القانون القديم والتأثير الحديث: كيف صاغت شريعة حمورابي شكل الأنظمة القانونية اليوم
ADVERTISEMENT

لقد مضى ما يقرب من 3800 عامٍ منذ أن وسّع حمورابي حكمه عبر بلاد ما بين النهرين القديمة، وهي المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات والتي تضمّ ما يعرف الآن بالعراق بالإضافة إلى أجزاءٍ من الكويت وتركيا وسوريا. لكنّ هذا الملك البابلي، الذي تظهر صورته بين مجموعةٍ من المشرّعين القدامى

ADVERTISEMENT

المنحوتين على الجدار الجنوبي لقاعة المحكمة العليا في الولايات المتحدة، يتمتّع بتأثيرٍ لا يزال محسوساً حتى يومنا الراهن.

يعود ذلك الـتأثير إلى شريعة حمورابي، وهي مجموعةٌ من 282 قانوناً ولائحةً مكتوبة بالخطّ المسماري على سطح نصبٍ حجري يبلغ طوله سبعة أقدام وأربع بوصات، وقد اكتشفه الباحث الفرنسي جاك دي مورغان في عام 1901، وهو اليوم جزءٌ من المجموعة الموجودة في متحف اللوفر في باريس.

يصف المؤرّخون شريعة حمورابي بأنها رمزٌ باقٍ لنظام بلاد ما بين النهرين القديم كان هدفها حلّ النزاعات ومعاقبة الجرائم وتنظيم الممارسات التجارية، وقد كان لها تأثيرٌ مبكرٌ على تطوّر أنظمة القوانين والمحاكم التي تحكم الولايات المتحدة وغيرها من مجتمعات الدول الحديثة على مدى قرونٍ عديدةٍ.

ADVERTISEMENT

توضّح ذلك كيلي آن دايموند، وهي أستاذة مشاركة للتدريس في التاريخ بجامعة فيلانوفا، بأنّ تلك الشريعة "تمثّل نقشاً قديماً مفصّلاً ومحفوظاً بشكلٍ جيّدٍ عن القانون والنظام خلال عهد الأسرة الملكية الأولى في بابل".

تأسيس قاعدة "المتّهم بريءٌ حتى تثبت إدانته".

صورة من wikimedia

إنّ بعض قوانين حمورابي -كما لاحظت دايموند- قد تبدو قاسيةً للغاية وحتى همجيةً في وقتنا الحاضر، فعلى سبيل المثال كان بيع الممتلكات المسروقة وبناء منزلٍ بشكلٍ معيبٍ أدّى لانهياره يُعاقبان بالإعدام، وكانت عقوبة العبد الذي ينكر سلطة سيده هي أن تُبتَر أذنه. تقول دايموند: "لكنْ كانت هناك قوانينٌ أخرى توحي بتقديم الرعاية وبالمسؤولية تجاه الفئات المُهمَّشة". "فعلى سبيل المثال، نرى في قانون حمورابي ما يمكن اعتباره أولَّ فرضٍ لدفع نفقةٍ للزوجة المُطلَّقة."

ADVERTISEMENT

تصوّر تلك الشريعة أيضاً نظاماً قانونياً قديماً في بلاد ما بين النهرين مع مبادئَ لا تزال مطبَّقةً في قاعات المحاكم الأمريكية حتى الآن. تقول دايموند إنّ الشريعة تنصّ، على سبيل المثال، على أنه من أجل اعتبار شخصٍ ما مذنباً بارتكاب جريمةٍ معيّنةٍ، يجب جمع الأدلّة وإثباتها. وتقول: "إنّ قاعدة ‘المتهّم بريءٌ حتى تثبت إدانته‘ لا تزال أصداؤها موجودةً بيننا الآن".

في أعلى لوحة شريعة حمورابي نرى نحتاً يصوّر الملك وهو يتلقّى القوانين من شمش إله الشمس في بلاد ما بين النهرين، والذي كان أيضاً بمثابة القاضي لكلِّ الآلهة والبشر. وربّما ساعدت تلك القصة عن أصل الشريعة في تعزيز صورة حمورابي كحاكمٍ يستمدّ سلطته من الآلهة. لكنّ العلماء يقولون إنّ شريعته في واقع الأمر تطوَّرت من القوانين التي كانت موجودةً في عصره ومن الدعاوى القضائية السابقة لظهور تلك الشريعة.

