تقليد قارع الطبول (المسحّراتي) خلال شهر رمضان في دمشق
ADVERTISEMENT

خلال شهر رمضان المبارك، الذي يصادف الشهر التاسع من التقويم الإسلامي القمري، يُطلب من جميع المسلمين الصيام أي الامتناع عن الطعام والشراب من الفجر حتى الغسق لمدة 30 يومًا. نظرًا لأن شهر رمضان يتقدم بحوالي 11 يومًا تقريبًا كل عام في التقويم

ADVERTISEMENT

الغريغوري الشمسي، فإن المسلمين يختبرون شهر رمضان في مواسم مختلفة طوال حياتهم.

يهدف فعل الصيام إلى تذكير المسلمين بالناس الفقراء والجائعين وتعزيز الحاجة إلى الامتنان. باعتباره أحد أركان الإسلام الخمسة أو واجباته، فإن صيام شهر رمضان إلزامي لجميع المسلمين البالغين الأصحاء. ويستثنى من ذلك الأطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ، وكبار السن، وغير القادرين جسدياً أو عقلياً على الصيام، والحوامل والمرضعات والمسافرين.

الصيام في شهر رمضان يعني الامتناع عن كل طعام أو شراب، بما في ذلك الماء والعلكة، من الفجر إلى غروب الشمس. يوصى قبل شروق الشمس أن يتناول المسلمون وجبة الإفطار المعروفة باسم السحور. غالبًا ما تشبه هذه الوجبة وجبة الإفطار، ولكن في بعض الثقافات قد تشمل المزيد من الأطعمة الشبيهة بالعشاء.

ADVERTISEMENT

من التقاليد الرمضانية هو وجود أشخاص يوقظون المؤمنين لتناول وجبة السحور هذه، ويدعى هؤلاء الأشخاص بالمسحراتيين. المسحرّاتي التقليدي يقرع الطبول ويردد الأغاني الدينية لإيقاظ المسلمين قبل شروق الشمس لتناول "السحور

يكسر قرعُ طبلِ المسحّراتي صمتَ الليل في رمضان

ورغم أن هذا التقليد يوشك على الزوال ببعض الدول الإسلامية إلا أن هذا التقليد لايزال قائما في العاصمة السورية دمشق على الرغم من الاعتماد المتزايد على الهواتف الذكية، فقبل حوالي ساعة من انطلاق آذان الفجر يسير قارعو طبول رمضان المعروفون باسم "المسحراتي" في الشوارع الضيقة لإيقاظ المؤمنين، ومن بين المسحراتيين الثلاثين الذين بقوا في دمشق حسن الراشي ٦٠ عاما (عازف الدرامز القديم) الذي يذكر أن التقليد يعود إلى زمن لم تكن فيه وسائل التنبيه الإلكترونية متاحة، فيقول:

"كان أجدادنا يعتمدون فقط على المسحراتي للاستيقاظ لأنه في ذلك الوقت لم تكن هناك أجراس أو هواتف محمولة". لقد تغير الزمن الآن ولكن الناس في سوريا لا ينسون تقاليدهم، فيضيف قائلاً:

ADVERTISEMENT

"إن شخصية المسحّراتي هي أيضا جزء من التقليد لذا لن ننساها أو نتخلى عنها".

يكسر صوت المسحراتي صمت الليل في المدينة القديمة بالعاصمة ويقول راشي: "استيقظْ للسحور فقد جاء رمضان لزيارتك". ويُضيف:"لايزال الناس يرغبون في الاستيقاظ على صوت المسحراتي فهو جزء من عاداتنا وتقاليدنا وهو إرث لن نتركه وراءنا".

