الخدعة المثلثية المختبئة في جسر بونتي راينيا دونا أميليا
ADVERTISEMENT

ما يبدو كأنه صورة متناظرة تمامًا لجسر، إنما يتماسك في الواقع بقاعدة هندسية أبسط وأقوى: المنظور ذو النقطة الواحدة الذي تعززه مثلثات متكررة، ويمكنك التحقق من ذلك بتتبّع ثلاث مجموعات من الخطوط.

هذه الفكرة من أساسيات التصوير المعماري، لا من ضروب التصوف. يشرح دليل The Photographer’s Ephemeris الخاص بالمنظور المعماري

ADVERTISEMENT

أنه في مشهد يُرى بمنظور ذي نقطة واحدة، تبدو الخطوط الممتدة بعيدًا عنك وكأنها تلتقي عند نقطة تلاشي واحدة. ويؤكد Architectural Photography Almanac الفكرة نفسها بعبارة واضحة: عندما يواجهك المشهد مباشرة، ينتظم العمق عبر خطوط تتقارب نحو المركز.

ومع ذلك، يتوقف معظم الناس للوهلة الأولى عند التناظر. وهذا مفهوم. فالجانب الأيسر يعكس الأيمن، والممر يقع في الوسط، والإطار كله يبدو محكمًا في توازنه.

ابدأ بالخط الممتد تحت قدميك

ADVERTISEMENT

تمهّل هنا. إذا تتبعت هذه الصورة بعينيك كما لو كنت تمرر إصبعك على زجاج، فابدأ من الممر الأوسط.

يعمل الممر الشبكي كأنه مسطرة موضوعة باستقامة داخل الإطار. ويؤدي خطه الأوسط المهمة الأولى: يمنح عينك مسارًا ثابتًا إلى الأمام. حتى قبل أن تلاحظ أي فولاذ فوقك، تكون هذه القناة المركزية قد بدأت بالفعل في سحبك نحو نقطة بعيدة واحدة.

تصوير Phil Hearing على Unsplash

والآن وسّع مجال انتباهك قليلًا. فالحافتان الجانبيتان للممر، وكذلك الدرابزين، لا يبدوان متوازيين في الصورة، حتى لو كانا متوازيين في الواقع. إنهما يبدوان مائلين إلى الداخل، لأن هذا هو ما يفعله المنظور ذو النقطة الواحدة. وتقرأ عينك هذه الفجوات المتضائلة على أنها عمق.

وهذا هو الدليل الأول. جرّد المشهد من كل شيء عدا الأرضية والدرابزين، وسيظل صالحًا. فللصورة عمود فقري قبل أن يكون لها زينة.

ADVERTISEMENT

الإجابة السهلة هي التناظر. أما الإجابة الأفضل فهي الاتجاه.

يفسر التناظر سبب إحساس الإطار بالنظام. لكنه لا يفسر بالكامل لماذا يبدو قوي التأثير.

قد تكون اللقطة المتمركزة متوازنة، ومع ذلك تبدو جامدة قليلًا. ولعلّك رأيت هذا من قبل في الممرات أو الأنفاق المخصصة للمشاة: كل شيء مصطفّ، ومع ذلك لا شيء يدفع فعلًا إلى الأمام. فالتوازن وحده يمنع الصورة من الاختلال، لكنه لا يدفع العين دائمًا.

فأي الخطوط هنا هي التي تقوم فعليًا بالعمل البصري؟

جرّب اختبارًا سريعًا مع نفسك. أولًا، عطّل الدرابزين في ذهنك. ثم عطّل الهيكل الشبكي العلوي. واسأل نفسك: ما الذي يظل يسحب عينك إلى الأمام؟ يلاحظ معظم الناس أن الممر الأوسط لا يزال يمسك الصورة معًا، لكن قوة التأثير تضعف حين تختفي الخطوط القطرية.

إليك المحرك الخفي: الجسر يواصل تشكيل المثلثات

ADVERTISEMENT

هنا تتغير الصورة. فالهيكل الأحمر ليس مجرد سلسلة من المستطيلات المتكررة. إذ تواصل العناصر القطرية فيه تقسيم تلك الفتحات إلى مثلثات، وهذه المثلثات تعود لتتجه إلى الداخل مرة بعد أخرى.

