القدس القديمة: دليل شامل لتاريخها وخصائصها
ADVERTISEMENT

عندما نتحدث عن القدس القديمة، نتحدث عن مدينة ليست مجرد مكان، بل هي رحلة عبر التاريخ والزمن. تقع هذه المدينة العريقة في قلب فلسطين، وهي محور للعديد من الحضارات والديانات التي تركت بصماتها على جدرانها وأزقتها. تعتبر القدس مهدًا للديانات السماوية الثلاث - اليهودية والمسيحية والإسلام -

ADVERTISEMENT

وكل زاوية فيها تحكي قصة من قصص الإيمان والصراع والتسامح.

القدس القديمة اليوم هي مزيج من القديم والجديد، حيث يعيش السكان والزوار في ظلال المعالم التاريخية التي تعكس تعاقب الحضارات على مر العصور. إنها مدينة تزخر بالمعالم التاريخية والدينية، من حائط البراق إلى كنيسة القيامة، ومن المسجد الأقصى إلى الأزقة الضيقة التي تعج بالحياة والنشاط. في هذا المقال سنأخذكم في جولة عبر تاريخ القدس وفي أرجاء بلدتها القديمة وأحيائها وأسوارها.

ADVERTISEMENT

تاريخ القدس العريق

الأصول التاريخية للبلدة القديمة

الصورة عبر unsplash

تعتبر القدس واحدة من أقدم المدن في العالم، وتحمل في طياتها آلاف السنين من التاريخ. البلدة القديمة، بأسوارها العريقة وأبنيتها التاريخية، هي شاهد على الحضارات التي مرت بها المدينة. تأسست القدس في الألف الرابع قبل الميلاد، ومنذ ذلك الحين، كانت مركزًا للعديد من الأحداث التاريخية الهامة.

في البداية، كانت القدس مدينة كنعانية، ومن ثم أصبحت مركزًا للعبادة اليبوسية. خلال العصور اللاحقة، تعرضت القدس للسيطرة من قبل الفرس والرومان والمسلمين، كل منهم أضاف إلى نسيجها الثقافي والديني.

البلدة القديمة في القدس تحتوي على مواقع أثرية مهمة تعود إلى هذه الفترات، مثل الحائط الغربي، وكنيسة القيامة، والمسجد الأقصى. هذه المواقع لا تزال تستخدم للعبادة وتجذب الزوار من جميع أنحاء العالم، مما يجعل البلدة القديمة مركزًا حيًا للديانات والثقافات.

ADVERTISEMENT

احياء القدس القديمة: شاهد على التاريخ

الصورة عبر wikimedia

تشكل احياء القدس القديمة لوحة فسيفسائية تعبر عن التنوع الثقافي والديني الذي ميز تاريخ المدينة. تنقسم البلدة القديمة إلى أربعة أحياء رئيسية: الحي الإسلامي، الحي اليهودي، الحي المسيحي، والحي الأرمني. كل حي يحتفظ بطابعه الخاص ويعكس الهوية الفريدة للمجتمع الذي يعيش فيه.

الحي الإسلامي هو الأكبر بين الأحياء الأربعة ويضم العديد من المساجد والمدارس الدينية، بما في ذلك المسجد الأقصى وقبة الصخرة. الحي اليهودي يحتوي على الحائط الغربي، المعروف أيضًا بحائط المبكى، وهو أقدس موقع للصلاة في اليهودية. الحي المسيحي يضم كنيسة القيامة، الموقع الذي يعتقد أن المسيح قد دُفن وقام فيه. وأخيرًا، الحي الأرمني، الذي يعد واحدًا من أقدم الأحياء في البلدة القديمة ويحافظ على تقاليد الأرمن العريقة.

ADVERTISEMENT

هذه الأحياء ليست مجرد مواقع تاريخية، بل هي مراكز حية للعبادة والثقافة. يمكن للزائر أن يشعر بنبض الحياة في الأسواق الصاخبة، ويستمتع بالأطعمة التقليدية، ويشهد على التقاليد الدينية التي تمارس يوميًا. احياء القدس القديمة تعد شاهدًا حيًا على التاريخ العريق للمدينة وتستمر في كتابة فصول جديدة في قصة القدس.