ADVERTISEMENT

تشرح أماندا بوداني، وهي أستاذةٌ فخريةٌ للتاريخ في جامعة البوليتكنيك بومونا في ولاية كاليفورنيا ومؤلّفة كتاب ‘النسّاجون والكتبة والملوك: تاريخٌ جديدٌ للشرق الأدنى القديم‘، ذلك بقولها إنّ "أقدم مجموعة قوانينٍ معروفةٍ -وهي التي وضعها الملك أور ناما قبل حمورابي بثلاثمائة عام- تضمَّنت عقوباتٍ جسديةً أقلّ نسبياً وغراماتٍ ماليةً أكثر ممّا نراه في قوانين حمورابي". "ولكنْ في زمن حمورابي كانت معظم العقوبات عبارةً عن غراماتٍ، بغضّ النظر عمّا تنصّ عليه القوانين. لذلك من الأرجح أنّ النظام القضائي كان يعمل بنفس الطريقة تقريباً على امتداد تلك القرون

شريعة حمورابي مقابل قانون بلاد ما بين النهرين الفعلي

صورة من wikimedia

تختلف شريعة حمورابي عن قوانين بلاد ما بين النهرين السابقة لأنها أكثر تفصيلاً، ممّا يمنحنا المزيد من الأفكار عن القوانين والقواعد السائدة في ذلك الوقت، وكذلك عن البنية الاجتماعية وكيفية تطبيق القوانين على المجموعات المختلفة من الناس حينها"، كما توضّح داون ماكورماك، العميدة المساعدة لكلية الدراسات العليا في جامعة ولاية تينيسي الوسطى والمؤرّخة التي تشمل خبرتها مصر والشرق الأدنى.

ADVERTISEMENT

لكنّ مدى الأهمية العملية التي كانت لشريعة حمورابي في ذلك الوقت يبقى غير واضحٍ. فكما يشير المؤرخون، هذه الشريعة ليست مجموعةً شاملةً من القوانين. إذ أنه في حين نرى الشريعة تحتوي على لوائحَ مفصَّلةٍ بشأن مسائلَ تتراوح بين أتعاب الأطباء لعلاج العظام المكسورة وتكلفة استئجار ثورٍ لدرس الحبوب، نرى بالمقابل أنّ هناك أيضاً ثغراتٍ واضحةً فيها مثل غياب قانون أساسي ضد القتل. تقول بوداني: "لم يقُمْ حمورابي بأيّ محاولةٍ لتغطية جميع المخالفات المحتملة أو من أجل التوصّل إلى أيّ مبادئَ تنظيميةٍ تكمن وراءها".

وعلى الرغم من أنّ حمورابي بذل جهداً كبيراً في نحت قوانينه على نصبٍ حجري، إلّا أنّ بوداني تقول إنّ السجلات الباقية من محاكم بلاد ما بين النهرين لا تشير إلى أنّ القضاة كانوا يستشيرون شريعة الملك حتى استشارةً عند إصدار أحكامهم.

ADVERTISEMENT

ومن المُحتَمل أنّ مجموعة قوانين حمورابي كانت أيضاً تتعلّق بالمظهر أكثر من كونها تتعلّق بالحكم الفعلي. وقد أصدرها حمورابي قرب نهاية فترة حكمه التي دامت 43 عاماً، في الوقت الذي ربّما كان يفكر فيه كثيراً حول الكيفية التي ستتذكّره بها الأجيال القادمة. تقول بوداني: "إنها تُظهر أنّ حمورابي كان يهتمّ كثيراً بأن يُنظَر إليه على أنه ملكٌ مُنصِفٌ وعادلٌ، سواء في عصره أو في المستقبل". "وقد أكَّد على ذلك في مقدمة وخاتمة القوانين."