أثناء أداء مهمة المسحراتي، يحمل راشي قصبا من الخيزران في إحدى يديه وطبلا مصنوعا من جلد الماعز في اليد الأخرى وهو يمشي بسرعة من منزل إلى آخر مستخدما عصاه ليقرع على أبواب الأسر التي طلبت خدماته وعلى الرغم من أنهم يتلقون الهدايا إلا أن المسحرّاتيين لا يتوقعون عادة مكافآت مالية، ويحملون أحيانا أكياسا أو سلالا من القش لتخزين الطعام والهدايا الأخرى التي تُقدَّم لهم. بالنسبة لراشي، الأمر لا يتعلق بالهدايا المجانية، إذ يقول: "نشعر بالسعادة عندما نخرج كل يوم"، ويضيف: "يتبعنا بعض الأطفال أحيانا ويطلبون قرع الطبل".

ADVERTISEMENT
لا يكتمل شهرُ الخير إلاّ بتقليد المسحّراتي الجميل

قبل الآذان يطلب شريف حرشو (٥١ عاما)، وهو مسحّراتي آخر من أحد جيرانه كوبا من الماء قبل بدء صيامه وهو عادة ما يرافق المسحّراتي راشي ويقرع طبلته معه. يقول شريف: "معدّاتي بسيطة، وهي صوتي وطبلتي وعصاي، فلا أنادي إلّا بصوتي باستخدام طبلة بسيطة من جلد الماعز وهذه العصا الخشبية"، ويضيف قائلاً: "إن الطبلة هي نفسها التي كانت تستخدم في الماضي ولم تتغير على مرّ القرون".

قام شريف الذي كان والدُه أيضا مسحّراتيّا في رمضان بأداء هذا الواجب منذ ما يقرب من ربع قرن، ويقول: "إن الحرب المستمرة على سورية منذ أكثر من عقد من الزمان وجائحة كورونا لم تمنعانه من الاستمرار"، ويُضيف: "سأواصل إيقاظ الناس للسحور طالما أن لدي صوتًا في حلقي، فهو واجب ورثته من والدي وسوف أنقله إلى ابني".

إن تقليدَ المسحّراتي هو أحد التقاليد المحببة في رمضان المبارك بالإضافة لفوانيس رمضان والأكلات التقليدية اللذيذة.... ومن الرائع أن دمشق لاتزال تحتفظ بهذا التقليد من الإرث القديم، بل لا يكتمل شهر الخير إلاّ بهذه التقليد الجميل.

عائشة

عائشة

ADVERTISEMENT
أطباق بوليا الإيطالية النموذجية: رحلة كاملة عبر المطبخ الجنوبي
ADVERTISEMENT

هل أنت مستعد لرحلة إلى الطعام في منطقة بوليا الجميلة؟ سنأخذك في اكتشاف مطبخ غني بالتقاليد والنكهات الأصيلة والأطباق التي ستجعلك تقع في حبها من أول تذوق، إليك كل أطباق بوليا (Piatti Tipici Puglisi).

بوليا هي أرض البحر والبر، حيث تشكل المكونات الطازجة عالية الجودة أساس مطبخها. هنا، تتجذر تقاليد

ADVERTISEMENT

الطعام في الماضي، وتنتقل من جيل إلى جيل، مما يجعل كل طبق بمثابة كنز تذوقي.

أطباق بوليا النموذجية: تقاليد الطعام في بوليا.

صورة من unsplash

أحد الأطباق الأكثر شهرة في بوليا هو أوريكيتا، وهي معكرونة على شكل آذان صغيرة. عادة ما يتم تتبيل هذه المعكرونة باللفت الأخضر والثوم والفلفل وزيت الزيتون. إنه طبق بسيط ولكنه لذيذ بشكل لا يصدق ويمثل أصالة بوليا وتقاليدها.

طبق خاص آخر من المطبخ البولياني هو "تارالي"، البسكويت اللذيذ اللذيذ المصنوع من الدقيق والزيت والنبيذ والملح. تعتبر هذه الوجبات الخفيفة المقرمشة مثالية لمرافقة مشروب فاتح الشهية أو لمجرد الاستمتاع بها أثناء فترة الاستراحة. لن تتمكن من مقاومة نكهتها الفريدة!