وهذا مهم لأن الخطوط القطرية فعّالة. فالخط الأفقي يوحي بالاستقرار، والخط العمودي يوحي بالاعتدال، أما الخط القطري فيوحي بأنه ماضٍ إلى جهة ما. وعندما تكرر الخطوط القطرية داخل إطار منظور ذي نقطة واحدة، فإنها لا تكتفي بموازنة المشهد، بل توجهه كالقمع.

وهنا تتضح الأجزاء سريعًا. خط مركزي. درابزين جانبي. دعامات قطرية. فتحات متكررة. نقطة تلاشي واحدة.

تضيق كل فتحة من فتحات الهيكل كلما تراجعت إلى العمق. ويساعد كل خط قطري على تشكيل مثلث آخر يشير إلى الداخل. والعين لا تكتفي بملاحظة التكرار؛ بل تُسلَّم من إطار مثلثي إلى الذي يليه حتى يستقر كل شيء عند النقطة البعيدة نفسها.

ADVERTISEMENT

هذه هي حيلة المثلثات المختبئة في Ponte Rainha Dona Amélia. التناظر يهيئ المسرح، أما الخطوط القطرية فهي التي تقوم بالدفع.

لماذا تؤثر هذه اللقطة المركزية للجسر أكثر من المعتاد؟

وقد يعترض أحدهم بحق قائلًا إن هذا مجرد ما تفعله أي صورة مستقيمة لجسر. ليس تمامًا.

ما يرفع من شأن هذه الصورة هو الكثافة. فالهيكل الشبكي يتكرر على مسافات قصيرة، ما يمنح عينك فرصًا كثيرة لإعادة التثبت من النمط الاتجاهي نفسه. ويعمل المركز الشبكي للممر كمسار ثابت، بينما يحافظ الدرابزين الجانبي على ضيق الممر البصري بدل أن يترك الإطار ينفتح إلى الخارج.

ثم تأتي الخطوط القطرية فتوقظ البنية كلها. فلو كانت تلك العناصر العلوية في معظمها مستطيلات أفقية، لبقيت الصورة مرتبة، لكنها أقل إلحاحًا. يضيف نمط المثلثات ضغطًا نحو المركز، يكاد يشبه مسننًا بصريًا.

ADVERTISEMENT

ولهذه الفكرة حدّ، ومن المهم قوله بوضوح. فليست كل صورة متناظرة تستمد قوتها من المثلثات. ففي بعض الصور، يقوم الضوء بمعظم العمل. وفي صور أخرى، تتكفل الملمس أو المقياس أو وجود شخص واحد بحمل الإطار.

أما هنا، فالهندسة مقروءة بما يكفي بحيث يمكنك اختبارها بنفسك من دون أي مصطلحات نظرية أصلًا. اتبع الخط الأوسط. راقب كيف تميل الدرابزينات إلى الداخل. ثم لاحظ كيف تواصل الخطوط القطرية إعادة توجيهك إلى النقطة نفسها.

استخدم هذه الحيلة في المرة المقبلة التي يلفتك فيها شارع أو ممر

والفائدة هنا لا تقتصر على جسر واحد. في المرة المقبلة التي تستوقفك فيها ردهة، أو رصيف محطة، أو نفق سفلي، أو شارع مستقيم، ابحث أولًا عن قوة الجذب المركزية. بعد ذلك، تجاهل قليلًا التوازن المرآتي، واسأل أي الخطوط القطرية توجه العين خفية.

وعندما تفعل ذلك، تتوقف صور البنية التحتية القوية عن أن تكون مجرد «تناظر جميل»، وتبدأ في الظهور بوصفها هندسة مشيّدة تؤدي وظيفة واضحة. في جسرك المقبل، تتبّع الممر الأوسط أولًا، ثم ابحث عن المثلثات.

كلاوس ديتر إنغل

كلاوس ديتر إنغل

ADVERTISEMENT
سحر الأندلس: دليل السفر إلى مدنها الجذابة والمواقع التاريخية 
ADVERTISEMENT

في أحضان التاريخ، حيث تتداخل الأساطير مع الواقع، تقبع الأندلس كجوهرة خالدة تتلألأ في سماء الزمان. ليست مجرد بقعة جغرافية، بل هي فصل مشرق من فصول الحضارة الإنسانية، حيث تعانق العمارة السماء، وتتراقص الحدائق على أنغام قصائد الشعراء. "سحر الأندلس" ليس مجرد عنوان لرحلة عبر الزمن، بل هو دعوة لاستكشاف

ADVERTISEMENT

عالم غني بالجمال والعراقة.