تقول دايموند: "ليس هناك شكٌّ في أنّ حمورابي أراد أن يُنظَر إليه على أنه حاكمٌ عادلٌ يحمي مواطنيه، بالإضافة إلى كونه بديلاً عن الآلهة على الأرض وقائداً حربياً ومعمِّراً للأبنية وقاضياً نهائياً".

الشريعة ترمز إلى العدالة المُنصِفة والمُحايدة

صورة من unsplash

قد يكون الأمر الأكثر أهميةً هو أن ننظر إلى شريعة حمورابي كرمزٍ للنظام القانوني الموجود في بلاد ما بين النهرين في عصره، والذي كانت لإبداعاته تأثيراتٌ دائمةٌ على امتداد الأزمنة.

ADVERTISEMENT

توضّح بوداني ذلك بقولها: "كان لدى بلاد ما بين النهرين نظامٌ يركِّز كثيراً على الوصول إلى حقيقة القضية، من خلال الاستعانة بالشهود والشهادات الشفهية والأدلّة المكتوبة، ومن خلال قيام الأفراد بأداء القسم على أنهم يقولون الحقيقة". "كان أداء القسم فعّالاً بشكلٍ خاصّ بسبب اعتقاد الناس العميق بأنّ الآلهة ستعاقبهم إذا كذبوا تحت القسم. كانت هناك لجنةٌ من القضاة تستمع إلى وقائع أيّ قضيةٍ، وكثيراً ما كان الكتبة يسجّلون الأحداث التي تقع أثناء المحاكمة. وقد أظهروا أنّ النظام كان فعّالاً وموثوقاً به، وبذلك وفّروا طريقةً لتجنّب أن يقوم كلّ شخصٍ بتطبيق العدالة بيده“.

كذلك كانت شريعة حمورابي مهمةً لأنها عزَّزت فكرة أنّ العدالة يجب أن تكون مُنصِفةً ونزيهةً. تقول بوداني إنّ حمورابي أظهر من خلال شريعته أنه ملكٌ يريد ضمان حصول أيّ شخصٍ -ليس فقط الأغنياء والأقوياء بل حتى الفقراء- على العدالة. وهي فكرةٌ لا تزال العدالة الحديثة تسعى جاهدةً لتحقيقها، حتى لو لم تنجح دائماً في ذلك.

 ياسمين

ياسمين

ADVERTISEMENT
قبل البثّ، كانت بكرات الفيلم هي الفيلم نفسه
ADVERTISEMENT

هذه البكرات ليست من ديكورات الأفلام القديمة التي صادف أن بدت جميلة على الجدار؛ بل هي عتاد دقيق أُحيل إلى التقاعد، والدليل قائم على الحافة نفسها في تلك الثقوب المتباعدة بانتظام. معظم المشاهدين يقرؤون الفيلم المعلّق بوصفه حنينًا أولًا. أما الفيلم نفسه فيقول غير ذلك.

إذا وقفت أمام تركيب فني

ADVERTISEMENT

مصنوع من بكرات وشرائط السليلويد، فمن السهل أن تستوعب الدوائر، والالتفافات، والمسحة الكهرمانية، والإيقاع المرتب، ثم تتوقف عند هذا الحد. لكن الفيلم صُمّم ليؤدي وظيفة. فقبل أن يصير منحوتة، كان عليه أن يحتمل مروره في آلة مرارًا وتكرارًا، إطارًا بعد إطار، على فترات دقيقة.

الثقوب الصغيرة تؤدي عملًا أكبر من البكرات

ابدأ من الصغير. انظر إلى الثقوب الجانبية، تلك الفتحات المتكررة الممتدة على طول الحافة كأنها إطار محسوب. ليست زينة، وليست تلفًا. إنها نظام الفهرسة الذي مكّن جهاز العرض من معرفة موضع بداية كل إطار، ومقدار ما يجب أن يتحركه الشريط قبل عرض الصورة التالية.

ADVERTISEMENT
تصوير آني سبراط على Unsplash

وبلغة بسيطة، كان جهاز العرض يستخدم عجلات مسننة تُسمى ضروسًا. وكانت أسنانها تدخل في الثقوب الجانبية وتدفع الفيلم مسافة ثابتة في كل مرة. هذه هي هندسة العرض القياسية. وقد اعتمدت الصورة المتحركة عليها.