ADVERTISEMENT

عند الحديث عن الأطباق الأولى النموذجية في بوليا، لا يمكننا أن ننسى "فافيت"، وهو طبق بولياني نموذجي مصنوع من الفاصوليا الطازجة والهندباء البرية والبانسيتا.

هذا المزيج من النكهات سيجعلك تقع في حب مطبخ بوليا (Pugliese)!

أطباق بوليا النموذجية: اكتشاف تذوق الطعام

صورة من unsplash

طبق مميز آخر لبوليا هو فوكاشيا باريز. هذه الفوكاشيا الناعمة والرقيقة مغطاة بالطماطم والزيتون والأوريجانو وزيت الزيتون البكر الممتاز. إنه طبق بسيط ولكنه لذيذ ويمكن العثور عليه في أي مخبز أو مطعم شواء في المنطقة.

يُعدّ الاستمتاع بشريحة من فوكاشيا باريز ساخنة وطازجة من الفرن تجربة لا يمكن تفويتها لمحبي الطعام.

تشتهر بوليا أيضاً بإنتاج زيت الزيتون البكر الممتاز. يعتبر زيت بوليا من أفضل الزيوت في العالم، ويستخدم في العديد من الأطباق البوليانية النموذجية.

ADVERTISEMENT

الطبق الخاص الذي لا ينبغي تفويته هو "باني كونزاتو"، الذي يتكون من شريحة من الخبز المحمص مغطاة بالطماطم الطازجة وزيت الزيتون والأوريجانو والملح. تعتبر هذه المقبلات البسيطة علاجاً حقيقياً ومقدمة مثالية لمطبخ بوليا.

بالنسبة للنباتيين، تقدم بوليا مجموعة واسعة من الخضروات الطازجة والملونة التي تستخدم في العديد من الأطباق البوليانية النموذجية.

أحد الأمثلة على ذلك هو "pasticciotto leccese"، وهي معجنات حلوة مليئة بكريم (custard) الليمون. هذه الكعكة ضرورية لمحبي الحلويات ويمكن الاستمتاع بها في وجبة الإفطار أو كحلوى بعد تناول وجبة جيدة.

لا يمكنك مغادرة بوليا دون تذوقها مرة واحدة على الأقل!

أطباق بوليا النموذجية: ثمار البحر الأولى: أطباق السمك البوليانية

صورة من unsplash

تقدم مدينة بوليا، بفضل موقعها المتميز على البحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني، مجموعة واسعة من الأطباق الشهية من مياهها الصافية.

ADVERTISEMENT

عند الحديث عن المطبخ البولياني، من المستحيل عدم ذكر الأسماك الطازجة. تشتهر المنطقة بجودة وتنوع المأكولات البحرية، والتي تستخدم لإعداد أطباق بوليا الفريدة واللذيذة.

أحد أطباق السمك الأكثر شهرة في بوليا هو "baccalà alla pugliese". يتم تحضير سمك القد المملح بعناية، حيث يتم تحليته أولاً ثم طبخه مع الزيتون والطماطم والكبر والبقدونس. والنتيجة هي طبق لذيذ ونضر سيجعلك تقع في حب المطبخ البولياني.

طبق السمك الشهير الآخر هو "polpo alla pignata". يتم طهي الأخطبوط ببطء في وعاء فخاري، مع الطماطم والبطاطس والخضروات الأخرى. والنتيجة هي طبق غني بالنكهات المتوسطية التي تذوب في الفم.

لكن بوليا ليست مجرد أخطبوط وسمك القد. هناك العديد من أطباق الأسماك البوليانية النموذجية الأخرى التي تستحق التذوق أثناء زيارتك لمنطقة الطهي هذه.