البلدة القديمة

الحياة داخل أسوار القدس القديمة

الصورة عبر wikimedia

تعتبر الأسوار التي تحيط بالقدس القديمة من أبرز معالمها التاريخية، وهي تحكي قصة المدينة التي كانت محط أنظار العالم عبر العصور. بُنيت هذه الأسوار في العهد العثماني وتم ترميمها على مر السنين، وهي تشكل اليوم حدود البلدة القديمة التي تضم العديد من الأحياء والمعالم الدينية.

داخل هذه الأسوار، تنبض الحياة في كل زاوية، حيث تجتمع الأديان والثقافات في تناغم فريد. الأسواق العربية المزدحمة بالباعة والمشترين، الأصوات المتعالية من المآذن والكنائس، والروائح الزكية للطعام التقليدي كلها تسهم في خلق جو لا يُنسى.

ADVERTISEMENT

يمكن للزائرين أن يشهدوا على التقاليد العريقة التي لا تزال تُمارس في الأحياء الأربعة، من الصلاة في المسجد الأقصى إلى زيارة قبة الصخرة، ومن المشاركة في القداسات بكنيسة القيامة إلى زيارة الأديرة الأرمنية. كل هذه الأنشطة تعكس الأهمية الروحية والثقافية للبلدة القديمة وتجعل منها مكانًا يستحق الزيارة والاستكشاف.

الأهمية الدينية والثقافية للبلدة القديمة

الصورة عبر skynewsarabia

تعد البلدة القديمة في القدس مركزًا للتراث الديني والثقافي ليس فقط لسكان المدينة، بل للعالم أجمع. تضم هذه المنطقة المحاطة بالأسوار التاريخية مجموعة من أهم المعالم الدينية التي تحظى بقدسية خاصة لدى أتباع الديانات السماوية الثلاث.

الحائط الغربي، المعروف بحائط البراق، يعتبر موقع مقدس للمسلمين واليهود ويجذب الزوار من جميع أنحاء العالم للصلاة وتقديم الطلبات. كنيسة القيامة، التي تقع في الحي المسيحي، تعتبر من أقدس الأماكن المسيحية وتُعتقد أنها تضم القبر الفارغ الذي قام منه المسيح. المسجد الأقصى، الذي يقع في الحي الإسلامي، يعد ثالث الحرمين الشريفين في الإسلام وموقعًا مهمًا للصلاة والعبادة.

ADVERTISEMENT

بالإضافة إلى الأهمية الدينية، تتمتع البلدة القديمة بأهمية ثقافية كبيرة. فهي تحتضن الأسواق التقليدية والمتاحف والمعارض الفنية التي تعرض الحرف اليدوية والفنون التي تعكس التنوع الثقافي للمدينة. الفعاليات الثقافية والمهرجانات التي تقام في البلدة القديمة تسهم في إحياء التراث وتعزيز التبادل الثقافي بين الزوار والسكان المحليين.

إن البلدة القديمة في القدس ليست مجرد موقع تاريخي، بل هي مكان ينبض بالحياة، حيث تتجسد الأهمية الدينية والثقافية في كل حجر من حجارتها، وتستمر في كونها شاهدًا على التاريخ ومصدر إلهام للأجيال القادمة.

الحضارات المتعاقبة على القدس

العصور التاريخية التي شكلت القدس القديمة

الصورة عبر wikimedia

عبر العصور، شهدت القدس القديمة تعاقب العديد من الحضارات التي لم تترك فقط آثارها البنائية والفنية، بل أيضًا أثرت في النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. من الكنعانيين الأوائل إلى اليبوسيين الذين بنوا أولى الأسوار حول المدينة، ومن العبرانيين إلى الرومان كل حضارة قدمت إسهاماتها الفريدة.

ADVERTISEMENT

في العصور الوسطى، أصبحت القدس مركزًا للصراعات الصليبية، حيث تبادل المسيحيون والمسلمون السيطرة عليها، مما أدى إلى تغيرات كبيرة في تركيبتها العمرانية والدينية. العهد العثماني شهد ترميم الأسوار وإضافة العديد من المعالم الإسلامية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.

كل هذه الحضارات لم تترك فقط آثارها في الأبنية والمعالم، بل أيضًا في العادات والتقاليد واللغات التي تشكل هوية القدس القديمة. اليوم، تعد القدس موقعًا يعبر عن التلاقح الثقافي والديني، وهي تظل شاهدًا على الحضارات التي مرت بها والتي ساهمت في جعلها واحدة من أكثر المدن تميزًا في العالم.

