
قد يبدو قناع وجهٍ خزفيّ على جدار مزخرف اليوم مجرد قطعة زينة، لكن هذا النوع من الأشياء لم يُصنع في الأصل ليبقى ساكنًا ويُتأمل بهذه الطريقة.
وهذا جزء من سبب شعوره بهذه الجاذبية الآسرة. فالأمر لا يتعلق فقط بكونه ملوّنًا أو غريب الأطوار. إنه يحمل
قد يبدو قناع وجهٍ خزفيّ على جدار مزخرف اليوم مجرد قطعة زينة، لكن هذا النوع من الأشياء لم يُصنع في الأصل ليبقى ساكنًا ويُتأمل بهذه الطريقة.
وهذا جزء من سبب شعوره بهذه الجاذبية الآسرة. فالأمر لا يتعلق فقط بكونه ملوّنًا أو غريب الأطوار. إنه يحمل
بقايا حركة وزيّ وأداء ومعنى اجتماعي، حتى بعد أن ثُبّت في مكانه مثل أي قطعة تُعلّق على الجدار.
معظم الزينات صريحة بشأن وظيفتها. فالمزهرية تنتظر الزهور. واللوحة المؤطرة تنتظر جدارًا. أما القناع فرفقة أكثر التباسًا. حتى حين يُصنع من الخزف ويُهيأ للعرض الداخلي، فإنه يظل يلمّح إلى وجه وجسد ودخول وجمهور.
وهذا الشحن الإضافي ليس من نسج خيالك. فموقع Smarthistory يوضح، في مقدمته المبسطة عن التنكر بالأقنعة، أن حفلات التنكر ليست مجرد أشياء فنية بصرية، بل هي أحداث متعددة الحواس تشمل الرقص والموسيقى والزي وتفاعل الجمهور. وبعبارة أخرى، فإن الشيء الذي نعلّقه اليوم ونضيئه وننسقه كان ينتمي يومًا إلى الفعل.
وحين تعرف ذلك، يتوقف القناع الزخرفي عن التصرف كأنه مجرد فوضى عادية. قد يظل مسرحيًا، بل ويميل قليلًا إلى المشاكسة، لكنه لم يعد يبدو كزيادة عشوائية. بل يبدو كأنه ناجٍ من نظام استعمال مختلف.
وهذا يساعد على تفسير سبب استمرار الناس في إقران الأقنعة بالغرف الغنية. ورق الجدران، والزهور، والألوان الزاهية، والأثاث المنحوت، والطاولات المطلية باللكر: كل ذلك يمنح القطعة مسرحًا لأنها تبدو وكأنها تطلبه. وصاحب المنزل يستشعر هذا قبل أن يجد له الكلمات. فهذه القطعة لا تريد أن تختفي في جدار عادي كما قد يفعل طبق.
وهنا الجزء الذي تتجاوزه كثير من خطط التزيين. فالقناع وحده لم يكن في الغالب سوى جزء من صيغة أدائية أكبر. ويشير Smarthistory إلى أن المؤدين قد يرتدون أغطية كاملة للوجه، أو أقنعة خوذة، أو هيئات كاملة تشمل طبقات من المواد تغطي الجسد. ولذلك، حين يُعزل قناع واحد على جدار، يكون شيء ما قد اقتُطع بالفعل.
وهذا لا يجعل العرض الجداري زائفًا بالضرورة. فالمنازل مليئة بالشذرات. نحن نعرض ألواحًا نسيجية قديمة من دون الثياب التي جاءت منها. ونؤطر صفحات من الكتب. ونضع في الداخل مشغولات حديدية كانت تنتمي في الأصل إلى الخارج. لكن القناع حالة خاصة لأن حياته الأولى كانت تعتمد مباشرة إلى هذا الحد على أن يُرتدى ويُحرّك ويُرى في علاقة مع أشخاص آخرين.
وقد ظل الخطاب المتحفي طويلًا يحاول تصحيح العادة القديمة المتمثلة في التعامل مع الأقنعة بوصفها منحوتات منفصلة. وليست الغاية من ذلك تجريدها من جمالها، بل إعادة الجسد إلى الحكاية. فالقناع في حال استعماله كان جزءًا منه شيء وجزءًا منه حدث.