ADVERTISEMENT

على سبيل المثال، "بوريه الفاصوليا العريضة والهندباء مع الأنشوجة". هذا الطبق البسيط والأصيل أمر لا بد منه لمحبي النكهات الأصيلة. يتم طهي الفاصوليا العريضة حتى تصبح كريمة طرية وتقدم مع الهندباء والأنشوجة في الزيت. تفجر نكهة!

إذا كنت تفضل النكهات القوية للأسماك المقلية، فلا يمكنك تفويت "الحبار المقلي والقريدس". يتم قلي هذه المأكولات البحرية اللذيذة في عجينة مقرمشة وتقدم مع عصرة ليمون. طبق مثالي للاستمتاع به بجانب البحر أثناء الاستمتاع بالمناظر الخلابة.

باختصار، إذا كنت تحب الأسماك، فإن بوليا هي المكان المناسب لك. فمطبخها عبارة عن مزيج من نكهات البحر الأبيض المتوسط والتقاليد القديمة التي ستمنحك تجربة تذوق لا تُنسى.

تميز الأرض: أطباق اللحوم والمنتجات المحلية

صورة من unsplash

أعزائي القراء، بعد أن أسعدتكم بنكهات بحر بوليا، فقد حان الوقت الآن لاكتشاف التميز في أرضنا. لا يقتصر المطبخ البولياني على أطباق الأسماك البوليانية النموذجية فحسب، بل يضم أيضاً مجموعة واسعة من الأطباق الشهية التي تعتمد على اللحوم والمنتجات المحلية. هل أنت مستعد للاستمتاع بالنكهات الفريدة لهذه الأرض الغنية بتقاليد الطهي؟

ADVERTISEMENT

طبق لحم آخر نموذجي في المنطقة هو "البيتول". يتم إثراء كرات اللحم المفرومة بجبنة البارميزان وفتات الخبز والبقدونس، ثم يتم قليها حتى تصبح مقرمشة وذهبية اللون. يعتبر Pettole خياراً ممتازاً لمشروب فاتح الشهية أو الطبق الرئيسي اللذيذ.

وتشتهر بوليا أيضاً بمنتجاتها المحلية عالية الجودة، مثل زيت الزيتون البكر الممتاز والجبن. يشتهر زيت الزيتون البولياني عالمياً بنكهته الفريدة وخصائصه المعززة للصحة. إنه عنصر لا غنى عنه للعديد من الوصفات البوليانية، مثل orecchiette con le cime di Rapa أو pure di fave con cicoria.

وفيما يتعلق بالجبن، لا يمكنك تفويت تناول كاسيوكافالو بودوليكو "Caciocavallo podolico". يتم تصنيع جبن المعكرونة فيلاتا من حليب سلالة خاصة من الماشية، اسمها البودوليسي.

يتمتع كاسيوكافالو بودوليكو بنكهة قوية وملمس كريمي، مما يجعله مثالياً للاستمتاع به بمفرده أو كمكون رئيسي في العديد من أطباق بوليا النموذجية.

ADVERTISEMENT

الحلويات بوليا: علاج حقيقي للحنك

صورة من unsplash

تشتهر مدينة بوليا بتنوع الحلويات التقليدية التي تتراوح بين فن صناعة المعجنات والوصفات العائلية المتوارثة من جيل إلى جيل.

الحلوى البوليانية الشهيرة هي "كارتيلات"، وهي عبارة عن لفافة من العجين المقلي الملتوية والمغموسة في العسل. هذه الحلوى هي وليمة حقيقية للحنك، وذلك بفضل قوامها المقرمش ونكهتها الحلوة دون أن تكون مُتخِمة.

إذا كنت تفضل الحلويات بالملعقة، فلا يمكنك تفويت زيبولا، وهي حلوى طرية وخفيفة عادة ما تكون مليئة بالكريما باستيسيرا أو الريكوتا. الزيبولا هي عبارة عن تفجر في النكهات والقوام، يذوب في الفم ويترك ذكرى حلوة.

