إن الدفع الجانبي الذي يولّده الشراع هو بالضبط ما يساعد على خلق حركة إلى الأمام. يبدو ذلك معاكسًا للمنطق. لكن يكفي أن تُخرج يدك من نافذة سيارة حتى يتضح الأمر أكثر.
كثيرون راقبوا المراكب الشراعية لسنوات من غير أن يشعروا بأن هذه النقطة باتت واضحة لهم. وهذا أمر طبيعي. فالاتجاهات التي تسلكها القوى يصعب تخيلها، وليس ذلك علامة على ضعفك في الفيزياء.
والصيغة المبسطة هي هذه: تدفع الرياح الشراع المائل. ويكون جزء من هذا الدفع جانبيًا. يرغب القارب في الانزلاق في ذلك الاتجاه، لكن العارض تحت القارب يقاوم هذا الانزلاق في الماء، فتكون الحركة المتبقية إلى الأمام.
قراءة مقترحة
5 خطوات
يمكن اختزال الآلية كلها في سلسلة قصيرة: الرياح تدفع الشراع، والشراع يعيد توجيه القوة، والقارب يحاول الانزلاق جانبيًا، والعارض يقاوم، والحركة المتبقية تكون إلى الأمام.
كثيرًا ما يتخيل الناس الشراع على أنه جدار من القماش تدفعه الرياح من الخلف. وهذا يحدث أحيانًا بالفعل، ولا سيما عندما تكون الرياح خلف القارب تقريبًا. لكن جانبًا كبيرًا من الإبحار يعمل بطريقة أخرى: يُضبط الشراع بزاوية مع الهواء المتحرك.
وتكمن أهمية تلك الزاوية في أن السطح المائل لا يتلقى دفعة في اتجاه واحد واضح فحسب، بل يعيد توجيه القوة. فبدلًا من أن تفكر: «إذا جاءت الرياح من الجانب، فلا بد أن تجعل القارب ينجرف فقط»، فكّر هكذا: «حين تصدم الرياح سطحًا مائلًا، تنشأ دفعة لا تتطابق في اتجاهها مع اتجاه الرياح نفسه».
وهنا أيضًا ينبغي ذكر حدّ واضح وصريح. فالمركب الشراعي لا يستطيع أن يسير مباشرة في مواجهة الريح. ولا يمكنه التقدم إلى الأمام إلا إذا أبحر بزاوية مع اتجاه الريح، متعرجًا ذهابًا وإيابًا إذا أراد أن يحرز تقدمًا عكس الريح.
إذًا فالسلسلة القصيرة هي هذه: الرياح تدفع الشراع؛ الشراع يعيد توجيه القوة؛ القارب يريد أن ينزلق جانبيًا؛ العارض يقاوم؛ والحركة المتبقية تتحول إلى تقدم إلى الأمام.
اسأل نفسك الآن هذا السؤال: تخيل راحة يدك خارج نافذة سيارة، أولًا وهي مبسوطة أمام مجرى الهواء، ثم وهي مائلة قليلًا. في أي اتجاه تكون الدفعة المؤثرة في يدك؟
ستشعر بذلك فورًا في ذراعك. حين تكون اليد مبسوطة، يدفع الهواء يدك في الغالب إلى الخلف مباشرة. وحين تميلها، يتغير الضغط. فتتلقى راحة يدك دفعة جانبية إلى جانب الدفعة إلى الخلف، وكلما ازدادت سرعة الهواء شعرت بهذا التغير على نحو أوضح.
عندما تكون راحة يدك مبسوطة أمام مجرى الهواء، يدفع الهواء يدك في الغالب مباشرة إلى الخلف.
عندما تميل راحة يدك، يتغير اتجاه الدفعة وتصبح فيها دفعة جانبية إلى جانب دفعة إلى الخلف.
هنا يكمن اللغز كله بصورته اليومية المألوفة. فالشراع يفعل ما تفعله يدك المائلة في الهواء. الرياح لا تدفع بأدب في خط واحد بسيط؛ فزاوية السطح تحوّل ذلك الجريان المستقيم إلى دفعة مختلفة.
وفي هذه التجربة الصغيرة، تقوم ذراعك بدور التجهيزات المغمورة تحت الماء في القارب. فذراعك تمنع يدك من أن تنطلق جانبيًا. وفي المركب الشراعي، يتولى العارض هذه المهمة في الماء.
