك بفريستها من دون أن تبلغ السرعات القصوى الشهيرة التي تكررها الكتابات الرائجة. فالتحكم لا يقل أهمية عن السرعة الخام، بل قد يزيد عليها أحيانًا.
ADVERTISEMENT
وحين تنظر إلى الفهد، فاسأل عن كل سمة أنيقة: ماذا يستطيع هذا الجسد أن يفعله ببراعة استثنائية، وما الذي يُرجَّح أنه تخلى عنه في المقابل؟ فالمخالب تمنح التماسك، لكنها علامة أخرى على أننا أمام عدّاء متخصص. والذيل يمنح التحكم، لكن ضمن اللعبة الضيقة نفسها لا خارجها.
والجمجمة تروي القصة نفسها. فهي صغيرة وخفيفة نسبيًا، ما يساعد على إبقاء مقدمة الجسد انسيابية وأسهل حملًا عند السرعة العالية. غير أن خفة الرأس تترك حيزًا أقل للعضلات الفكية الضخمة التي تمنح السنوريات الأثقل عضة ساحقة.
ولذلك يكون الفهد، بعد انتهاء المطاردة، في وضع ضعيف غالبًا للدفاع عن صيده. فقد يكون قد استهلك جانبًا كبيرًا من قوته في العدو. وهو لا يملك قدرة النمر المرقط على المصارعة، ولا السطوة الجسدية الخام التي للأسد. ويمكن للضباع والأسود، بل وحتى للنسور، أن تحول صيدًا ناجحًا إلى خسارة بمجرد وصولها في اللحظة المناسبة.
ADVERTISEMENT
يبدو الجسد كاملًا، حتى ترى ما الذي يكلفه هذا الكمال
للوهلة الأولى، يبدو التصميم باعثًا على الحسد تقريبًا. خصر نحيل، ورأس صغير، وصدر عميق، وعمود فقري نابض، وأرجل طويلة، ومخالب قابضة، وذيل موازن: كل شيء يبدو مصقولًا، وكفؤًا، وكأنه يكاد يخلو من الهدر. وإذا جاز أن يقال إن حيوانًا يبدو مصنوعًا بإتقان تام من أجل عمله، فإن هذا الحيوان يستحق ذلك.
لكن هنا تكمن حيلة التخصص. فالخصر النحيل نفسه يعني كتلة أقل للقتال القائم على القوة. والجمجمة الخفيفة والعضلات الفكية الأصغر تعنيان قوة أقل عند الإجهاز على الفريسة، وقوة أقل في الدفاع عنها. أما الصدر والرئتان المصممان للاندفاع فيدعمان دفعة قصيرة لا أكثر قبل أن تغلق الحرارة والإجهاد نافذة الأداء. كما أن الاعتماد على الأرض المفتوحة يحد من المواطن التي يعمل فيها هذا التصميم بأفضل صورة. وإذا جمعت هذه العناصر كلها، بدا الجسد أقل شبهًا بالكمال وأكثر شبهًا بصفقة لها عواقبها.
ADVERTISEMENT
بعد العدو، تظهر مواطن الضعف سريعًا
قد يصبح الفهد مكشوفًا للخطر مباشرة بعد المطاردة. فهو يحتاج إلى وقت ليتعافى. ويتنفس بصعوبة وبسرعة. وقد ارتفعت حرارة جسده. وإذا ظهر مفترس أكبر في تلك اللحظة، فإن الفهد ينسحب غالبًا بدل أن يقاتل.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل هذا النوع يبدو متكيفًا ببراعة، وهشًا على نحو غريب في الوقت نفسه. فنجاح الصيد ليس القصة كلها. الاحتفاظ بالوجبة جزء من البقاء أيضًا، وهنا كثيرًا ما يخسر الفهد أمام اللواحم الأثقل.
وهناك شكل آخر من الهشاشة أعمق من العضلات والعظام. فالفهود معروفة بتدني تنوعها الجيني إلى حد كبير، نتيجة اختناقات سكانية حادة في الماضي. وهذا لا يفسر تصميمها العدّاء، لكنه يضيف إلى الإحساس بأننا أمام حيوان تقل لديه هوامش الخطأ أكثر مما توحي به هالته الأخاذة.
إذا كانت محدودة إلى هذا الحد، فلماذا تعد صيادة جيدة أصلًا؟
ADVERTISEMENT
هذا اعتراض وجيه. فالحيوان لا يستمر لأنه سيئ التصميم. لقد نجحت الفهود لأنها، داخل حيز بيئي محدد، بارعة على نحو استثنائي فيما تفعله.