وهذا يغيّر الطريقة التي تحكم بها على الزينة. فإذا استخدمت غرفة وجهًا صارخًا لمجرد دفقة من النقش واللون، فقد يبقى الأثر لافتًا. لكنه سيبدو أرقّ من عرض يعترف بأن للقطعة ماضيًا يتجاوز مجرد موافقتها لورق الجدران.
خذ الحالة الفينيسية المذكورة في العنوان، لأنها تقدم لنا مثالًا واضحًا من دون الادعاء بأن كل تقاليد الأقنعة واحدة. فقد ارتبطت الأقنعة في البندقية بثقافة الكرنفال والاحتفال العام ولعب الأدوار والتخفي المنضبط. وكان الناس يرتدونها في الشوارع والمسارح والفضاءات الاجتماعية. وكانت تغيّر طريقة تحرك الأجساد في المدينة وكيف يمكن أن تتوارى الفوارق الطبقية، ولو إلى حين.
ومع مرور الوقت، صارت الأقنعة الفينيسية أيضًا تذكارات وقطعًا حرفية للزينة. وهذا التحول موثق جيدًا في المتاحف وكذلك في التجارة الحديثة بنسخ من الورق المعجون والخزف تُباع للعرض. وما إن يغادر القناع الوجه ويدخل المنزل حتى يحتفظ بسحر التنكر، لكنه يفقد اللعبة الاجتماعية الحية التي كانت تمنحه حدّته.
تمهّل هنا لحظة. ففي كثير من تقاليد الأقنعة، سواء كانت احتفالية أو طقسية أو أدائية، لم تكن قوة القناع كامنة في الوجه المنحوت أو المشكّل وحده. بل كانت تعيش في التوقيت، والصوت، والزي، والقواعد، والإذن، والخوف، والبهجة، والاعتراف العلني. ويمكن لشيء ساكن أن يلمّح إلى هذه الأمور، لكنه لا يستطيع أن يؤديها.
ولهذا تهم الحياة اللاحقة. فالقناع الزخرفي ليس ببساطة الشيء نفسه بعد نقله إلى الداخل. إنه شيء أُعيد إسناد وظيفة جديدة إليه.
والآن، انتقال حاد: صار على جدار جبسي.
لقد ثُبّت في مكانه، وأحيط بالزهور، وصار مطلوبًا منه أن يتحاور مع ورق الجدران والطلاء بدلًا من الراقصين أو الموسيقيين أو الحشود. والمقال كله كان يتتبع هذه الهجرة. كان يُرتدى، ولم يعد يُرتدى. كان يُفعل، ثم صار يُعرض. كان جماعيًا، ثم صار خاصًا. كان طقسًا أو احتفالًا، ثم صار ديكورًا.
وهذه القفزة في المعنى هي المصدر الحقيقي للافتتان. فالقناع المعلق على الجدار لا يفشل في أن يكون ذاته القديمة. بل يؤدي عملًا منزليًا جديدًا. إنه يجلب الدراما إلى ممر، والطرافة إلى غرفة جلوس مكتظة، وحتى قدرًا من الجرأة الاجتماعية. ويقرأه الضيوف بوصفه ذوقًا، وجرأة، وسفرًا، واقتناءً، ومفارقة، أو مودة للحرفة.
لا، وهنا يوقع الناس أنفسهم في ارتباك. فالأشياء تغيّر معانيها على الدوام. والمنازل مليئة بإعادة الاستخدام. ويتوقف المعنى على المنشأ والسياق ونوع الشيء نفسه. فالقناع الخزفي المشغول في محترف بغرض الزينة الداخلية ليس الحالة نفسها التي يكون عليها شيء طقسي أُخرج من سياقه الأصلي. وقطعة صُنعت لسوق السياح، وتذكار كرنفال، وعمل احتفالي، لا تطرح الأسئلة الأخلاقية نفسها.
ومع ذلك، فإن مقولة «الأشياء تتغير دائمًا» تصبح سهلة أكثر مما ينبغي إذا كانت ذريعة لعدم النظر عن كثب. فالمسألة الصادقة ليست التغير في حد ذاته، بل ما إذا كان العرض الجديد يمحو الوظيفة القديمة محوًا كاملًا إلى درجة تجعل الشيء مجرد زيّ للغرفة بدلًا من أن يكون قطعة لها تاريخها وشروطها الخاصة.