وهنا الجزء الذي تتركه كثير من بطاقات المتاحف غائمًا أكثر مما ينبغي. كان لا بد من تحريك الفيلم بتوقيت قابل للتكرار، لا بمجرد سحبه إلى الأمام على نحو تقريبي. وقد جعلت الثقوب ذلك التوقيت ممكنًا، لأن الآلة كانت تستطيع الإمساك بالشريط عند النقاط نفسها مرة بعد مرة بدلًا من التخمين بالاحتكاك.

وهذا هو التحول الحقيقي في منظور المقال: الثقوب المتكررة ليست ملمسًا. إنها نظام عدّ يمكنك أن تراه.

لماذا لا تزال الالتفافات وحجم البكرة يشيان بالآلة

ما إن تلاحظ الثقوب الجانبية حتى تبدأ الأشكال الأكبر بالكلام أيضًا. فالبكرة الكبيرة ليست مجرد دائرة قوية بصريًا. إن قطرها يخبرك أن هذه المادة صُنعت لتخزين شريط طويل وتغذيته ضمن حجم يمكن التحكم فيه، مع ضبط الشد بينما يُلف الفيلم من جهة إلى أخرى.

ADVERTISEMENT

والالتفافات المعلّقة مهمة بالطريقة نفسها. فالفيلم يعمل بوصفه شريطًا طويلًا مرنًا، لكنه ليس مترهلًا. وفي أنظمة العرض، كانت الالتفافات تساعد على ضبط الحركة بين نقاط سحب ثابتة وبين الحركة المتقطعة قرب بوابة الصورة، حيث كان على كل إطار أن يتوقف لجزء من الثانية كي تضيئه الإضاءة.

ليست كل التركيبات الفنية تحتفظ بذلك الإعداد الأصلي على نحو مطابق، وليست كل بكرة معروضة مثبتًا أنها من مواد عرض ذات تاريخ كامل سليم. ومن الحكمة توخي الحذر في مسألة المنشأ. ومع ذلك، كثيرًا ما يخبرك الشكل المرئي بالكثير عن الوظيفة حتى عندما تظل الحياة السابقة الدقيقة لشريط بعينه مجهولة.

هذا الشيء الساكن كان يعيش يومًا بسرعة الوميض

في صالة عرض، قد يبدو الفيلم المعلّق ساكنًا على نحو يكاد يكون نهائيًا، كأنه أُطلق أخيرًا من العمل. تتدلّى الشرائط في أقواس هادئة. وتستقر البكرات كأشكال مكتملة لا كأجزاء تنتظر آلة.

ADVERTISEMENT

ثم تلتقط عينك الحافة. فتلقي الثقوب الجانبية ظلالًا متكررة شبيهة بالسلم، درجة بعد أخرى، حتى إنك تكاد تشعر بالفواصل بعينيك. إنها تُبطئك لأنها شديدة الانتظام. كل درجة تقول: قِسني.

والآن مزّق هذا السكون. ففي العرض، لم تكن هذه الشرائط نفسها هادئة على الإطلاق. لقد كانت تُسحب، وتُوقَف، وتُعرَّض للضوء، ثم تُدفَع إلى الأمام من جديد، بسرعة تكفي لأن تندمج الإطارات المنفصلة في حركة لدى المشاهد.

هذه هي المفاجأة الكامنة في المنتصف، المختبئة على مرأى من الجميع. فالمادة التي تتدلى الآن في التفافات صبورة كانت يومًا جزءًا من حركة سريعة متقطعة، ذلك النظام الغريب والبارع في آن، حيث يجري الفيلم، ويتوقف لحظة عند البوابة، ثم يقفز إلى الإطار التالي. المنحوتة ساكنة؛ أما المنطق الكامن فيها فليس كذلك.