1.\tالعصر الفرعوني

في الفترة الممتدة من القرن السادس عشر إلى الرابع عشر قبل الميلاد، دخلت القدس تحت السيطرة المصرية. خلال حكم الفرعون إخناتون، واجهت المدينة هجمات من قبائل الخابيرو، وهم جماعات بدوية. عبدي خيبا، الحاكم المصري للمدينة، لم يتمكن من صد هذه الهجمات، وبقيت القدس تحت سيطرة الخابيرو حتى استعادت مصر نفوذها في المنطقة في عهد الفرعون سيتي الأول، الذي حكم نحو 1290 إلى 1279 قبل الميلاد.

ADVERTISEMENT

2.\tعصر داود عليه السلام

خلال فترة تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام من تاريخها، شهدت القدس فترة حكم الملك داود استمرت لمدة 73 عامًا. في حوالي العام 977 أو 1000 قبل الميلاد، أسس الملك داود سيطرته على المدينة، معلنًا إياها “مدينة داود”، حيث بنى قصرًا وعددًا من الحصون، وحكم لمدة 40 عامًا. بعد وفاته، تولى ابنه سليمان العرش، وقاد المدينة لمدة 33 عامًا.

3.\t العصر اليوناني

في عام 333 قبل الميلاد، ضم الإسكندر الأكبر القدس إلى إمبراطوريته الواسعة التي شملت فلسطين بأكملها. بعد رحيله، تولى الحكم خلفاؤه من المقدونيين والبطالمة، حيث أداروا شؤون المدينة. في نفس العام الذي توفي فيه الإسكندر، قام بطليموس بضم القدس وفلسطين إلى مملكته المصرية في عام 323 قبل الميلاد. بعد مرور قرابة القرن، في عام 198 قبل الميلاد، انتقلت السيادة إلى السلوقيين السوريين بقيادة أنطيوخس الثالث، وخلال هذه الفترة، تشرب سكان القدس بالثقافة الهلنستية الغنية.

ADVERTISEMENT

4.\tالقدس تحت الحكم الروماني

في العام 63 قبل الميلاد، أخضع الجنرال الروماني بومبي القدس للسيطرة الرومانية، مدمجًا إياها ضمن حدود الإمبراطورية. على مدى القرون التالية وحتى العام 636 ميلادي، شهدت القدس تحت الحكم الروماني العديد من الأحداث الجسام.

بين الأعوام 66 و70 ميلادي، اندلعت اضطرابات وتمردات يهودية قوبلت بقمع شديد من قبل القائد الروماني تيطس، الذي أمر بإحراق المدينة وأسر العديد من سكانها اليهود، لتعود بعدها الأمور إلى نوع من الاستقرار تحت السلطة الرومانية.

في الأعوام 115 و132 ميلادي، شهدت القدس تمردات يهودية جديدة نجحت مؤقتًا في السيطرة على المدينة، لكن الإمبراطور الروماني هدريان قمعها بعنف، مما أدى إلى تدمير القدس مرة أخرى. بعد ذلك، أُجبر اليهود على مغادرة المدينة، وتُرك المسيحيون فقط. أمر هدريان بتغيير اسم القدس إلى “إيلياء” وحظر على اليهود الإقامة فيها.

ADVERTISEMENT
الصورة عبر wikimedia

5.\tالعصر الإسلامي الأول

في العام الخامس عشر للهجرة، الموافق للعام 636 أو 638 ميلادي حسب الروايات المختلفة، تسلم الخليفة عمر بن الخطاب القدس بعد فتحها على يد القائد الإسلامي أبي عبيدة بن الجراح.

البطريرك صفرونيوس اشترط تسليم المدينة لعمر شخصيًا، ومن ثم أُبرمت “العهدة العمرية” التي ضمنت الحريات الدينية مقابل دفع الجزية. وتم تغيير اسم المدينة من إيلياء إلى القدس.

منذ ذلك الحين، اكتسبت القدس هويتها الإسلامية، وحظيت بعناية خاصة من الأمويين والعباسيين، الذين حكموا من 661 إلى 750 ميلادي ومن 750 إلى 878 ميلادي على التوالي، وشهدت تطورًا علميًا ملحوظًا.