لمحبي الشوكولاتة، تقدم بوليا إغراءً حقيقياً يسمى "كوبيتا". هذه الحلوى هي عبارة عن مزيج من الشوكولاتة الداكنة واللوز المحمص والعسل، ويتم تشكيلها إلى كرات صغيرة مغطاة بمسحوق السكر.

ADVERTISEMENT

من المستحيل مقاومة هذا المزيج من الحلاوة والقرمشة.

أخيراً، لا يمكننا أن ننسى "البسكويت الحلو"، البسكويت المقرمش والمتفتت، النموذجي في التقاليد البوليانية. يُصنع هذا البسكويت من الدقيق والسكر والبيض وزيت الزيتون، وعادة ما يكون بنكهة الفانيليا أو الليمون.

إذا كنت ترغب في تذوق معجنات بوليا، فإنني أوصي بالمخابز الحرفية في كل مدينة، أو قم بإلقاء نظرة سريعة هنا على منتجات المخابز لدينا. ستجد هنا مجموعة واسعة من المعجنات التقليدية، المحضرة بمكونات عالية الجودة وحرفية متوارثة عبر الأجيال.

تذكر أن حلويات بوليا هي طعام شهي أصيل وجزء مهم من ثقافة الطهي في المنطقة. إن تذوقها يعني الانغماس في تقاليد عمرها ألف عام واكتشاف نكهات فريدة لا تُنسى

 ياسمين

ياسمين

ADVERTISEMENT
نصيبين: مدينة التاريخ والثقافة على الحدود العراقية
ADVERTISEMENT

تقع مدينة نصيبين على الحدود الشمالية الشرقية للعراق، قرب الحدود مع تركيا وسوريا، وتُعد من أقدم المدن في بلاد ما بين النهرين. تاريخها العريق وثقافتها المتنوعة جعلوها نقطة التقاء للحضارات ومركزًا تجاريًا وعلميًا مهمًا عبر العصور. اليوم، لا تزال نصيبين تحتفظ برونقها التاريخي، وتُعد وجهة سياحية ثقافية فريدة لمحبي الآثار

ADVERTISEMENT

والتاريخ والدين.

تصوير داماك - المصدر: ويكيبيديا

سبب تسمية نصيبين بهذا الاسم

يرجع اسم "نصيبين" إلى الجذر الأكدي أو الآرامي القديم، ويُعتقد أن معناه يشير إلى "الأراضي المقسّمة" أو "المناطق المحددة"، في إشارة إلى موقع المدينة كمنطقة حدودية أو مركز عبور بين إمبراطوريات الشرق والغرب. وقد ورد اسم نصيبين في العديد من النصوص التاريخية بصيغ مثل "ناصيبينا" و"نسابين"، كما ذُكرت في السجلات الآشورية والسريانية. ومع مرور الزمن، احتفظت المدينة باسمها مع بعض التغيرات الطفيفة في اللفظ، إلا أن دلالتها كمكان استراتيجي مهم ظلت قائمة في الذاكرة التاريخية.

ADVERTISEMENT

أشهر الشخصيات التي عاشت في مدينة نصيبين

احتضنت نصيبين العديد من الشخصيات البارزة في التاريخ الديني والثقافي. من أشهرهم:

مار أفرام السرياني

يُعدمار أفرام السريانيمن أبرز أعلام مدينة نصيبين، وهو شاعر ولاهوتي كبير عاش في القرن الرابع الميلادي. تميز بكتاباته الروحية والشعرية التي أثرت في الفكر المسيحي السرياني، واشتهر بلقب "قيثارة الروح القدس". أسس مدرسة دينية وعلمية في نصيبين، أصبحت مركزًا للتعليم اللاهوتي. إلى جانبه، برز أيضًا الفيلسوف والطبيبنرساي، الذي يُعد أحد ألمع أساتذة مدرسة نصيبين، وقد لعب دورًا مهمًا في تطوير الفكر اللاهوتي الشرقي وصياغة المفاهيم الفلسفية المسيحية. ساهم الاثنان معًا في ترسيخ مكانة نصيبين كمركز علمي وديني مرموق في الشرق القديم.

