يظن معظم الناس أن شوارب الفقمة مخصّصة للمس، مثل شوارب القط، لكنها تحت الماء تؤدي شيئًا أغرب: إذ ترصد الدوامات الخافتة وآثار الضغط التي تخلّفها سمكة كانت قد مضت بالفعل.
وهنا تكمن الإضافة المُرضية: فالفقمة لا تكتفي بالإحساس بالماء، بل تقرأ الحركة المكتوبة فيه.
بالنسبة إلى الفقمات، تُعدّ الشوارب مجسّات شديدة التخصّص لاستشعار الجريان. ويطلق العلماء عليها اسم vibrissae، وفي أنواع مثل فقمة المرافئ تستطيع التقاط التغيرات الدقيقة في حركة الماء، بما يخبر الحيوان إلى أين ذهب شيء ما، وكم كانت سرعته، وفي أي اتجاه تحرّك.
وهذا ليس من حكايات أحواض السمك المتداولة. فقد أظهرت أبحاث تجريبية على فقمة المرافئ أنها تستطيع تتبّع الآثار الهيدروديناميكية، أي اضطراب الماء الذي يخلّفه جسم أو حيوان سابح، حتى حين لا يكون البصر متاحًا لها.
وتساعدها الشوارب في ذلك لأنها مبنية لمهمة صعبة. فالفقمة السابحة تُحرّك الماء في كل ما يحيط برأسها. ولو كانت الشوارب تهتز بعنف بفعل حركة الفقمة نفسها، لاندفنت الإشارات الخارجية تحت ذلك الاضطراب.
شوارب الفقمة خرزية ومتموّجة بدلًا من أن تكون ملساء، وهذا يساعد الماء على الانسياب حولها مع اهتزاز أقل ناتج عن سباحة الفقمة نفسها.
ومن خلال خفض الضجيج الذي تخلقه حركة الفقمة نفسها، تتجنب الشوارب طمس المعلومات الآتية من الخارج وسط التشويش.
يمكن للجريبات الحساسة أن ترصد الانحرافات الدقيقة جدًا عند قاعدة الشعرة، مما يجعل أنماط الاستيقاظ المائي الخافتة أسهل في الاكتشاف.
قراءة مقترحة
وهذه هي الحيلة البارعة في قلب القصة كلها. فالشعرة ليست حساسة فحسب، بل هادئة بالطريقة المناسبة. شكل متموّج، وضجيج أقل من السباحة، وجريبات حساسة عند القاعدة، وقراءة أفضل للأثر.
لو أغمضت عينيك تحت الماء، كيف سيكون إحساس الماء عندما يكون شيء ما قد مرّ لتوّه؟
لن يكون كملامسة جسم صلب، بل أقرب إلى شرائط خفيفة متحركة من الضغط، أثر رقيق ينزلق على الجلد، تتقاطع فيه خيوط الجريان بعد أن يكون مصدرها قد اختفى. وذلك أقرب إلى عالم الفقمة: ليس تماسًا مع السمكة، بل تماسًا مع الحركة التي خلّفتها السمكة وراءها.
وبالعودة إلى علم الأحياء، تستقر كل شعرة في جريب مكتظ بالأعصاب والجيوب الدموية، بما يجعل الانحرافات الطفيفة أسهل في الالتقاط. تنثني الشعرة قليلًا، فيسجّل الجريب ذلك، وتحصل الفقمة على معلومات من الماء يعدّها معظمنا فراغًا محضًا.
تترك سمكة أو أي جسم متحرك خلفها جريانًا مضطربًا بدلًا من ماء ساكن صافٍ.
تظل التموجات والدوامات وتغيرات الضغط باقية لبرهة قصيرة بعد أن يكون الحيوان قد مضى.
حين تستشعر الفقمة الجريان، تُلتقط الانحرافات الدقيقة للشوارب عند الجريب.
وتساعد هذه الإشارات على بيان الوجهة التي ذهب إليها الشيء، وسرعته، والاتجاه الذي كان يسلكه.
في تجارب مضبوطة، تتبّعت فقمة المرافئ أثر الاستيقاظ المائي الناتج من أهداف متحركة بعد مرور مهلة، فتابعت اضطرابات الماء حتى من دون أن ترى الهدف نفسه. وقد فهم الباحثون قدرًا كبيرًا من هذه القدرة على رصد الأثر المائي، وإن لم تُعَد بعد في المختبر كل التفاصيل الدقيقة لمواقف الصيد في ظروف المحيط الحقيقية المضطربة.
في الماء الخافت الرؤية، تتحرك الفريسة أولًا ثم تختفي في العكارة.
لا تستطيع الفقمة الاعتماد على إبقاء السمكة ضمن مجال الرؤية.
بإمالة رأسها، تُدخل الفقمة شواربها إلى الماء المضطرب.
وللحظة وجيزة، يظل الأثر العالق في الماء حاملًا لمعلومات يمكن الإفادة منها.
وبلغة بسيطة، فإن الأثر الهيدروديناميكي هو اليقظة المائية التي يخلّفها جسم في الماء. فكما يترك القارب مسارًا مضطربًا على السطح، تترك السمكة السابحة نمطًا متحركًا في الماء من حولها. وشوارب الفقمة مضبوطة على هذا المسار الخفي.
تبدو الشوارب أدوات لمس بسيطة، وظيفتها الأساسية الاصطدام بالأشياء أو ملامستها.
تستشعر شوارب الفقمة تحت الماء أيضًا الجريان من دون تماس مباشر، فتساعد على قراءة أثر الحيوان المتحرك قبل الملامسة أو بعدها، أو من دون أي ملامسة أصلًا.
وهذا التحول مهم. فما إن تتوقف عن النظر إلى الشوارب بوصفها شعيرات صغيرة لاصطدام الأشياء بها، حتى تتغير وظيفة الوجه كلها. إذ يغدو أشبه بعدّة لقراءة الأثر المائي ممدودة إلى داخل الماء.
لا يزال هناك بعض عدم اليقين عند الأطراف. فقد تعلّم الباحثون الكثير عن كيفية اكتشاف الفقمات للآثار المائية، وكيف يخفف شكل الشوارب الضجيج، ومدى حساسية الجريبات. لكن البحر فوضوي، والفرائس تتحرك على نحو غير متوقع، ولا تستطيع إعدادات المختبر أن تنسخ كل تيار وموجة ولحظة صيد جماعي تواجهها فقمة برية.
ومع ذلك، تبقى الفكرة الأساسية ثابتة. فهذه الشوارب ليست زينة، ولا يقتصر دورها على اللمس المعتاد. إنها تساعد الفقمة على قراءة الحركة التي تبقى في الماء بعد أن يكون من أحدثها قد رحل.
وعندما تنظر إلى فقمة، انتبه أولًا إلى شواربها وتخيّلها وهي تستطلع الماء أمامها، وتلتقط البقايا الرفيعة لجسم مرّ لتوّه، كأنها مجموعة من قارئات الأثر المائي بحجم وجه كامل.