تُعد قبة الصخرة، التي أقامها عبد الملك بن مروان بين عامي 682 و691 ميلادي، وإعادة بناء المسجد الأقصى في عام 709 ميلادي، من أبرز المعالم الإسلامية من تلك الحقبة. ومع مرور الزمن، مرت القدس بفترات من عدم الاستقرار نتيجة الصراعات بين العباسيين والفاطميين والقرامطة، وأصبحت تحت حكم السلاجقة في عام 1071 ميلادي.

ADVERTISEMENT
الصورة عبر aljazeera

6.\tالحملات الصليبية

في العام 1099 ميلادي، استولى الصليبيون على القدس بعد فترة حكم إسلامي دامت خمسة قرون، وذلك على خلفية النزاعات الداخلية بين السلاجقة والفاطميين، وكذلك الصراعات بين السلاجقة أنفسهم.

عند دخولهم المدينة، أقدم الصليبيون على قتل آلاف المسلمين وارتكبوا انتهاكات بحق المقدسات.

7.\tالعثمانيون

بعد انتصار السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق بين الأعوام 1515 و1516 ميلادية، دخلت القوات العثمانية إلى فلسطين، وأصبحت القدس جزءًا من الإمبراطورية العثمانية.

لاحقًا، قام السلطان سليمان القانوني بإعادة تشييد أسوار المدينة وتجديد قبة الصخرة. خلال الفترة من 1831 إلى 1840 ميلادية، انضمت فلسطين إلى الدولة المصرية تحت حكم محمد علي باشا، قبل أن تعود مرة أخرى تحت السيادة العثمانية.

في عام 1880، أسست الإمبراطورية العثمانية متصرفية القدس، وفي عام 1898، تم إزالة جزء من السور القديم للمدينة لإفساح المجال أمام زيارة القيصر الألماني ويلهلم الثاني. استمر الحكم العثماني للقدس حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث تعرض العثمانيون للهزيمة وانسحبوا من فلسطين.

ADVERTISEMENT
الصورة عبر aljazeera

8.\tالاحتلال البريطاني

في الأيام الأولى من ديسمبر لعام 1917، تمكن الجيش البريطاني من فرض سيطرته على القدس، وذلك عقب إعلان أصدره الجنرال البريطاني اللنبي.

في أعقاب ذلك، أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين، مما جعل القدس العاصمة الإدارية لفلسطين خلال الفترة من 1920 إلى 1948. هذا العهد شهد تحولات كبيرة، أبرزها تزايد تدفق المهاجرين اليهود إلى المدينة، وهو ما تعزز بشكل خاص بعد صدور وعد بلفور في العام 1917.

التأثيرات الثقافية والدينية المتبادلة

الصورة عبر unsplash

تُعد القدس القديمة مثالاً حياً على التفاعل والتأثير المتبادل بين الحضارات المختلفة التي استوطنتها أو حكمتها عبر التاريخ. هذه الحضارات لم تكتفِ بإضافة معالم جديدة إلى المدينة، بل أثرت في تقاليدها، عاداتها، ومعتقداتها الدينية.

ADVERTISEMENT

من الرومان الذين أدخلوا العمارة الضخمة والمسارح، إلى العرب الذين أغنوا المدينة بالفن الإسلامي والعلوم، وصولاً إلى العثمانيين الذين أضافوا الأسواق والحمامات، كل حضارة تركت بصمتها الواضحة. الصليبيون أيضاً أثروا في القدس بإدخال العمارة القوطية وتعزيز الروابط التجارية مع أوروبا.

التأثيرات الدينية كانت واضحة أيضاً، حيث تشاركت الديانات السماوية الثلاث مواقع مقدسة وتأثرت ببعضها البعض في الطقوس والعبادات.

هذا التلاقح الثقافي والديني جعل من القدس مدينة فريدة بتنوعها وغناها التاريخي والروحي، وهو ما يستمر في جذب الزوار والباحثين لاستكشاف أسرارها وتقدير جمالها الفريد.

الصورة عبر unsplash

في نهاية رحلتنا عبر الزمان والمكان في أزقة القدس القديمة، نجد أنفسنا أمام تراث غني يعبر عن الحضارات المتعاقبة التي شكلت هوية هذه المدينة العريقة. القدس ليست مجرد مدينة مقدسة في الديانات السماوية، بل هي ملتقى للثقافات ومرآة للتاريخ الإنساني.