من قرطبة إلى غرناطة، من إشبيلية إلى الزهراء، كل مدينة تروي قصة، وكل حجر ينبض بذكريات الأمجاد والأحلام. في هذا المقال، نأخذكم في جولة تفاعلية تكشف عن روعة المواقع التاريخية، وتعرفكم على تجارب السفر الفريدة التي تقدمها هذه الأرض الساحرة. ندعوكم لتتبعوا خطى السابقين، وتستشعروا الإلهام الذي أثرى الثقافات عبر العصور، وتستمتعوا بالتراث الذي ما زال ينبض بالحياة في كل زاوية من زوايا الأندلس العريقة.

ADVERTISEMENT

تاريخ الأندلس

صورة من unsplash

الفتح والازدهار: نشأة الحضارة الأندلسية

في القرن الثامن الميلادي، شهدت شبه الجزيرة الإيبيرية فجر حقبة جديدة مع دخول المسلمين وإقامة الحكم الأندلسي. كانت بداية عصر تميز بالتسامح والتعايش بين الثقافات المختلفة. تحت راية الأندلس، ازدهرت العلوم والفنون، وشهدت المدن نمواً عمرانياً وثقافياً لافتاً.

العصور الذهبية: الإسهامات الثقافية والعلمية

كانت العصور الذهبية للأندلس مرحلة شهدت تقدماً ملحوظاً في مجالات عدة كالفلسفة، الطب، الفلك، والأدب. أنجبت الأندلس علماء ومفكرين أثروا الحضارة الإنسانية بإسهاماتهم القيمة. ومن أبرزهم ابن رشد، ابن البيطار، وابن زهر، الذين تركوا بصمات لا تُمحى في تاريخ العلم والمعرفة.

الغروب: سقوط غرناطة ونهاية حقبة

مع مطلع القرن السادس عشر، واجهت الأندلس تحديات جمّة أدت إلى تراجعها وسقوط آخر معاقلها، غرناطة، في عام 1492م. كانت نهاية حقبة مجيدة، لكن تأثيرها ظل مستمراً، فقد تركت الأندلس إرثاً ثقافياً وعلمياً غنياً أثر في العالم أجمع.

ADVERTISEMENT

مدن الأندلس الساحرة

صورة من unsplash

تعتبر مدن الأندلس ملتقى الحضارات ومهد الفنون والعلوم، حيث تتجلى فيها روح العراقة والجمال. من قرطبة بمسجدها الكبير إلى إشبيلية بألكازارها الفخم، وصولاً إلى غرناطة بقصر الحمراء الأسطوري، تقدم كل مدينة تجربة فريدة تنقلك إلى عصور الزهو والإبداع. دعونا نستكشف معاً هذه المدن العريقة ونغوص في أسرارها الخالدة.

قرطبة: جوهرة الخلافة ومسجدها الكبير

تعد قرطبة مثالاً حياً على العظمة الأندلسية، حيث يقف مسجدها الكبير شاهداً على فن العمارة الإسلامية. يُعرف المسجد بتصميمه المعماري الفريد وصفوف أعمدته المتقاطعة التي تخلق تأثيراً بصرياً مذهلاً. كانت قرطبة أيضاً مركزاً للعلم والفكر، حيث اجتمع العلماء والشعراء لتبادل الأفكار والمعرفة.

إشبيلية: روعة الألكازار ورومانسية الشوارع

إشبيلية، المدينة التي تنبض بالحياة والألوان، تجسد الروح الأندلسية في أبهى صورها. الألكازار، بقصوره وحدائقه، يعتبر تحفة معمارية تجمع بين الفن الإسلامي والمسيحي. تتميز شوارع إشبيلية برومانسيتها ونبضها الثقافي الذي يعكس تاريخ المدينة العريق.

ADVERTISEMENT

غرناطة: الحياة تحت ظل الحمراء

غرناطة، المدينة التي تعانق السماء بقصر الحمراء، تقدم لزائريها تجربة فريدة من نوعها. الحمراء، بأبراجها وقاعاتها وحدائقها، تعد مثالاً للجمال الذي لا يضاهى. تروي جدرانها قصص السلاطين والشعراء، وتعكس حدائقها الغناء الفن الأندلسي في تصميم الحدائق.