الإمبراطور يوليان المرتد

من الشخصيات التاريخية البارزة المرتبطة بمدينة نصيبينالإمبراطور يوليان المرتد، الذي خاض معارك حاسمة على حدود المدينة خلال صراعاته مع الإمبراطورية الساسانية في القرن الرابع الميلادي. حاول يوليان استعادة السيطرة الرومانية على المناطق الشرقية، وكانت نصيبين نقطة استراتيجية في هذه الحملات. ورغم أنه لم يتمكن من احتلال المدينة، فإن حضوره العسكري عزز من أهميتها كموقع حدودي فاصل بين قوتين عظميين. هذا الدور السياسي والعسكري، إلى جانب بروز أعلام دينية وفكرية فيها، جعل من نصيبين مركزًا فكريًا ودينيًا بارزًا في العصور القديمة، ومكانًا تتقاطع فيه الثقافات والأديان.

ADVERTISEMENT

أزهى عصور مدينة نصيبين

بلغت نصيبين أوج ازدهارها فيالعصر الروماني المتأخروالقرن الرابع الميلادي تحديدًا، حين أصبحت مركزًا علميًا وروحيًا بارزًا بفضل مدرسة نصيبين الشهيرة. كما شهدت المدينة ازدهارًا تجاريًا كبيرًا خلال هذه الفترة، كونها كانت تقع على الطريق التجاري الذي يربط بين الإمبراطورية الرومانية وبلاد فارس.
في العصر العباسي، استمرت نصيبين في لعب دور ثقافي وتجاري مهم، حيث كانت محطة للعلماء والتجار. لكن العصر الذهبي الحقيقي ارتبط بفترة الرومان والمسيحية المبكرة، حين كانت المدينة منارة للعلم والمعرفة والدين.

بواسطة جارتسو - المصدر : ويكيبيديا

تاريخ نصيبين الثقافي

تعود جذور نصيبين إلى الألف الثاني قبل الميلاد، وقد عُرفت باسم "ناصيبينا" في النصوص الآشورية القديمة. شهدت المدينة مراحل من السيطرة الآشورية، الفارسية، اليونانية، ثم الرومانية، مما جعل ثقافتها مزيجًا غنيًا من الحضارات.
ازدهرت نصيبين كمركز للتعليم الديني واللغوي، واحتضنت واحدة من أقدم المدارس اللاهوتية في العالم المسيحي، وهيمدرسة نصيبينالتي تأسست في القرن الرابع الميلادي، وكانت مركزًا لتعليم الفلسفة والطب واللاهوت باللغة السريانية. كما كانت المدينة موطنًا للعديد من العلماء ورجال الدين الذين أثروا في الفكر المسيحي والإسلامي على حد سواء.

ADVERTISEMENT

آثار نصيبين الرومانية

خضعت نصيبين لفترات طويلة من الحكم الروماني، خصوصًا في عهد الإمبراطور تراجان، الذي حوّلها إلى قاعدة عسكرية مهمة لمواجهة الإمبراطورية الفارسية. من أبرز الآثار التي لا تزال قائمة:

الأسوار الرومانية التي كانت تحيط بالمدينة لحمايتها

كانت الأسوار الرومانية المحيطة بمدينة نصيبين تمثل أحد أبرز ملامح العمارة الدفاعية في العصور القديمة. شُيّدت هذه الأسوار من الحجارة الضخمة، بسمك كبير وارتفاع شاهق، لتوفير الحماية للمدينة من الغزوات والهجمات الفارسية والشرقية. كما تضمّنت الأبراج والمواقع المخصصة للرماة، مع بوابات رئيسية محصّنة تؤدي إلى داخل المدينة. تشير بقايا هذه الأسوار إلى التخطيط العسكري المتقدّم لدى الرومان، حيث تم دمجها مع التضاريس الطبيعية لتقوية الدفاع. ورغم مرور القرون، ما زالت بعض الأجزاء قائمة، وتُعد شاهدًا تاريخيًا على أهمية نصيبين كحصن استراتيجي في قلب التوترات بين الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية.