ADVERTISEMENT

اليوم، تظل القدس القديمة مركزًا للعبادة والزيارة لملايين الأشخاص من جميع أنحاء العالم، وهي تراث حي يحكي قصص الأمس ويستمر في كتابة تاريخها العريق. إنها دعوة لنا جميعًا للتعلم من الماضي والعمل معًا من أجل مستقبل يسوده السلام والتفاهم بين جميع الشعوب.

تسنيم علياء

تسنيم علياء

ADVERTISEMENT
التفصيل في الطريق الصحراوي الذي يجعل هذا السير المنفرد غريبًا إلى هذا الحد
ADVERTISEMENT

على طريق صحراوي خالٍ تمامًا، قد يبدو السير في الوسط الخيار الأكثر عقلانية، ولا يعود هذا الإحساس إلى أي نزعة درامية بقدر ما يعود إلى الهندسة.

يبدو الأمر خاطئًا للوهلة الأولى لأن الطرق مخصّصة للسيارات. لكن إذا كان الطريق هادئًا، وخطوط الرؤية ممتدة، وكان بإمكانك أن ترى الاتجاهين بوضوح، فإن

ADVERTISEMENT

الخط المرسوم في المنتصف يبدأ بمنح عينيك معلومات أفضل مما يمنحك إياها كتف الطريق.

تصوير أيدن كول

جرّب اختبارًا سريعًا مع نفسك. تخيّل أنك تقف على الخط الأوسط، ثم تخيّل أنك تنتقل إلى كتف الطريق. أي الموضعين يمنحك قراءة أوضح لما يقترب من الاتجاهين؟ في كثير من الطرق الصحراوية المفتوحة، لا تكون الإجابة هي تلك التي تمليها عليك اللياقة.

لماذا يبدأ الوسط في أن يبدو منطقيًا

الجزء الغريب في الأمر بسيط: ففي المناطق المفتوحة على اتساعها، يوفّر وسط الطريق غالبًا خطوط رؤية متوازنة. لست مضطرًا لأن تنظر متجاوزًا مسربًا واحدًا أو أن تلوي جسدك لتتفقد الجانب الأبعد. يمكنك أن تمسح اليمين واليسار بالسهولة نفسها، ويحب دماغك هذا التماثل لأنه يقلل مساحة التخمين.

ADVERTISEMENT

وتعمل الإدراكات البشرية بصورة أفضل عندما يكون المشهد منظمًا. وقد وجد الباحثون الذين يدرسون الانتباه البصري والحكم المكاني منذ زمن طويل أن الناس يقرؤون المشاهد المتناظرة والمتمركزة أسرع وبجهد أقل من المشاهد المزدحمة أو غير المتوازنة. وبعبارة بسيطة، يساعدك الوسط على تمييز ما هو قريب، وما هو بعيد، وما الذي يتغير.

وهناك عنصر آخر. فالخط الأوسط يمنحك إحساسًا بالاتجاه. حتى في منعطف لطيف، يخبر هذا الخط جسدك إلى أين يمضي الطريق، مما يسهل تقدير المسافة والحركة. أما كتف الطريق فغالبًا ما يفعل العكس. إذ يتشظى إلى حصى، وشجيرات، وأسفلت متآكل، وآثار إطارات، وانخفاضات لتصريف المياه، وكل تفصيل من هذه التفاصيل عند الحافة يضيف قدرًا من عدم اليقين.

وهذا القدر من عدم اليقين أهم مما يظنه كثيرون. فحافة الطريق قد تخفي صخورًا رخوة، أو تربة لينة، أو نباتات شوكية، أو نفايات، أو هبوطات غير مستوية. وحتى حين تكون تقنيًا خارج المسرب، فقد لا تبدو ثابتة تحت القدم. لذلك قد يكون كتف الطريق هو المكان المتوقع اجتماعيًا للوقوف، مع أنه يمنحك قراءة أسوأ للطريق نفسه.

ADVERTISEMENT

هل ستسير على الخط الأوسط أم على كتف الطريق؟

هذا السؤال يغيّر المشهد كله. فما إن تضع جسدك أنت في هذا الموضع حتى يصبح المنطق أقل سينمائية وأكثر عملية. لم تعد تسأل أي موضع يبدو أكثر جرأة، بل تسأل: أين يمكنك أن تقدّر المسافة بأسرع ما يمكن، وتلاحظ التغير في أبكر وقت، وتشعر بأن احتمال تعثرك بحافة شيء لم تره أقل ما يكون.