المواقع التاريخية

صورة من unsplash

الحمراء: قصر الأحلام الأندلسية

يُعد قصر الحمراء تحفة معمارية تجسد الذروة الفنية للحضارة الأندلسية. يقع على تلال غرناطة، ويطل على المدينة كحارس عتيق يروي قصص العز والجمال. بأبراجه الشامخة وقاعاته المزخرفة وحدائقه الغناء، يُعتبر الحمراء مثالاً للإبداع الإنساني في العمارة والفن.

مدينة الزهراء: عبق التاريخ في الهواء

مدينة الزهراء، التي كانت يوماً مركزاً للسلطة والثقافة، تقع على بُعد أميال من قرطبة. تُعرف بأنقاضها الخلابة التي تعكس فخامة العمارة ودقة التصميم. تُعتبر زيارة مدينة الزهراء رحلة عبر الزمن لاستكشاف عظمة الأندلس في أوجها.

ADVERTISEMENT

الباثيو دي لوس نارانخوس: حدائق البرتقال الخالدة

الباثيو دي لوس نارانخوس، أو فناء البرتقال، هو جزء من مسجد قرطبة الكبير. يُعرف بأشجار البرتقال المعطرة التي تصطف على جانبيه، مما يخلق جواً من السكينة والجمال. يُعتبر هذا الفناء مثالاً للتناغم بين الطبيعة والعمارة الإسلامية.

تجارب السفر الأندلسية

صورة من unsplash

الطعام والموسيقى: غوص في الثقافة الأندلسية

تُعد تجربة الطعام والموسيقى في الأندلس رحلة حسية تأخذك إلى أعماق التراث الغني لهذه البقعة الساحرة. من الأطباق الأندلسية التقليدية إلى الفلامنكو الإسباني، تتنوع الأطباق والألحان لتعكس تاريخاً مشتركاً بين الشرق والغرب. تجربة الطعام هنا ليست مجرد وجبة، بل هي احتفال بالنكهات التي تجمع بين الأصالة والابتكار.

الفنون والحرف: اكتشاف الإبداع الأندلسي

الأندلس مهد للفنون والحرف التي تعبر عن الروح الإبداعية لشعوبها. من الخزف المزخرف إلى النقوش الخشبية المعقدة، تُظهر الحرف اليدوية الأندلسية مهارة فائقة وإتقاناً للتفاصيل. يمكن للزائرين اكتشاف هذه الفنون في الأسواق القديمة وورش العمل، حيث يُمكنهم أيضاً تعلم بعض هذه الحرف والمشاركة في صنعها.

ADVERTISEMENT

الفلكلور والمهرجانات: الاحتفال بالتراث الحي

المهرجانات والفعاليات الفلكلورية في الأندلس تُعد فرصة للزوار ليغمروا أنفسهم في الثقافة الحية للمنطقة. من مهرجانات الفلامنكو إلى الاحتفالات الدينية، تُظهر هذه الأحداث الجانب الاحتفالي للأندلس وتُبرز التنوع الثقافي الذي يُعد جوهر هذه الأرض.

صورة من unsplash

وفي نهاية رحلتنا عبر الزمان والمكان في أرض الأندلس الساحرة، نجد أنفسنا محملين بذكريات لا تُنسى وإلهام يتجدد مع كل خطوة. لقد كانت الأندلس مهداً للحضارات وملتقى للثقافات، ولا تزال تعكس جمالها وروعتها في كل زاوية من زواياها العريقة. تركت لنا الأندلس إرثاً ثقافياً وعلمياً غنياً، وقصصاً تروى عبر الأجيال، وفنوناً تُعبر عن روح شعبها العظيم.

في الأندلس، لا يُعد الوداع نهاية، بل هو بداية لفصل جديد من الاكتشاف والإبداع. فكل زيارة تُعلمنا شيئاً جديداً، وكل قصة تُحفزنا للتعمق أكثر في فهم تاريخنا وثقافتنا. لذا، دعونا نحتفظ بالأندلس في قلوبنا، كمصدر إلهام مستمر يُنير دروبنا ويُثري حياتنا بالجمال والمعرفة.