وهذا الحيز واضح إلى حد بعيد: أراضٍ مفتوحة، وفرائس أصغر، ومطاردة نهارية، وقرارات سريعة، وملاحقة قصيرة تكون فيها الرؤية والتسارع أهم من صراع طويل. وفي هذا السياق، لا تكون البنية المجردة من الزوائد عيبًا، بل تكون هي الجواب المطلوب تمامًا.
والخطأ هو الخلط بين التفوق داخل الحيز البيئي والقوة الشاملة في كل شيء. فالفهد ليس أسدًا فاشلًا، ولا نسخة أضعف من سنوري آخر. إنه متخصص حقيقي، وميزاته حقيقية لأن نطاقها ضيق إلى هذا الحد.
ما هو الفهد حقًا
يأتي الناس إلى الفهد من باب المعجزة المألوفة: السرعة، وذلك مفهوم. فالسرعة حقيقية. لكن الصورة الأدق أفضل من الأسطورة. فهذا الحيوان ليس مبنيًا لفرض الهيمنة في كل مواجهة. إنه مبني لحل مشكلة واحدة بكثافة قصوى، ثم للعيش مع الحدود التي يخلقها ذلك الحل.
ADVERTISEMENT
ولهذا يمكن أن يبدو الفهد ثابتًا على نحو مهيب، وهشًا في الوقت نفسه. فكل سمة معجبة فيه تقريبًا هي قطعة عاملة، وكل قطعة عاملة تكاد تضيق بقية خيارات الحيوان. الأناقة هنا صادقة. وكذلك حال الضعف.
أسرع الحيوانات البرية هش على نحو غير معتاد في نطاق الأشياء التي يستطيع أداءها جيدًا.
لوسيا فيرير
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس الليبية في عيون الرحالة العرب والأجانب
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس هي عاصمة ليبيا وهي مدينة ساحلية تطل علي ساحل البحر المتوسط وتقع في شمال قارة أفريقيا. موقع مدينة طرابلس الليبية جعلها الاختيار الأمثل لتكون مدينة تجارية تربط دول قارة أوربا بالدول الأفريقية. كانت مدينة طرابلس من مهدها محطة تمر بها السفن والبضائع من أفريقيا لأوروبا
ADVERTISEMENT
والعكس لذا لك أن تتخيل اعتياد أهل المدينة على زيارة الرحالة والتجار ومختلف الزائرين.
نشأت مدينة طرابلس الليبية في زمن الفينيقيين وسموها باسم تريبولي وهي كلمة تعني المدن الثلاثة وكذلك سميت باسم أويا. لذلك فأن أقدم أثار تلك المدينة تعود لعهد المؤسسيين الفينيقيين. انتقلت بعدها المدينة للعهد الروماني لذا لا يمر رحالة بالمدينة دون أن يلحظ قوس ماركوس أوريليوس نسبة للإمبراطور الروماني. مرت المدينة بحكم الوندال وهم قبائل أوروبية مسيحية أنشقت عن الكنيسة الأم ويتبعون الأريوسية وقد استقروا بالمدينة بعد هربهم من أوروبا. تلي الوندال الحكم البيزنطي ثم الفتح الإسلامي. قطع حكم الإسلاميين فترات منها حكم الصقليين ثم الاحتلال الإسباني لعشرين عاما وبعدها احتلال فرسان القديس يوحنا من مالطا لعشرين عاما أخري. لجأ الطرابلسيون للدولة العثمانية لتخليصهم من المحتلين لتعود طرابلس الليبية تحت الحكم الإسلامي ولكن كجزء من الحكم العثماني. من توالي هجمات لبلاد مختلفة على طرابلس يمكنك أن تتخيل ما كانت عليه المدينة في العصور المختلفة. لا يغيب عن الرحالة أثار الدمار بالمدينة عبر العصور إلا أن عيون الرحالة تري أيضا بانوراما لحقب تاريخية وتراثية فينيقية ورومانية وإسلامية وإسبانية. في هذه البانوراما تمتزج حضارات عدة لتكون نسيج إنساني يثري خيال أي رحالة شغوف بحضارات الشعوب وعاداتها وفنونها.