ما الذي يلحظه جسدك قبل أن يسميه دماغك

من يسير وحيدًا في وسط طريق خالٍ يحصل على ممر واضح من المعلومات. ينفتح المشهد بالتساوي في الاتجاهين. ويُقرأ الانعطاف في الأمام بوصفه شكلًا واحدًا بدلًا من حافتين غير متطابقتين. وتبدو المسافة إلى أي شيء قد يظهر أسهل في التقدير لأن الطريق ينتظم حولك بدلًا من أن يهبط على أحد الجانبين.

قارن ذلك الآن بكتف الطريق. تصبح الرؤية أكثر فوضى. أحد جانبي مشهدك هو الطريق، والجانب الآخر أرض وعرة. ويطالبك موضع القدم بمزيد من الانتباه. لم يعد خط السير يمر عبرك، بل صار يجري إلى جوارك. وهذا التحول الصغير قد يجعل كتف الطريق يبدو أقل إحكامًا، حتى لو بدا المكان اللائق الذي ينبغي أن تكون فيه.

ADVERTISEMENT

ثم تتراكم الأسباب سريعًا. الرؤية أوضح في الوسط. ويساعد التماثل عينيك على مقارنة الاتجاهين. وكتف الطريق غالبًا غير مستوٍ. كما أن الحطام عند الحافة يسحب الانتباه إلى الأسفل. وعندما تكون المساحة خالية، يتغير السلوك: فعندما لا توجد حركة مرور، ولا رصيف، ولا يكاد يوجد أي ازدحام بصري، يميل الناس غالبًا إلى التحرك نحو الموضع الذي يمنحهم أوضح المعلومات.

وهنا تكمن لحظة الإدراك في هذا النوع من مشاهد الطرق. فقد يبدو الوسط عقلانيًا لا لأن الطريق آمن، بل لأن المنتصف يمنح أوضح قراءة للموقف. فتكافؤ خطوط الرؤية، وقلة التشويش، والإحساس الأقوى بالتحكم قد تجعل الخط المرسوم يبدو أكثر منطقية من الحافة المتهالكة.

الجزء الذي يستحق أن يقال بوضوح

لا يعني شيء من هذا أن السير في وسط الطريق آمن عمومًا أو موصى به. فالطرق صُممت للمركبات، وما يبدو منظمًا لعينيك قد يعرّضك للخطر بسرعة كبيرة.

ADVERTISEMENT

ولا ينطبق هذا المنطق إلا في ظروف ضيقة: طرق تبدو خالية ومستقيمة أو ذات منعطفات لطيفة، مع مدى رؤية طويل جدًا، ومن دون حركة مرور نشطة، ومن دون وجود قاعدة تمنع الوجود هناك. وهو لا ينطبق على المنعطفات العمياء، أو الطرق السريعة المزدحمة، أو الطرق الضيقة، أو ممرات المرور وقت الغسق، أو أي مكان قد تظهر فيه سيارة قبل أن يتاح لك وقت كافٍ للاستجابة.

وهذا التفريق مهم لأن المنطق البصري وأفضل الممارسات ليسا الشيء نفسه. فقد يبدو مكان ما هادئًا وقابلًا للقراءة، وغريبًا على نحو يصعب إنكاره، ومع ذلك يظل خيارًا سيئًا بمجرد دخول حركة المرور الفعلية إلى الصورة. هذا الإحساس قابل للتفسير، لكنه ليس قاعدة أمان.

لماذا يعلق هذا المشهد في الذهن

ما يجعل هذا النوع من المشي المنفرد عالقًا في الذاكرة ليس الفراغ وحده، بل الكيفية التي تجرّد بها البلاد المفتوحة المشهد من الإشارات المتنافسة حتى يهيمن خط واحد للحركة. ومع قلة المباني، واللافتات، والسيارات المتوقفة، والطرق الجانبية، يوجّه دماغك انتباهًا أكبر إلى الاتجاه، والمسافة، والموضع. ويتوقف الطريق عن أن يُقرأ بوصفه بنية تحتية، ويبدأ في أن يُقرأ بوصفه حقلًا من المعلومات.