ياسر السايح

ياسر السايح

ADVERTISEMENT
حبوب القهوة لا تولد بنية اللون
ADVERTISEMENT

حبوب القهوة ليست بنية بطبيعتها؛ فهي تبدأ كبذور خضراء، ويحدث اسمرارها أثناء التحميص. وما إن تعرف ذلك، حتى يتبدل كثير مما نعدّه من ملامح «القهوة» المألوفة، فلا يعود يبدو حقيقة تخصّ المكوّن الخام، بل نتيجة نهائية أحدثتها الحرارة.

وتوضح الرابطة الوطنية للقهوة الأمر بجلاء: فالحبوب التي نعدّ منها القهوة هي

ADVERTISEMENT

بذور ثمرة القهوة، تُعالَج وتُجفَّف قبل أن يحوّلها التحميص إلى الحبوب البنية التي يعرفها معظم الناس. فالبني ليس الحالة الأصلية للقهوة، بل هو ما يفعله بها التحميص.

تصوير PROJETO CAFE GATO-MOURISCO على Unsplash

لماذا تبدو النسخة البنية وكأنها القهوة بديهياً

هنا يكمن ذلك الفخّ المنزلي الخفي. ترى حبوباً بنية إلى جانب إشارات دافئة من أجواء المطبخ، فيقول دماغك: نعم، هذه قهوة. وهذا مفهوم، فمعظم الحبوب التي تصادفها في الحياة اليومية تكون قد خضعت للتحميص بالفعل.

ADVERTISEMENT

غير أن هذه الألفة تخفي مغالطة صغيرة. فما يتصوره معظمنا حين يفكر في «حبّة قهوة» ليس سوى مكوّن تغيّر بالفعل، تماماً كما أن الخبز المحمّص ليس خبزاً قبل الحرارة، بل خبزاً بعدها. فاللون، والمظهر الجاف، والسطح اللامع قليلاً في التحميصات الداكنة، كلها علامات على المعالجة، لا على الأصل.

ويمكنك التحقق من ذلك من دون أي حديث مخبري. ابحث عن القهوة الخضراء، أو القهوة غير المحمّصة، أو ثمار القهوة في المزارع. ستجد أن البذور تتراوح بين الأخضر الباهت والأخضر المائل إلى الرمادي، وتبدو أكثر كثافة وذات سطح مطفأ. وليس فيها ذلك اللمعان البني العميق الذي يعامله الناس على أنه طبيعي.

السؤال الذي يبدد هذا الوهم المريح

هل رأيت من قبل حبّة قهوة قبل التحميص فعلاً؟

هنا تحديداً تبدأ الفكرة المنزلية اللطيفة والمألوفة في التلاشي. فالرائحة التي تربطها بالحبات البنية وبدفء دكاكين البهارات ليست موجودة في القهوة الخام بصورتها النهائية تلك. إنها تتكوّن حين تطرد الحرارة الماء، وتغيّر السكريات والبروتينات، وتنتج مئات المركبات العطرية المرتبطة بالمكسرات المحمّصة، والأطعمة المكرملة، والتوابل الدافئة.

ADVERTISEMENT

ولهذا أيضاً يبدو اقتران القهوة بالقرفة أمراً «صحيحاً» على الفور. فهما ليسا المكوّن نفسه بالطبع، لكن القهوة المحمّصة تطلق بعض النغمات الدافئة والمحمّصة والحارّة نفسها التي يلتقطها الناس أيضاً في المخبوزات ومرطبانات التوابل. أنفك يتعرّف إلى قرابة ما، صنعتها الحرارة.

ما الذي يغيّره التحميص فعلاً، وبسرعة

يتبدل اللون أولاً على النحو الذي تلاحظه بسهولة أكبر. فمع تحميص القهوة، تبني تفاعلات الاسمرار درجات اللون القمحي والكستنائي والبني الداكن التي يربطها الناس بالتحميص الخفيف والمتوسط والداكن. أما القهوة الخضراء الخام فلا تبدأ من هناك أصلاً.

كما تنخفض الرطوبة. فالقهوة الخضراء تحتوي على ماء أكثر، والتحميص يطرد كثيراً منه. وذلك أحد أسباب شعورك بأن الحبوب المحمّصة أخف وزناً وأكثر هشاشة من الخضراء.