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس الليبية ساحرة عن بعد ولكن ركام وحطام من الداخل
الصورة عبر pixabay
رحالة القرن ال 18 رأوا طرابلس الليبية كمدينة ساحرة عند رؤيتها من البحر لكن عند اقتراب سفنهم من الساحل سرعان ما صدموا عند دخول المدينة وترأى لهم تداعي الأسوار والركام وانهيار المدينة اقتصاديا. أحد هؤلاء كان آغسطينو بلاتو وقد كان قنصل البندقية في طرابلس وكذلك الرحالة الألمان هاينريش بإرث وغوستاف نختغال كلاهما زارا المدينة في القرن التاسع عشر.
في عيونهم كانت مدينة طرابلس الليبية مدينة بيضاء بأسوار ومآذن عالية ويتخللها جذوع النخيل، منظر براق عن بعد سرعان ما يتلاشى عند رؤية المدينة من الداخل وقذارة حواريها وأثار الدمار في مبانيها الأثرية العتيقة. غيرهم الكثير من الرحالة الذين أحبوا البيوت البيضاء وساحل طرابلس ولكن أشفقوا على أثار ا الإهمال في جوانبها.
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس الليبية وعادات بيوتها
الصورة عبر pinterest
ميس توللى الإنجليزية والتي أقامت في مدينة طرابلس الليبية لمدة عشر سنوات خلال القرن الثامن عشر قامت بتوثيق تجربتها بسبب أسفار زوجها المتعددة وتنوع تجاربها في بلاد عديدة. لم تلتفت ميس توللى لحطام المدينة وإنما بعيون مسافرة اهتمت بعادات شعب مدينة طرابلس. لفت نظر ميس توللى وجود حجرة مفردة بداخل بيوت طرابلس وكانت تسمي "الغرفة" أو "العلية" وكانت مخصصة لرب الأسرة فقط ولا يسمح لأي فرد من الأسرة دخولها دون إذن منه. احتوت الغرفة على خزانة خاصة برب الأسرة وتستعمل الغرفة في عمله وهو ما يشبه استعمال غرفة المكتب في وقتنا هذا إلا أن استعمال الغرفة لم يقتصر على هذا بل كانت أيضا تستعمل في سهرات ولهو رب الأسرة حيث يدعو لها أصدقاؤه. وما لاحظته ميس توللى أن السيدة في طرابلس تتمتع بنفس الحق مساوية للرجل حيث يمكنها دعوة صديقاتها أو النساء من أفراد أسرتها لتجاذب أطراف الحديث بشكل خاص في حجرتها وتترك الزائرة البابوج (الحذاء) الخاص بها خارج الغرفة ليعرف رب الأسرة بوجود زائرة وبالتالي يمتنع عن دخول الغرفة.
ADVERTISEMENT
لم يفوت عيون ميس توللى ما حظيت به الحمامات بمدينة طرابلس الليبية من اهتمام كبير من النساء. تقضي النساء مع جواريهن ساعات طويلة بداخل الحمامات يمكن أن تمتد للنهار كله. تقوم خلالها الجواري بغسل شعور سيداتهم بماء زهر البرتقال أو تضفير الشعر بضفائر صغيرة مما يستغرق ساعات وكذلك صبغ الرموش وتكحيل العيون.
البازارات والمقاهي نشاط أساسي للعديد من الأفراد في مدينة طرابلس الليبية
الصورة عبر facebook
لاحظ معظم الرحالة بازارات (أسواق) الشارع في طرابلس ولاحظوا بصفة خاصة تردد الأتراك لمقاهي الأسواق يوميا ليتحدثوا عن الأخبار اليومية ويشربون القهوة، إلا أنهم لاحظوا أنه عندما يرتاد الوجهاء الأسواق فأنهم لا يدخلون للأسواق بأنفسهم وإنما ينتظرون في أماكن انتظار في الساحة حيث مقاعد رخامية مظللة بالعرائش الخضراء، بينما يرسلون خدمهم لشراء القهوة وكل ما يحتاجونه. فظهر التسوق من أسواق الشارع والجلوس بالمقهى كأنشطة تخص طبقة اجتماعية بعينها وليست نشاطا يمارسه الوجهاء والأغنياء إلا أن ذلك ينتمي بصفه خاصة لحقبة القرن التاسع عشر وهو ما تبدل تماما في وقتنا هذا.
