دوامات ألوان فقاعات الصابون تفاعل متسلسل فيزيائي، لا صبغة

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

تلك الألوان المتموجة ليست صباغًا، ولا طلاءً، ولا قوس قزح عالقًا داخل الصابون. إنها خريطة لتغيّر السُّمك في غشاء الصابون، وما إن تعرف ما الذي تنظر إليه، حتى يصبح السطح مقروءًا.

وهذه هي حيلة الفقاعة كلها. فهي تبدو كما لو أن اللون قد فُرش فوقها، لكن ما تراه في الحقيقة هو سائل يتحرك، وضوء يتفاعل مع هذه الحركة في الزمن الحقيقي.

صورة بعدسة لانيو فوتوغرافي على Unsplash

لماذا تبدو الألوان كأنها مطلية على السطح، بينما ليست كذلك إطلاقًا

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

لنبدأ بالجزء الأبسط. فقاعة الصابون هي طبقة شديدة الرقة من الماء، تحتجزها بين طبقتين أرق منها من جزيئات الصابون. وهذه الطبقة لا تحتفظ بالسُّمك نفسه طويلًا. إذ تسحب الجاذبية السائل إلى الأسفل، وتنزلق فيها تيارات صغيرة، ويبدأ الغشاء بالتصرّف ببطء.

ما الذي يفعله الصباغ مقابل ما يفعله الغشاء فعلًا

لو كان صباغًا

لبقي اللون ملتصقًا بالسطح بوصفه مادة ملوَّنة، ثم خبا ببساطة مع ضعف الفقاعة.

ما تراه حقًا

حين يتغير السُّمك من موضع إلى آخر، تتبدل الألوان على نحو متسلسل، ثم تختفي، وقد تفسح المجال لبقعة داكنة.

ومع ازدياد سُمك الغشاء في موضع ورقّته في موضع آخر، تتبدل الألوان تبعًا لذلك. لذا فهذه التموجات ليست مادة مبسوطة فوق السطح، بل هي سجل متحرك يبيّن أين يكون الغشاء سميكًا، وأين يرقّ، وأين يقترب من الانهيار.

ADVERTISEMENT

يمكنك اختبار هذه الفكرة من غير أن تثق بكلمة واحدة من النظرية. راقب أرقّ جزء في الفقاعة، وغالبًا ما يكون قرب أعلاها، أو راقب غشاء الصابون المشدود على حلقة النفخ. ولاحظ أي الألوان يختفي أولًا عندما تزداد رقة تلك المنطقة. فلو كانت الألوان صباغًا، لبقيت في مكانها ثم خبت فحسب. لكنها بدلًا من ذلك تتبدل على نحو متسلسل، ثم تختفي، وأحيانًا تفسح المجال لبقعة داكنة.

الآليات الخفية تحت اللمعان

يعمل هذا اللمعان عبر سلسلة قصيرة: ينعكس الضوء عن سطحين، ثم تلتقي هاتان الانعكاسان، ويحدد سُمك الغشاء أي الألوان تنجو في رحلتها إلى عينك.

كيف يصنع تداخل الأغشية الرقيقة هذه الألوان

1

يصطدم الضوء بالغشاء

يضرب الضوء الساقط الفقاعة، وينعكس عن كلٍّ من السطح الخارجي والسطح الداخلي للغشاء الرقيق.

2

تلتقي الموجتان المنعكستان

تسير هاتان الموجتان المنعكستان معًا عائدتين نحو عينك، ثم تتراكبان إحداهما مع الأخرى.

3

السُّمك ينتقي اللون

عند بعض السماكات يتعزز لون بعينه، بينما عند سماكات أخرى يُلغى هذا اللون نفسه ويختفي.

ADVERTISEMENT

إذا كان الغشاء بسُّمك مناسب تمامًا للون معين، اصطفّت موجتا ذلك اللون وعزّزت إحداهما الأخرى. أما إذا لم يكن السُّمك ملائمًا لذلك اللون، ألغت الموجتان بعضهما واختفى اللون. ويسمّي الفيزيائيون هذا «تداخل الأغشية الرقيقة». وبعبارة أبسط، يتصرف الغشاء كأنه أداة تباعد دقيقة تساعد بعض الألوان وتطرح بعضها الآخر.

ولهذا تشرح مصادر تعليمية مثل The Physics Classroom ومتاحف العلوم ألوان الفقاعات بهذه الطريقة: ليست صباغًا، بل تداخلًا ناتجًا عن انعكاس الضوء عن غشاء رقيق جدًا. فالفقاعة لا تحمل الأزرق أو الذهبي معها كما لو كانا طلاءً رطبًا، بل تواصل تغيير الشروط التي تسمح للأزرق أو الذهبي بأن يظهر في ذلك الموضع.

وعندما تراها بهذه الصورة، يبدأ السطح كأنه وجه ساعة تحت الزيت. فاللمعان الأملس ليس إلا الغطاء، أما أشرطة الألوان فهي الحركة المرئية للأجزاء الكامنة تحته.

ADVERTISEMENT

اللحظة التي تكفّ فيها الفقاعة عن أن تكون مجرد زينة

راقب شريطًا واحدًا عن قرب. فقد يميل شريط يبدو أزرق في لحظة ما إلى البنفسجي، ثم يبهت، فيما يومض شريط مجاور بالذهبي أو الأبيض. وتميل عينك إلى التعامل مع هذه الأشرطة كما لو كانت مادة ملوَّنة تنجرف فوق انحناء السطح.