لماذا يبدو متحركًا حتى حين لا يتحرك شيء

ADVERTISEMENT

يأتي كثير من قوة هذا التركيب الفني من هذه الهوية المزدوجة. نعم، هو جمالي الآن. لكن جماله ليس منفصلًا عن هندسته. فالإيقاع الذي تستجيب له — التباعد، والتكرار، والالتفاف، والمقياس — نابع من مادة صُممت للنقل المؤقت المضبوط.

ولهذا قد يبدو الفيلم العتيق أكثر دقة من مجرد طراز رجعي عادي. فهو يحمل آثار استخدامه منقوشة في بنيته نفسها. يمكن لكرسي أن يصير قطعة زينة من غير أن يشرح كيف كان يعمل من قبل. أما الفيلم فنادرًا ما يفعل ذلك، لأن دليل حياته الميكانيكية يمتد على طول الحافتين.

إذا أردت أن تختبر قراءتك أنت، فجرّب هذا السؤال البسيط وأنت تنظر: هل يمكن لهذا الشيء أن يعيش بوصفه زينة فقط، أم أنه صُمم ليُسحب ويُوقّت ويُكرّر؟ غالبًا ما تجيب الثقوب الجانبية، وسلوك الالتفافات، وحجم البكرة قبل أي نص على الجدار.

طريقة أفضل لقراءة الفيلم حين تصادفه مرة أخرى

ADVERTISEMENT

حين يظهر الفيلم في متحف، أو واجهة متجر، أو بهو، أو تركيب فني، ابدأ بثلاثة أشياء: الثقوب، والالتفافات، وحجم البكرة. اقرأ الثقوب بوصفها نظام نقل، والالتفافات بوصفها دليلًا على حركة مضبوطة، والبكرة بوصفها وسيلة تخزين لشريط طويل عامل، لا رمزًا للحنين.

إذا فعلت ذلك، سيعود هذا الشيء إلى العمل في ذهنك — لا بوصفه رمزًا لأفلام قديمة، بل بوصفه العتاد الذي جعل الصور المتحركة ممكنة. اقرأ الثقوب أولًا.

ماتيو ريفاس

ماتيو ريفاس

ADVERTISEMENT
الخطأ في التعامل مع فيليه الدجاج الذي يحوّل قطعة قليلة الدهن إلى لحم جاف
ADVERTISEMENT

عادةً ما يجف صدر الدجاج لأنك فوتَّ هامشًا ضيقًا جدًا للنضج، لا لأن اللحم هزيل إلى حدٍّ لا تستطيع معه الصلصة إنقاذه، وهذا الفهم الخاطئ هو ما يجعلك تواصل تقديم أطباق جميلة الشكل فيما يكمن تحتها لحم متليّف.

ويبدأ الحل في مرحلة أبكر مما يظن معظم الناس. يحدث الجفاف عندما

ADVERTISEMENT

ترتفع حرارة اللحم أكثر مما ينبغي، فتنقبض البروتينات ويُعصر الماء إلى الخارج. قد تُخفي الصلصة العَرَض، لكنها لا تستطيع إعادة ذلك الماء.

لماذا ينتقل هذا الجزء الهزيل من جيد إلى جاف بهذه السرعة؟

هذا هو الجزء الذي يستحق أن يتضح جيدًا. نعم، يحتوي صدر الدجاج على دهون أقل من الفخذ، لكن الدهون ليست السبب الرئيسي في أن تبدو قطعة ما عصارية وأخرى طباشيرية القوام. المشكلة الأكبر أن صدر الدجاج يترك لك هامشًا أضيق بين النضج والإفراط في الطهي.

صورة بعدسة إلينا ليا على Unsplash
ADVERTISEMENT

وقد شرح عالم الأغذية هارولد ماكغي هذا بوضوح في عام 2004 في كتابه «On Food and Cooking». فمع تسخين بروتينات اللحم، تنقبض وتدفع الرطوبة إلى الخارج؛ ومع اللحم الهزيل، تكون الدهون الداخلية والأنسجة الضامة أقل، فلا يبقى ما يلطّف الإحساس بفقدان تلك الرطوبة. وفي المقلاة، يعني ذلك أن صدر الدجاج الذي يتجاوز الحد المطلوب بقليل فقط قد يبدو أكثر جفافًا بكثير مما توقعت.