ADVERTISEMENT
سكان طرابلس الليبية السود وماضي تجارة العبيد
الصورة عبر elbalad
ليس غريبا على عيون أي رحالة أو زائر منظر الطرابلسيين السود ببشرة قاتمة من سلالة الأفارقة الذين تم استغلالهم في السابق أثناء تجارة العبيد، والتي كانت رائجة جدا في الماضي. موقع مدينة طرابلس الليبية علي ساحل البحر الأبيض بين الدول الأفريقية مصدر العبيد في الماضي والدول الأوروبية المستوردة للعبيد حينها، جعلها سوقا يشتري ويباع فيه العبيد لسنوات عديدة حتى بعد تحريم تجارة العبيد في القرن التاسع عشر.
بعد تحرير العبيد وانتهاء هذه التجارة قرر الكثير منهم الاستقرار في طرابلس التي لا يعرفون سواها وطنا. الرحالة الألماني إفالد بانزه زار طرابلس 3 مرات في بدايات القرن ال 20 ولاحظ أن السود (قاتموا السواد على حد تعبيره) يمثلون نسبة كبيرة جدا لا يستهان بها من سكان طرابلس وقد جاء الكثير منهم أو آباؤهم وأجدادهم من السودان كعبيد ثم عتقوا وتزوجوا وأنجبوا أبناءهم في أحضان مدينة طرابلس. وقد لاحظ بانزه أن معظمهم يعيش في أكواخ على أطراف المدينة على شكل قباب شيدت من القصب ويعملون في أعمال مجهدة مثل بناء البيوت أو تفريغ وشحن السفن وهي أعمال معظمها شاق وأجرها متواضع.
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس الليبية نقطة وصل تجارية بين أوربا وأفريقيا
الصورة عبر nabd
اهتمت مابل تود زوجة رئيس البعثة الأمريكية والتي أقامت في طرابلس لمدة 5 أعوام بالوجه التجاري للمدينة وقد لاحظت تود أن البضائع الأوروبية يتم تخزينها في طرابلس والبضائع الأفريقية تنتظر نقلها عبر البحر إلي أوربا. يمكنك أن تتخيل طرابلس كمخزن كبير للبضائع ومعبر لسفرها. سجلت تود ملاحظتها عن بعض البضائع التي لاحظت تداولها مثل ريش النعام وأنياب الأفيال والجلود والذهب آتيه بقوافل كبيرة من إفريقيا ليتم مقايضتهم بالبضائع الأوروبية مثل أقمشة مانشستر وأواني فينيسيا الزجاجية الشهيرة وبضائع جنوب فرنسا.
مدينة طرابلس الليبية أرض متعددة الديانات
الصورة عبر eanlibya
توالي الهجمات والاستعمار القادم من ثقافات وديانات أخرى على المدينة أدى إلى وجود مذاهب دينية مختلفة على مر تاريخ تلك المدينة. الرحالة الإيطالي غوستانيو روسي ألتفت للاختلاف الكبير بين بيوت اليهود والعرب في طرابلس. دون روسي هذا الاختلاف في بيوت عربية ذات طابع فني وأبوابها مغلقة دائما مما يوحي بالغموض وكأن خلف أبوابها أسرار لن يتم الكشف عنها حتى أن شبابيكها تفتح للداخل مما يستحيل معه رؤية ما بالداخل. علي الجانب الأخر لاحظ روسي بيوت اليهود بأبواب مفتوحة حتى أن السائح يمكنه أن يدخل ويشاهد الداخل. شعر روسي في زيارته لطرابلس بالتسامح الديني بين المسيحيين والمسلمين، فقد رأي المسيحيين يمارسون طقوسهم داخل الكنيسة وخارجها أيضا دون مضايقات. ألا أنه لاحظ أن اليهودي لا يأكل في بيتا مسيحيا أو مسلما إلا أنه يدعوهم للأكل في بيته ولكنه يقوم بكسر كل الأواني المستخدمة من قبلهم بعد رحيلهم ولا يعيد استعمال أيا منها وذلك احتراما لعقيدته.
ADVERTISEMENT
مدينة طرابلس في عيون رحالة وبلوجرز العصر الحديث
الصورة عبر qatar-tribune
لا شك أنك تتسأل لقد مر وقت طويل علي الرحالة القدامى وها نحن في القرن الواحد والعشرين فكيف يري رحالة يومنا هذا مدينة طرابلس الليبية؟ أنتشر في الفترة الأخيرة توثيق الرحالة في العصر الحديث لرحلاتهم عن طريق المدونات والفيديوهات وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي.