ADVERTISEMENT

الكنائس القديمة، ومنها بقايا كنيسة مار يعقوب الشهيرة

تضم نصيبين مجموعة من الكنائس القديمة التي تعكس العمق الروحي والمسيحي للمدينة، أبرزهاكنيسة مار يعقوبالتي تعود للقرن الرابع الميلادي. شُيّدت هذه الكنيسة من الحجارة البازلتية السوداء، وتميزت بهندستها السريانية البسيطة ولكن المهيبة. كانت الكنيسة مركزًا دينيًا مهمًا ومكانًا للتعليم والصلوات، واشتهرت بارتباطها بمار يعقوب، أحد الأساقفة البارزين في تلك الفترة. لا تزال بعض بقايا الكنيسة قائمة، منها الأعمدة، والجدران، والأرضيات المزخرفة، وتشكل محطة رئيسية في الجولات السياحية الدينية. وجود هذه الكنائس يدل على عمق الجذور المسيحية في نصيبين وأهميتها كمركز ديني في العصور المبكرة.

المدرجات والحمامات الرومانية التي كانت تستخدم للترفيه والاستجمام

كانت المدرجات والحمامات الرومانية في نصيبين تعبيرًا واضحًا عن أسلوب الحياة الروماني الذي جمع بين الراحة، الترفيه، والصحة. بُنيت المدرجات لاستقبال الفعاليات الفنية والمسرحيات، وغالبًا ما كانت مزودة بمقاعد حجرية تتسع لعدد كبير من المتفرجين، ما يشير إلى ازدهار الحياة الثقافية في المدينة. أما الحمامات، فقد بُنيت بنظام تدفئة معقّد يعتمد على المياه الساخنة والبخار، وتُستخدم للاسترخاء والتجميل والنقاشات الاجتماعية. كانت هذه المنشآت عنصرًا مهمًا في الحياة اليومية للطبقة الأرستقراطية والعامة على حد سواء، وما زالت أطلالها اليوم تجذب الباحثين والسياح المهتمين بالحضارة الرومانية المتطورة.

ADVERTISEMENT

الأقواس الحجرية والمعابد التي تدل على تطور العمارة الرومانية في المنطقة

تُعد الأقواس الحجرية والمعابد التي تنتشر في نصيبين من أروع الأمثلة على تطور العمارة الرومانية في منطقة الشرق. بُنيت هذه المنشآت بدقة هندسية عالية، وزُيّنت بالنقوش والزخارف التي تمثل آلهة رومانية وأساطير قديمة. كانت الأقواس تُستخدم كبوابات رمزية وانتصارية في مداخل المدينة أو الأماكن الدينية، بينما المعابد كانت مراكز لعبادة الآلهة مثل جوبيتر ومارس، وتعكس مزيجًا بين الفن الروماني والتقاليد المحلية. تكشف هذه البقايا عن التأثير الحضاري العميق الذي خلفه الرومان في نصيبين، وتُعد مصدرًا مهمًا لفهم البنية الدينية والعمرانية في تلك الحقبة.

تُعد هذه الآثار اليوم من أبرز المعالم السياحية التي يقصدها الزوار والباحثون على حد سواء.