ويمكن ملاحظة النمط نفسه أيضًا في الدراسات المقاسة لفقدان السوائل في عالم علوم اللحوم. فقد عرضت الدراسة القديمة لكنها لا تزال مفيدة التي نشرها هام عام 1960 العلاقة الأساسية بين تسخين اللحم وتراجع قدرته على الاحتفاظ بالماء: فكلما تغيّرت طبيعة البروتينات بالحرارة، ضعفت قدرتها على ربط الماء، وازداد دفع السوائل إلى الخارج. وقد قاست مختبرات مختلفة ذلك في أنواع متعددة من اللحوم منذ ذلك الحين، لكن الخلاصة في المطبخ بقيت ثابتة: إذا تجاوزت درجة الحرارة المطلوبة، فقدت المزيد من العصارة.

ADVERTISEMENT

ولم تكن مهمة الصلصة أن تنقذه.

إذًا، ما الذي كان ينبغي أن يحدث قبل أن تلامس الصلصة المقلاة أو الطبق أصلًا؟ عادةً ما تسوء ثلاثة أمور، وكل واحد منها يدفع الدجاج إلى ما بعد درجة النضج قبل أن ينتبه الطاهي.

الأخطاء الثلاثة الهادئة التي تُجفّفه

1. ابدأ بالسماكة. فالصدر الذي يكون سميكًا من جهة ورقيقًا من جهة أخرى لا يمكن أن ينضج بشكل متساوٍ. فبحلول الوقت الذي يصبح فيه الوسط السميك آمنًا، يكون الطرف الرفيع قد نال طهيًا زائدًا بالفعل. والحل السريع في اليوم نفسه بسيط: اطرق الجزء الأكثر سماكة قليلًا لتخفيفه، أو اقطع الصدر أفقيًا إلى شرائح أرق. وينجح ذلك لأن الحرارة تقطع مسافة أقصر، فتصل الحواف والمركز إلى النضج في وقت أقرب بعضهما إلى بعض.

2. خفّض الحرارة درجة واحدة. فالمقلاة الشديدة جدًا تمنحك لونًا سريعًا، لكنها كذلك تصنع ارتفاعًا حادًا في الحرارة من الخارج إلى الداخل. قد ينضج السطح فيما يظل المركز متأخرًا، وهذا ما يغريك بتركه في المقلاة أكثر مما ينبغي. وعادةً ما تكون الحرارة المتوسطة إلى المتوسطة المرتفعة كافية للتحمير من دون الاندفاع إلى ما بعد الهدف. أنت تريد طهيًا ثابتًا، لا سباقًا.

ADVERTISEMENT

3. احترم الطهي اللاحق بعد الرفع من النار. فالدجاج يواصل ارتفاعه في الحرارة بعد خروجه من المقلاة لأن الطبقات الخارجية الأشد سخونة تواصل نقل الحرارة إلى الداخل. ولهذا قد يبدو الصدر وكأنه لم يكتمل تمامًا، ثم يتحول إلى الجفاف بعد بضع دقائق إذا انتظرت اليقين الكامل وهو لا يزال في المقلاة. ارفعه قبل ذلك بقليل، ثم دع فترة الراحة تُكمل المهمة برفق أكبر.

فحص بجانب المقلاة يعلّمك أكثر مما يعلّمك المؤقت

الاعتماد على عدد الدقائق هو ما يوقع كثيرًا من الطهاة الجيدين في المشكلة. فهذه قطعة أكثر سماكة، وتلك مقلاة أشد حرارة، وهذا الموقد فيه نقطة سخونة أقوى. أضف إلى ذلك تتبيلة غنية بالسكر، فيغمق السطح قبل أن يلحق الداخل به. ولهذا لا تنجح قاعدة واحدة من نوع «اطهه 6 دقائق لكل جانب» مع الجميع.

قبل اللحظة التي تظنه فيها نضج، تمهّل لعشر ثوانٍ. حرّك الفيليه بالملقط واضغط برفق على الوسط بطرف إصبعك أو بطرف الملقط. يجب أن يبدو الصدر العصاري نابضًا، فيه شيء من الليونة. أما الجاف فيبدو مشدودًا وصلبًا، كأن الوسط قد تيبّس.