ويتغيّر التركيب أيضاً. فالتحميص يجعل الحبوب تتمدد مع تكوّن الغازات داخلها. وإذا قارنت بين الحبوب الخضراء والمحمّصة جنباً إلى جنب، فستبدو الحبوب المحمّصة غالباً أكثر انتفاخاً، بينما تبدو الخضراء أشد تماسكاً وصلابة.

ADVERTISEMENT

ثم تأتي الرائحة. فجمعية القهوة المتخصصة، وكذلك المراجع القياسية الخاصة بالتحميص، تصف التحميص بأنه المرحلة التي تظهر فيها الرائحة المعروفة للقهوة. أما القهوة الخضراء فلها عند كثيرين رائحة عشبية أو شبيهة بالبازلاء أو القش. وتفوح رائحة القهوة المحمّصة كرائحة القهوة لأن التحميص هو الذي منحها هذه الرائحة.

حفنة من الحبوب البنية قد تخدع حتى الأذكياء

وهنا تأتي لحظة التمهل. فحفنة من الحبوب البنية بجوار القرفة أو الخشب أو الورق أو الخيوط تمنح إحساساً عميقاً بأنها قهوة، لأنها تطابق النسخة الثقافية التي نعيشها من القهوة في المنزل: حبوب محمّصة، وخزائن دافئة، وروائح التحميص، وألوان المخبوزات والتوابل.

لكن انتبه إلى ما حدث هنا. فهذا الترتيب يبدو دقيقاً لأنه يعكس القهوة بعد التحميص، لا قبلَه. فالثقافة تدربنا على أن نخلط بين المنتج النهائي والمكوّن الخام، وقد تكون القهوة من أسهل المواضع التي يغيب فيها عنّا هذا التحول.

ADVERTISEMENT

وحين تنتبه إلى ذلك، لا يفقد المشهد شيئاً من جاذبيته. بل يصبح أكثر تحديداً. فلا تعود الحبوب البنية مجرد رموز عامة للقهوة، بل تصير دليلاً مرئياً على أن الحرارة غيّرت البذرة إلى شيء معطّر وهشّ وجاهز للتحضير.

هل هذا مجرد لعب بالألفاظ؟ ليس تماماً

قد تقول إن هذا بديهي، لأن القهوة التي تشتريها محمّصة، ومن الطبيعي إذن أن تكون بنية. وهذا صحيح بقدر ما يتعلق بالأمر في الحياة اليومية. فليس كل أحد بحاجة إلى كيمياء الحبوب ليستمتع بفطوره.

ومع ذلك، يبقى هذا التمييز مفيداً. فإذا أردت أن تفهم ما تقوله البطاقة على كيس القهوة على نحو أفضل، أو أن تدرك لماذا يبدو التحميص الخفيف مختلفاً عن الداكن، أو أن تفسر سبب تغيّر الرائحة كثيراً مع تازجتها، فمن المفيد أن تعرف أي الصفات تعود إلى البذرة نفسها، وأيها صنعه التحميص.

كما أن هذا يجعل لغة التوريد أوضح. فمصطلح «القهوة الخضراء» في التجارة لا يعني أنها غير ناضجة أو منخفضة الجودة، بل يعني أنها قهوة غير محمّصة، أي المكوّن قبل أن تبدأ الحرارة عملها.

ADVERTISEMENT

اختبار سريع يصحح هذا التصور الخاطئ

جرّب هذا مرة واحدة، وغالباً ما تترسخ الفكرة بعدها. قارن بين أي كيس يحمل عبارة «قهوة خضراء» أو «قهوة غير محمّصة»، أو حتى صورة عادية من مزرعة تُظهر بذور القهوة، وبين الحبوب المحمّصة في مطبخك أو في أحد المتاجر.

لاحظ ثلاثة أشياء فقط: لون الحبة الخضراء، وسطحها الأملس المطفأ، والرائحة التي تتوقعها من شيء جاف ونباتي لا من شيء محمّص. ثم قارن ذلك بالحبوب المحمّصة، فهي أغمق لوناً، وأكثر تمدداً، وتحمل الرائحة التي يقصدها الناس حين يقولون «قهوة».

وإذا فصلت في كل مرة ترى فيها حبوب القهوة بين المكوّن الخام والنتيجة التي صنعها التحميص، فسوف تتوقف عن افتراض أن القهوة كانت بنية منذ البداية.

دييغو سالغادو

دييغو سالغادو

ADVERTISEMENT