ADVERTISEMENT

ولهذا قد يبدو المشهد هادئًا ومقلقًا قليلًا في الوقت نفسه. فأنت ترى شخصًا يقف في الموضع الذي يبدو الأكثر انكشافًا، ومع ذلك قد يكون هذا الموضع نفسه هو الذي يمنحه أوضح قراءة ممكنة لما يحيط به. وما إن تلاحظ ذلك حتى يصبح هذا الغرابة مفهومة.

واستخدم هذا المنظور في مواضع أخرى أيضًا: عندما يبدو مكان ما هادئًا على نحو غريب أو مريبًا بطريقة لا تستطيع تسميتها، فتحقق أولًا من التماثل، واتساع مدى الرؤية، وفوضى الحواف.

ماتيو ريفاس

ماتيو ريفاس

ADVERTISEMENT
ما يكشفه الجدل حول البيض عن كيفية تعامل أجسامنا مع الكوليسترول الغذائي
ADVERTISEMENT

في عام 1913، أجرى أنيتشكوف، وهو عالم أمراض تجريبي تجربة غريبة. فقد أطعم الأرانب الكوليسترول النقي يوميًا وراقب شرايينها. وفي غضون أربعة إلى ثمانية أسابيع، لاحظ تشكل آفات.تشبه تلك الموجودة في البشر المصابين بتصلب الشرايين، وهي حالة انسداد الشرايين المرتبطة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية.

كان

ADVERTISEMENT

الكوليسترول الموجود في صفار البيض ــ مصدر الكوليسترول النقي المستخدم في تجربته ــ هو الذي تسبب في الضرر. اكتسبت الفكرة زخمًا.لأن العديد من الدراسات بينت أن مستويات الكوليسترول المرتفعة هي عوامل خطر لأمراض القلب والأوعية الدموية. وبحلول عام 1968، أوصت جمعية القلب الأمريكية بالحد من الكوليسترول الغذائي إلى أقل من 300 مجم يوميًا، بالإضافة إلى عدم تناول أكثر من بيضتين أو ثلاث بيضات كاملة أسبوعيًا. أثارت هذه النصيحة خوفًا دائمًا من البيض في المجتمع. وحتى عندما قامت جمعية القلب الأمريكية لاحقًا بمراجعة إرشاداتها لتكون أكثر ملاءمة لاستهلاك البيض، كان الضرر قد حدث بالفعل.

ADVERTISEMENT

معضلة البيض

الصورة عبر stevepb على pixabay

يحتوي صفار البيض على نسبة عالية من الكوليسترول - تحتوي البيضة الكبيرة (50 جرامًا) على حوالي 186 مجم. وبالنظر إلى الأرقام فقط، فإن هذا أكثر من نصف الحد اليومي الموصى به وهو 300 مجم، وكلها من بيضة واحدة فقط. ومع ذلك، تروي الأمثلة الواقعية قصة مختلفة. خذ "رجل البيض" على سبيل المثال، وهو رجل يبلغ من العمر 88 عامًا تناول 25 بيضة يوميًا لأكثر من 15 عامًا. وعلى الرغم مما كنا نتوقعه، لم تكن شرايينه مسدودة. و حافظ على مستويات الكوليسترول الطبيعية ولم يُظهر أي علامات على تصلب الشرايين أو أمراض القلب. ولكن هذا لا يضع البيض تلقائيًا في مكان آمن. فقد أجريت دراسات عديدة ولخص باتيل، استشاري أمراض القلب في جامعة كوليدج لندن نتائج هذه الدراسات بقوله: "على الرغم من سنوات عديدة من البحث، لم تتم الإجابة على هذا السؤال حول البيض والصحة، حيث أظهرت دراسات مراقبة متعددة على مدى العقود القليلة الماضية نتائج متضاربة - يقترح البعض أن تناول البيض باعتدال أمر جيد، بينما يقترح البعض الآخر أنه قد يكون سيئًا". ومع ظهور المزيد من الدراسات، أصبحت حقيقة واحدة عن أجسامنا واضحة: ليس كل الكوليسترول من الطعام يدخل مجرى الدم.