العارض هو الزعنفة الموجودة تحت القارب. ووظيفته المباشرة هنا هي مقاومة الحركة الجانبية عبر الماء. والماء أكثف بكثير من الهواء، لذلك يستطيع العارض أن يثبت فيه بثبات أكبر بكثير مما يثبته الشراع في الريح.
هذه هي الخطوة التي تتجاوزها شروح كثيرة، وهي أيضًا الخطوة التي تجعل بقية الأمر مفهومًا. فالشراع لا يحتاج إلى أن ينتج دفعة صافية إلى الأمام بمفرده. كل ما يحتاج إليه هو أن يولّد قوة تتضمن جزءًا أماميًا، بينما يمنع العارض جانبًا كبيرًا من الجزء الجانبي.
وهذا يعني أن الدفع الجانبي ليس ضائعًا. بل هو المادة الخام. فالقارب يستند إلى العارض في مواجهة الماء، وهذه المقاومة تحوّل ما كان سيصبح انزلاقًا إلى مسار متقدم إلى الأمام.
يجعلنا عبور واحد نرى التفاعل بوضوح أكبر: تدفع الرياح الشراع المائل، ويحاول القارب الانزلاق جانبيًا، ثم يغيّر العارض النتيجة بمقاومته لهذا الانزلاق أكثر مما يقاوم الحركة إلى الأمام.
يتحرك القارب عرضًا مع الريح، ويتلقى الشراع المائل دفعة يكون جزء منها جانبيًا وجزء منها أماميًا على امتداد مسار القارب.
إذا لم يكن للقارب عارض، أو كان عارضه ضعيفًا، فإن الجزء الجانبي يغلب كثيرًا، فينزلق القارب إلى الجانب.
عندما يكون العارض في الماء، تُقاوَم حركة الانزلاق الجانبي بدرجة أكبر بكثير من مقاومة الحركة إلى الأمام.
يدفع الهواء الشراع، ويرد الماء بدفع معاكس على العارض، ويواصل القارب سيره في الاتجاه الذي تسمح به تلك القوى.
هذا الاعتراض هو بالضبط الاعتراض الصحيح. فإذا كانت الرياح تدفع من الجانب، فلماذا لا يتحرك القارب ببساطة إلى الجانب؟
إذا دفعت الرياح الشراع من الجانب، فينبغي أن ينجرف القارب جانبيًا فحسب.
الهواء يطبق الدفع، لكن الماء حين يؤثر في العارض وهيكل القارب يمنع قدرًا كبيرًا من الانزلاق الجانبي، لذلك تبقى الحركة إلى الأمام هي الأسهل.
ذلك لأن القوة المطبقة والحركة المسموح بها ليستا الشيء نفسه. يمكنك أن تدفع كرسيًا جانبيًا فوق سجادة وأن تشعر بمقاومة السجادة؛ فالدفع حقيقي، لكن السطح هو الذي يحدد أي حركة تحدث بسهولة وأي حركة تُمنع. والمركب الشراعي يعيش ضمن الصفقة نفسها.
الهواء يطبق الدفع على الشراع. والماء، حين يؤثر في العارض وهيكل القارب، يرفض قدرًا كبيرًا من الانزلاق الجانبي. وعندها يتحرك القارب في الاتجاه الذي يبقى الأسهل، وهو التقدم إلى الأمام عبر الماء.
يستخدم البحارة هذا كل يوم من غير أن يخالفوا أي قانون من قوانين الحركة. فهم لا يتغلبون على الريح مباشرة وجهًا لوجه، بل يضبطون الشراع والعارض بحيث يُعاد توجيه القوة الجانبية إلى حركة انتقال.
عندما تشاهد مركبًا شراعيًا الآن، فلا تبدأ بالسؤال عن الاتجاه الذي يشير إليه المقدّم. ابدأ بدلًا من ذلك بالدفع الجانبي. انظر إلى الشراع بوصفه سطحًا مائلًا يلاقي هواءً متحركًا، تمامًا كما تلاقي راحة يدك المائلة الهواء خارج نافذة سيارة.
ثم ابحث عمّا يوقف الانزلاق. غالبًا لن ترى العارض تحت الماء، لكن يمكنك أن تفترض وجوده هناك، وهو يؤدي في صمت العمل الذي يجعل هذا كله ممكنًا.
استخدم هذا الاختبار: حدّد أولًا القوة الجانبية، ثم اسأل ما الذي يوقف الانجراف الجانبي.