لكن هنا تأتي اللحظة الفاصلة في الحكاية: هذه «المادة» ليست لونًا مسافرًا أصلًا. نعم، الغشاء نفسه يتصرّف خلال ثوانٍ، لكن اللون عند كل نقطة يُحسم على الفور تقريبًا بفعل تداخل موجات الضوء عند ذلك السُّمك. يتغير السُّمك، ويتغير طول المسار، فتتعزز أطوال موجية، وتُلغى أطوال موجية أخرى، وتنقلب الألوان.

وهنا ينعطف الفهم في منتصف الطريق. فالأزرق والذهبي والبنفسجي والأبيض ليسوا ركّابًا يسافرون على جلد الفقاعة، بل تقارير موضعية تصدر في الحال، من لقاء الضوء بغشاء ذي سُمك معيّن في تلك اللحظة بالذات.

ADVERTISEMENT

وبمجرد أن تستقر هذه الفكرة في ذهنك، يغدو حدث بصري صغير مُرضيًا على نحو لافت. فمع ازدياد رقة الغشاء، تختفي بعض الألوان وتظهر أخرى مكانها، لأن مجموعة من الأطوال الموجية تُلغى بينما تُعزَّز مجموعة أخرى. وما بدا وكأنه صبغة منسابة ليس في الحقيقة إلا ومضة من الانتقاء.

لماذا يصبح الجزء العلوي باهتًا ثم داكنًا

كلما صُرِّف السائل من الجزء العلوي، تمر الفقاعة عادة بتسلسل مرئي ينتقل من الأشرطة اللامعة إلى الألوان الشاحبة، ثم في المناطق الشديدة الرقة إلى غطاء داكن.

ما الذي يفعله الجزء العلوي الرقيق عادة بعد ذلك

يتصرّف السائل إلى الأسفل

غالبًا ما يرقّ الجزء العلوي أولًا لأن الجاذبية تسحب مزيدًا من السائل إلى أسفل الغشاء.

تخفت الأشرطة اللامعة

حين يصبح الغشاء شديد الرقة، يقل انعكاس الألوان المرئية القوية بالطريقة المعتادة، لذلك قد تبدو المنطقة باهتة أو شبه عديمة اللون.

تظهر بقعة داكنة

إذا ازداد ترقّق الغشاء، يُلغى معظم الضوء المرئي المنعكس، وقد تتحول البقعة إلى لون داكن جدًا.

ADVERTISEMENT

غالبًا ما يصبح أعلى الفقاعة أرق أولًا لأن السائل يتصرّف إلى الأسفل. ومع تقلص سُمك هذا الجزء العلوي إلى مقدار ضئيل جدًا، يقل عدد الألوان المرئية التي يمكن أن تنعكس بقوة بالطريقة المعتادة. وقد تفقد المنطقة أشرطتها اللامعة وتبدأ في الظهور باهتة أو شبه عديمة اللون.

وإذا ازداد ترقّقها أكثر، فقد تصبح شديدة الدكنة، ويُطلق على ذلك أحيانًا اسم «الغشاء الأسود». وهذا لا يعني أن صباغًا أسود قد ظهر، بل يعني أن الغشاء صار رقيقًا إلى حدٍّ تُلغى معه معظم مكونات الضوء المرئي المنعكس، فلا يصل إلى عينك من تلك البقعة إلا قدر ضئيل جدًا من اللون.

وبالنسبة إلى كثيرين، تظل تلك القُبّة الداكنة هي الدليل الأكثر إقناعًا على الإطلاق. فهي تتصرف بوصفها إشارة إلى السُّمك، لا بوصفها صباغًا. ذلك أن بقعة من صبغة عديمة اللون لن تعلن عن غشاء على شفا الانهيار بهذه الطريقة.

ADVERTISEMENT

إذا كان السُّمك يفسّر ذلك، فلماذا يظل يتحرك كأنه طلاء سائل؟

لأن أمرين يحدثان في الوقت نفسه. فالغشاء نفسه يتحرك كغشاء سائل. وفي الوقت ذاته، يتغير الضوء المنعكس عن ذلك الغشاء المتحرك تبعًا للسُّمك، وتبعًا للزاوية بين الفقاعة ومصدر الضوء وعينك.

لذلك نعم، تبدو الألوان وكأنها تنساب، لأن نمط السُّمك نفسه ينساب. ونعم، يمكنها أن تتغير حين تميل برأسك أو حين يتبدل الضوء، لأن التداخل يعتمد على الهندسة أيضًا. فالفقاعة تمنحك تقريرًا حيًّا صادرًا في آن واحد من السائل ومن الضوء.

وهذا أيضًا هو الحد الصادق لنسخة التفسير المنزلية. فلن ترى النمط نفسه في كل مرة. إذ يمكن لإضاءة الغرفة، وزاوية الرؤية، وسرعة تصرّف السائل، وحجم الفقاعة، وحتى تيار هواء خافت، أن يغيّر ما يظهر وكيف يظهر وكم يدوم.

ما الذي يمكنك ملاحظته بنفسك في أقل من دقيقة

ADVERTISEMENT

انفخ فقاعة أو اغمس حلقة في ماء صابوني، ثم ثبّت الغشاء للحظة. لا تلاحق أشد الألوان سطوعًا أولًا. بل راقب أرقّ منطقة، وهي غالبًا حيث يبدو الغشاء مشدودًا وواهنًا، ولاحظ الترتيب الذي تبهت فيه الأشرطة، أو تعود فيه للظهور، أو تفسح فيه المجال لبقعة داكنة.

هذه العادة الواحدة تغيّر المشهد كله. فبدل أن ترى تموجات جميلة عشوائية، تبدأ في قراءة السُّمك، وتصريف السائل، والتداخل لحظة بلحظة.

في المرة المقبلة، راقب الحافة العلوية أولًا.