ADVERTISEMENT

ذلك المقعد الفارغ على ضفاف البحيرة في كانبرا هو صحة عامة، لا مجرد زينة

قد يكون المقعد الخالي يؤدي دورًا في الصحة العامة رغم ذلك. فالمقعد لا يكون «يعمل» فقط عندما يجلس عليه أحد في هذه اللحظة؛ بل يكون يؤدي وظيفته حين يكون جاهزًا لمن يحتاج إلى التوقف، أو الانتظار، أو استعادة توازنه، أو مجرد أن يكون حاضرًا في الفضاء العام لبعض الوقت من دون أن يضطر إلى شراء قهوة.

صورة بعدسة علاء الدين حلاق على Unsplash

قد تبدو هذه فكرة بسيطة، إلى أن تفكر في عدد المرات التي يحتاج فيها الناس إلى ذلك تحديدًا. بعد زيارة عيادة. في منتصف مشوار بدا أقصر في الذهاب مما هو عليه في العودة. أثناء انتظار صديق، أو حافلة، أو مكالمة هاتفية، أو أن تزول موجة دوار، أو أن تحين اللحظة التي يشعرون فيها بأنهم مستعدون للعودة إلى المنزل.

ADVERTISEMENT

المقعد الذي يبدو خاليًا قد يكون يؤدي أهم وظائفه

لقد أمضيت وقتًا كافيًا في حدائق المدن لأعرف أن المقعد قد يبدو غير مستخدم، ومع ذلك يظل مهمًا طوال اليوم. فوظيفته ليست أن يكون مشغولًا على الدوام، بل أن يكون جاهزًا.

فكّر في شخص يخرج من مستشفى أو عيادة طبية. لقد أصبح في الخارج الآن، لكنه ليس مستعدًا تمامًا لما يلي. فالعودة إلى المنزل قد تعني قيادة سيارة، أو ركوب قطار، أو الاتصال بالعائلة، أو ببساطة أن يستجمع نفسه. والمقعد يمنحه مساحة فاصلة بين الموعد الطبي وبقية اليوم.

وهذه المساحة الفاصلة ليست شيئًا تزينيًا. فقد تكون المكان الذي يفتح فيه أحدهم ظرفًا، أو يراجع تعليمات دواء جديد، أو يشرب قليلًا من الماء، أو يكتفي بتهدئة أنفاسه. فالفضاء العام لا يتيح هذا النوع من الإذن الواضح والمجاني في كثير من الأحيان.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

وهنا يبرز السؤال الأصعب: حين ترى مقعدًا خاليًا، هل تقرأ هذا الخلوّ على أنه إهمال، أم على أنه دعوة؟

وهذا التحول في طريقة القراءة مهم. فإذا رأيت المقعد جزءًا من المشهد، فاتك ما يفعله. أما إذا رأيته بنية تحتية، فستبدأ بملاحظة وظيفته: فهو يمدّ المسافة التي يستطيع الناس قطعها سيرًا، ويطيل المدة التي يمكنهم أن يبقوا فيها خارجًا، ويوسّع دائرة من يمكنه استخدام الحديقة أو الممر من دون مشقة.

وهذا ليس مجرد كلام عاطفي. ففي عام 2015، نظر باحثون من جامعة شيفيلد، بالتعاون مع The Young Foundation، في شأن المقاعد العامة، ووجدوا أنها ترتبط بالإحساس بالانتماء وقد تساعد على الحد من العزلة. ولم تكن الفكرة أن المقاعد تحمل الأجساد فحسب، بل إنها تساعد الناس أيضًا على أن يشعروا بأن وجودهم هناك مسموح به.

ADVERTISEMENT

وهذا هو الجانب الذي ما تزال مدن كثيرة تقلّل من تقديره. فالمقعد يمنح إذنًا اجتماعيًا بالتوقف في الفضاء العام من دون أن تشرح نفسك. لا يلزمك أن تكون تتسوّق، أو تسرع في تنقلك، أو تلتقي أحدًا. يمكنك ببساطة أن تجلس، وتنتظر، وتراقب الماء، وتستجمع نفسك، وتظل جزءًا من الحياة المدنية.

لماذا يغيّر وجود مقعدٍ من يستطيع البقاء في الخارج

يغيّر المقعد المدى العملي للفضاء العام لأنه يجعل التوقفات ممكنة لمن يحتاجون إليها.

من يدعمهم المقعد بصمت

كبار السن

الممرات · فترات للراحة

تشير أبحاث أوردها UCLA Lewis Center إلى أن كبار السن يحتاجون إلى أماكن متكررة للراحة ومقاعد على امتداد الممرات، لأن بعض المسارات تصبح عمليًا شاقة أكثر مما ينبغي من دون أماكن للتوقف.