البلوجر والرحالة الليبي محمد السليني يري إنه لا يمكنك أن تفهم قيمة مدينة طرابلس وتتمتع بزيارتها دون أن تمر بأجزاء المدينة القديمة مارا بجامع سيدي عبد الوهاب أقدم جوامع طرابلس. يدعوك السليني لجولة تتمتع فيها بالفنون القديمة والتقليدية بالمدينة بصفة خاصة أثناء المناسبات والأعراس والأعياد. السليني يعدك بأنه أن ضاع أحد منك أثناء تجوالك بالمدينة فأنك حتما ستلتقي به عند نقطة ملتقي الأربع أرسات وأهمهم التقاطع المحوري بين ال4 حارات الرئيسية للمدينة القديمة. والذين يوصلوا لباب الحرية (الباب الجديد) والكنيسة.
ADVERTISEMENT
سوف تري جامع الناقة وقد بني بما تم تقديمه كهدية من الفاطميين الذين زاروا المدينة قديما ولسعادتهم بحسن ضيافة واستقبال مدينة طرابلس لهم قدموا ناقة محملة كهدية لمدينة طرابلس وبقيمة حمولة الناقة بني الجامع وهذا هو سبب تسميته. تكلم السليني أيضا عن وجود المسيحيين واليهود بالمدينة ألا أنه تم طرد اليهود في الستينيات والسبعينيات على خلفية أحداث فلسطين وبداية احتلالها. إلا أن المعبد اليهودي الضخم في أعلاه نجمة داود لا يزال يقف شامخ حتى الآن ليشهد عن عهد عاش فيه اليهود أمنين في تلك المدينة وتركوا إرثا يشهد عنهم. ويمكنك عند النظر للمعبد رؤية الوصايا العشر مكتوبة بالعبرية.
يمكن للرحالة أيضا رؤية زنقة الأسبان والتي تقع بها كنيسة السيدة مريم والتي تعود للقرن السابع عشر إلى جوار مصرف روما ودار كريستا "الكنيسة اليونانية" وهى كلها من المعالم الأثرية المهمة بالمنطقة وتمثل الأرث والشاهد علي وجود المسيحيين بالمدينة.
ADVERTISEMENT
يقول السليني أن الرحالة الباحث عن المعالم الثقافية في مدينة طرابلس الليبية يمكنه زيارة بيت أسكندر وهو بيت ثقافي تقليدي بالحي الأوروبي. بيت أسكندر يحتوي على تحف وأنتيكات ولوحات من تونس والعراق والجزائر وليبيا، ويعد البيت منارة للثقافة والفنون في المدينة وبالإضافة للأعمال الفنية يمكن لزائره أن يشاهد أثاث يعود لعصور الاحتلال بالمدينة. يمكن للرحالة أيضا رؤية برج أبوليلة وهو كان برجا للمراقبة قديما لحماية المدينة من الهجمات القادمة من البحر وقد تحول لوجهة للسباحين لأطلاله على الساحل وتوجد بالقرب من البرج نقطه يقفز منها السباحون والغواصون لمياه البحر المتوسط في وقتنا هذا.
الصورة عبر Wikimedia Commons
الرحالة العرب والأجانب رأوا مدينة طرابلس الليبية كلا من وجهة نظره، بعضهم ألتفت لجمالها وتألقها في أشعة الشمس وبيوتها البيضاء إلى جوار خيراتها من خضر وفواكه وزيتون وتين وزبيب وتمر مع جمال عمارتها، مثل الرحالة الألماني نختغال وابن سعيد الليبي وغيرهم من أنبهر بشاطئها وعمارة مآذنها وتنوع مراكبها مثل الرحالة الإيطالي مانفريد وكذلك كامبيرو صاحب مجلة المكتشف. أخرين انبهروا بترحاب أهلها وحسن ضيافتهم مثل البكري. وغيرهم من نظروا لحطام أسوارها إلا أنهم ألتفتوا أيضا لعاداتها وطباع أهلها، وغيرهم من انبهروا بالتناغم بين سكانها مختلفي الجنس واللون والدين إلا أن جميع الرحالة كل بطريقته وجد الطريق إلي تقدير المدينة وإرثها وما تضيفه لكل رحالة يتمني أن ينغمس في تجربة فريدة ومن المؤكد أن ألوفا غيرهم قد زاروا المدينة ورأوها بعيونهم حتي وإن لم يوثقوا تجربتهم.