تصوير جارتسو- المصدر: ويكيبيديا
ADVERTISEMENT

الحياة الاجتماعية في نصيبين

تتميز الحياة الاجتماعية في نصيبين بالتنوع العرقي والديني، فقد سكنت المدينة عبر التاريخ أقوام آشوريون، سريان، عرب، وأكراد. كما تعايش فيها أتباع الديانات المختلفة من مسيحيين ومسلمين ويهود في وئام عبر القرون.
يشتهر سكان نصيبين بالكرم، والعادات الاجتماعية المتجذرة، مثل الاحتفال بالأعياد الدينية والمناسبات الموسمية. تنتشر المجالس العائلية والأسواق الأسبوعية التي تعزز من تماسك المجتمع المحلي.
كما أن للمرأة في نصيبين دورًا واضحًا في الحياة الثقافية والاجتماعية، خصوصًا في الصناعات اليدوية والفنون التقليدية، مثل التطريز وصناعة السجاد.

دور نصيبين في التجارة القديمة

بفضل موقعها الجغرافي الاستراتيجي، كانت نصيبين حلقة وصل مهمة على طريق التجارة القديم المعروف باسم "طريق الحرير". فقد ربطت المدينة بين شرق آسيا وغرب أوروبا، وكانت تمر بها القوافل المحمّلة بالتوابل، المنسوجات، المعادن، والبضائع الثمينة.
استفادت نصيبين من التجارة ليس فقط اقتصاديًا، بل ثقافيًا أيضًا، إذ أصبحت بوتقة للثقافات، وانتشرت فيها اللغات كالسريانية واليونانية والعربية. كما ساهمت الأسواق الكبيرة والخانات في تحفيز النشاط التجاري، وكانت تجذب التجار والحرفيين من مختلف المناطق.

ADVERTISEMENT

زيارة نصيبين اليوم

رغم ما مرت به من أحداث وتحديات، ما تزال نصيبين وجهة سياحية واعدة. يمكن للزائرين اليوم استكشاف المواقع الأثرية المنتشرة حول المدينة، وزيارة الكنائس القديمة، والمنازل التقليدية المبنية بالحجر البازلتي، والتجول في الأسواق القديمة التي لا تزال نابضة بالحياة.
كما يمكن الاستمتاع بجولات ثقافية تشمل المتاحف الصغيرة، والاحتفال بالمهرجانات المحلية التي تُقام سنويًا، وتعرض التراث الشعبي من موسيقى، أزياء، وأطعمة.
ينصح الزوار باستئجار دليل محلي لشرح تاريخ المعالم بدقة، ولاكتشاف زوايا المدينة التي قد لا تكون معروفة للسياح.

تصوير أويستركارد - المصدر: ويكيبيديا

أفضل الأوقات لزيارة نصيبين

تتمتع نصيبين بمناخ متوسطي، حار جاف صيفًا، ومعتدل شتاءً. ويُعدالربيع (مارس إلى مايو)والخريف (سبتمبر إلى نوفمبر)من أفضل الأوقات لزيارتها، حيث تكون درجات الحرارة معتدلة، والطبيعة المحيطة بالمدينة في أجمل حالاتها.
خلال هذه المواسم، تقام أيضًا العديد من الفعاليات الثقافية والمعارض التراثية، مما يجعل تجربة الزيارة أكثر ثراء. يُفضل تجنب السفر في الصيف بسبب الحرارة المرتفعة، وفي الشتاء بسبب احتمالية الأمطار التي قد تعيق الحركة في بعض المناطق الأثرية.

ADVERTISEMENT

خاتمة

تجمع مدينة نصيبين بين عبق التاريخ وثراء الثقافة، فهي ليست مجرد مدينة أثرية، بل شاهدة على حضارات تعاقبت وترك كل منها بصمته في شوارعها وأزقتها. زيارتها اليوم ليست فقط رحلة في المكان، بل في الزمن، تُعيد للزائر صلة بجذور حضارات عظيمة، وتمنحه فرصة لاكتشاف مدينة ظلت على مدى آلاف السنين منارة للعلم والتسامح والتجارة. نصيبين هي بحق جوهرة مخفية تستحق أن تُكتشف من جديد.

إسلام المنشاوي

إسلام المنشاوي

ADVERTISEMENT