الأشخاص الذين يتعافون أو يحاولون استعادة توازنهم

الضغط النفسي · الإرهاق

قد يكون المقعد هو المكان الذي يستريح فيه شخص بعد مجهود، أو يتعافى بعد خبر سيئ، أو ينتظر حتى يزول الدوار، أو يستعيد اتزانه بعد ضغط نفسي من دون أن يضطر إلى مغادرة الفضاء العام بالكامل.

مقدمو الرعاية والآباء والعمال

الانتظار · بين المهام

يستخدم الآباء المقاعد بينما يركض الأطفال إلى الأمام، ويستخدمها العمال بين المشاوير، ويستخدمها مقدمو الرعاية بينما يلتقط قريب لهم أنفاسه.

الأشخاص الذين يحاولون التعرّف إلى المكان

الاتجاهات · توقف من دون ضغط

يمكن لمن هو جديد على المنطقة أن يتوقف ليتحقق من الاتجاهات، أو يرسل رسالة نصية، أو ينتظر وسيلة نقل من دون أن يشعر بأنه يعرقل أحدًا.

ADVERTISEMENT

كل ذلك يفضي إلى حقيقة مدنية بسيطة: المقاعد توسّع إمكان الوصول إلى الحياة العامة. ليس على نحو صاخب أو كبير، بل بهدوء. إنها تخفّض مقدار الجهد اللازم للبقاء خارجًا بين الناس.

متى يكون المقعد فعلًا عاجزًا عن أداء دوره

لننتقل مباشرة إلى الأمر: المقعد وحده لا يصلح المكان. فإذا كان تحت شمس مباشرة من دون ظل، أو بعيدًا عن الممر، أو بجوار حركة مرور سريعة، أو في منطقة لا يشعر الناس فيها بالأمان عند استخدامه، فقد يظل خاليًا لأسباب وجيهة.

وينطبق الأمر نفسه على المقاعد القليلة جدًا، أو المتباعدة أكثر مما ينبغي، أو سيئة الصيانة، أو التي يستحيل الوصول إليها باستخدام المشّاية أو الكرسي المتحرك. فالخلوّ العابر لا يثبت الهدر. لكن عدم الاستخدام على المدى الطويل قد يدل على سوء التموضع، أو ضعف الوصول، أو سوء العناية.

ADVERTISEMENT

كيف تقرأ المقعد الخالي بقدر أكبر من الإنصاف

نظرة سريعة

لا أحد يجلس عليه الآن، لذا يبدو المقعد غير ضروري أو مهدورًا.

اختبار أفضل

اسأل: من الذي يستطيع البقاء خارجًا مدة أطول لأن هذا المقعد موجود؟ ومن الذي لا يزال عاجزًا عن ذلك بسبب الموقع، أو سهولة الوصول، أو الأمان، أو التباعد، أو الظل، أو الصيانة؟

لذلك فالمعيار المنصف ليس: «هل كان أحد يجلس عليه حين مررت به؟» بل: «من الذي يستطيع البقاء خارجًا مدة أطول لأن هذا المقعد موجود، ومن الذي لا يزال لا يستطيع؟» وهذه طريقة أفضل بكثير للحكم على ما إذا كانت المدينة قد أدّت واجبها كما ينبغي.

طريقة أفضل للحكم على المقعد القريب منك

جرّب اختبارًا سريعًا مع نفسك. تذكّر آخر مرة احتجت فيها إلى مكان تنتظر فيه، أو تلتقط أنفاسك، أو تستجمع نفسك، أو تترك الوقت يمر في الفضاء العام من دون أن تدفع ثمن حقك في الوجود هناك. يستطيع معظم الناس أن يحددوا تلك اللحظة أسرع مما يتوقعون.

ADVERTISEMENT

فحص سريع للمقعد

1

تحقق من الموقع

ابحث عن المقاعد قرب الأماكن التي يخرج منها الناس وهم متعبون، أو مسنون، أو قلقون، أو يحملون أكثر مما ينبغي.

2

تحقق من التباعد

لاحظ ما إذا كانت المقاعد متقاربة بما يكفي لكي يتمكن من يمشي ببطء من الاعتماد عليها.

3

تحقق من جودة التوقف

انظر ما إذا كان المقعد يوفّر ظلًا، ورؤية واضحة، وسببًا معقولًا للثقة بالتوقف عنده.

ثم انظر إلى المقاعد في منطقتك بعين أدق. هل هي قريبة من الأماكن التي يخرج منها الناس وهم متعبون، أو مسنون، أو قلقون، أو يحملون أكثر مما ينبغي؟ وهل المسافات بينها قصيرة بما يكفي لمن يمشي ببطء؟ وهل توفّر ظلًا، ورؤية واضحة، وسببًا معقولًا للثقة بالتوقف عندها؟

يستحق المقعد مكانه حين يساعد شخصًا ما على البقاء في الفضاء العام مدة أطول قليلًا مما كان يستطيع لولاه.