ADVERTISEMENT

ثم ضعه على طبق واتركه وشأنه بضع دقائق. فالراحة لا تضيف العصارة على نحو سحري، لكنها تمنح الداخل الساخن وقتًا ليتوزع بالتساوي، وتُبقي مزيدًا من السائل من أن ينساب مباشرة إلى لوح التقطيع في اللحظة التي تشقه فيها. وبعد الراحة، اقطع في الجزء الأكثر سماكة من إحدى القطع وتفقّدها. فهذا الشق الواحد يساعدك على معايرة ما كانت تعنيه «المرونة النابضة» في يدك، مما يجعل الحكم على صدر الدجاج التالي أسهل.

ما الذي ينبغي فعله الليلة إذا كان دجاجك يواصل تفويت تلك النافذة؟

إذا كانت صدور الدجاج لديك سميكة، فسوِّها إلى شكل أكثر تساويًا قبل التتبيل. وإذا كانت مقلاتك تميل إلى الحرق، فامنح نفسك حرارة متوسطة ودقيقة إضافية بدلًا من مطاردة تحمير قاسٍ. وإذا كنت تطهو عادةً إلى أن يبدو المركز مكتمل النضج تمامًا داخل المقلاة، فارفعه أبكر واترك الطهي اللاحق يكمل المهمة على الطبق.

ADVERTISEMENT

ويساعدك مقياس الحرارة، وهو الأداة الأوثق إن كان لديك واحد. فرفع لحم الصدر عند النقطة التي يكون فيها قد نضج للتو، ثم تركه ليرتاح، يمنحك فرصة أفضل بكثير للحصول على شرائح عصارية من الانتظار حتى يبدو متماسكًا تمامًا في المقلاة. والسبب بسيط: عيناك غالبًا لا تلحظان الأمر إلا بعد أن يكون فقدان الرطوبة قد بدأ بالفعل.

وثمة قيد حقيقي واحد هنا. فالشرائح شديدة السماكة، وضعف التلامس مع المقلاة، والتتبيلات السكرية، كلها قد تُربك التوقيت والتحمير. وكذلك بدء الطهي بدجاج بارد خارج لتوّه من الثلاجة في مقلاة مزدحمة. تظل الطريقة نفسها صالحة، لكن الساعة تصبح أقل فائدة، وهذا بالضبط سبب أهمية اللمس والسماكة والراحة إلى هذا الحد.

نعم، أفخاذ الدجاج أكثر تسامحًا. لا، هذا لا يعني أن الصدور ميؤوس منها.

وهذه هي الموازنة المنصفة: أفخاذ الدجاج أسهل. فهي تحتوي على دهون وأنسجة ضامة أكثر، وتبقى مستساغة عبر نطاق أوسع من درجات الحرارة. وإذا كنت تطهو لجمع كبير أو توفّق بين أطباق جانبية عدة، فإن الأفخاذ تمنحك هامشًا أكبر للخطأ.

ADVERTISEMENT

لكن كونها «أكثر تسامحًا» لا يعني أنها «أفضل»، وبالتأكيد لا يعني أن الصدور محكوم عليها بالجفاف. يمكن أن يبقى لحم الصدر عصاريًا عندما تتحكم في السماكة وتتوقف عن الطهي داخل ذلك الهامش الضيق بدلًا من الاندفاع متجاوزه. كثيرون ممن يقسمون أنهم يكرهون صدر الدجاج إنما ينفرون في الحقيقة من صدر دجاج تُرك في المقلاة دقيقتين أكثر من اللازم. وهذه مشكلة يمكن إصلاحها.

راقب الصدر في وقت أبكر، واضغط لتتحسس ذلك الوسط النابض، واتركه ليرتاح قبل التقطيع، ودع الصلصة تُكمل الدجاج بدلًا من التظاهر بأنها تستطيع إصلاحه.

ماتيو ريفاس

ماتيو ريفاس

ADVERTISEMENT