ADVERTISEMENT

1: لا يصل كل الكوليسترول الغذائي إلى الدم

الصورة عبر Jakub Kapusnak على unsplash

يُعرف الكوليسترول السيئ بأنه يساهم في الإصابة بأمراض القلب. وهوعادةً يعود إلى الكبد للتخلص منه. وقد كشفت الدراسات أن أجسامنا لا تمتص كل الكوليسترول من الطعام.فعلى سبيل المثال، امتص رجل البيض 18% فقط من الكوليسترول الذي تناوله. ومع ذلك، في مجموعة سكانية أوسع نطاقًا، تتفاوت معدلات الامتصاص على نطاق واسع، من 29% إلى 80%. ما الذي يحرك هذا النطاق الواسع في امتصاص الكوليسترول؟  يمكن لعوامل مثل العرق والاضطرابات الوراثية أن تقلب الميزان في اتجاه أو آخر. لكن الطريقة التي نتناول بها البيض يمكن أن تساهم في مقدار الكوليسترول الممتص أيضا.

على سبيل المثال، أعطت إحدى الدراسات 20 رجلا (تتراوح أعمارهم بين 21 و33 عاما) نظامين غذائيين بمحتوى دهني مختلف: أحدهما غني بالدهون غير المشبعة ومنخفض الدهون المشبعة، والآخر غني بالدهون المشبعة ومنخفض الدهون غير المشبعة يحتوي كل من هذه الأنظمة الغذائية على 300 ملغ من الكوليسترول.ثم تناول الرجال 750 ملغ (3 بيضات) أو 1500 ملغ (6 بيضات) من الكوليسترول بالإضافة إلى نظامهم الغذائي. أظهرت النتائج أن إضافة 750 ملغ من الكوليسترول إلى النظام الغذائي الغني بالدهون المشبعة أدى إلى زيادة LDL بنسبة 115٪ بينما أدى مضاعفته إلى 1500 ملغ إلى زيادة LDL بنسبة 125٪.

ADVERTISEMENT

2: قد لا يكون الكوليسترول هو السبب وراء مشاكل القلب والأوعية الدموية، بل قد يكون هناك مكون آخر في صفار البيض.

الصورة عبر DagnyWalter على pixabay

زعم سبنس وآخرون أن الضرر المحتمل من البيض لا ينبع من الكوليسترول بل من المستويات العالية من الفوسفاتيديل كولين في الصفار. ويرتبط هذا التأثير، الذي يُلاحَظ بعد ساعات من تناول الطعام، بالتفاعلات مع بكتيريا الأمعاء. ما هو الفوسفاتيديل كولين؟ الكولين، وهو عنصر غذائي أساسي، ضروري لوظائف المخ، بما في ذلك الحالة المزاجية والذاكرة والتحكم في العضلات. كما يساعد في تكوين أغشية الخلايا، التي تحافظ على بنيتها.

النظرية المقترحة هي أنه عندما يصل الكولين من الطعام إلى الأمعاء، تقوم بكتيريا الأمعاء بتحويله إلى ثلاثي ميثيل أمين (TMA). ثم يتم امتصاص هذا ثلاثي ميثيل أمين في الكبد، حيث يتم أكسدته إلى أكسيد ثلاثي ميثيل أمين (TMAO) وهنا تبدأ المشكلة. وجدت الدراسات الرصدية التي تتبعت 4007 شخصًا لمدة ثلاث سنوات بعد فحص القلب أن أولئك الذين أصيبوا لاحقًا بنوبات قلبية أو سكتات دماغية أو توفوا كانت مستويات ثلاثي ميثيل أمينو في دمائهم أعلى بشكل ملحوظ. ومع ذلك، قبل القفز إلى استنتاجات حول تأثيرات الكولين، تحتاج هذه النظرية إلى مزيد من البحث لدعمها.

ADVERTISEMENT

3: قد لا يكون البيض جيد التحمل لدى مرضى السكري من النوع 2

الصورة عبر JillWellington على pixabay

وجدت مراجعة منهجية أن ارتفاع استهلاك البيض لدى مرضى السكري كان مرتبطًا بزيادة خطر مرض القلب التاجي بنحو 54%. والأمر المهم هو أن هؤلاء المشاركين لم يكن لديهم أمراض متزامنة مثل السرطان وحافظوا على نظام غذائي صحي نسبيًا. من الجدير توخي الحذر، مع الأخذ في الاعتبار أن 72% إلى 85% من المصابين بداء السكري من النوع 2 يعانون من خلل في التمثيل الغذائي للدهون. أي أنهم يهضمون الدهون (بما في ذلك الكوليسترول) بشكل مختلف مقارنة بغير المصابين بداء السكري، مما يجعلهم أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية أو الوفيات المرتبطة بها.

لينا عشماوي

لينا عشماوي

ADVERTISEMENT