ويستطيع الجامعون والصناع وأصحاب البيوت العاديون التعامل مع هذا على نحو أفضل مما يظنون أحيانًا. فأنت لا تحتاج إلى بطاقة متحفية على جدار ممرّك، لكنك تحتاج إلى معرفة أساسية بما صُنعت له القطعة، ومن صنع هذه النسخة، وما إذا كان تنسيقك يساعد القطعة على أن تتكلم بوضوح أم يجعلهـا أعلى صوتًا فحسب.
ابدأ باختبار بسيط: ماذا كانت تفعل هذه القطعة من قبل، وماذا تفعل الآن؟ إذا كانت الإجابة «لا أعرف»، فتوقف قبل أن تبني خطة تزيين كاملة حولها. فكثيرًا ما يبدد قدر يسير من البحث هذا الضباب. ويمكن لمواقع المتاحف، أو ملاحظات المعارض، أو معلومات الصانع، أن تخبرك إن كنت تنظر إلى حرفة كرنفالية، أو خزف مشغول في محترف، أو بضاعة للسياح، أو شيء ذي جذور طقسية.
ثم جرّب هذا الفحص الذاتي الأدق. إذا أزلت ورق الجدران والزهور وموضع التعليق على الحائط، فهل ستظل تعرف أي حكاية يرويها هذا الشيء؟ إذا كانت الإجابة نعم، فالغرفة تسند القطعة. وإذا كانت الإجابة لا، فربما كانت الغرفة تستخدم القطعة بوصفها دراما مستعارة.
أما في التنسيق، فالمقاربة الأذكى ليست في تكديس الأثر الغريب. امنح القطعة ما يكفي من الرفقة لإظهار القصد، ثم اترك لها شيئًا من الوقار. فملاحظة صغيرة لنفسك عن المنشأ، أو كتاب قريب منها، أو مجرد قدرتك على أن تخبر ضيفًا بأي نوع من الأشياء هي، قد يفعل أكثر من لمسة زخرفية إضافية.
اسأل عمّا كانت هذه القطعة تفعله من قبل، وعمّا تفعله الآن، وما إذا كانت غرفتك تعترف بهذا التغيّر بصدق.
هانا زايدل
إذا كانت الجهود الواعية، بحكم تعريفها، غير قادرة على توفير المرور إلى العقل الباطن، فإن المحفزات اللاشعورية يمكنها ذلك. لدى دخولها تحت مستوى إدراكنا الواعي، والذي لا يمكنه سوى ترجمتها إلى ومضات لا معنى لها دون معالجتها بالكامل، تقوم هذه الرسائل اللاشعورية بتنشيط مناطق معينة من الدماغ.
تتمتع المحفزات التي تصل إلى اللاوعي لدينا بقدرة كبيرة على تحفيز الفعل، ما يعني أنها تستطيع أن تدفعنا إلى القيام بالأشياء حتى دون أن ندرك ذلك.
على الرغم من أن هذا يبدو خطيرًا، إلا أنه عندما نقوم بذلك بأنفسنا فإنه يمكن أن يكون له آثار مفيدة. وبالتالي يمكن تحويل العقل الباطن إلى أداة توجيهية قوية يمكن استخدامها لخدمة أهدافنا الخاصة. إن ما كان في يوم من الأيام إنجازًا مستحيلًا يتطلب جهودًا تفوق قدرتنا، يمكن التغلب عليه من خلال قوة العقل والتحفيز المناسب.
يعد التأمل، إضافةً إلى كونه صحيًا للعقل والجسم، إحدى أولى الطرق التي يمكنك تجربتها للاستفادة من عقلك الباطن. عندما استُخدم جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص رهبان بوذيين أثناء التأمل، أظهر الفحص أن لدى هؤلاء الرهبان الذين أتقنوا فن التأمل، من خلال عقود من الممارسة، تنشيطاً شديداً في الدماغ. أحد أكثر التغيرات وضوحاً كان يتعلق بالمرونة العصبية، أو قدرة الدماغ على تغيير بنيته وعمله وفقًا للتجارب الجديدة. وهذا يعني إعادة تنظيم افتراضية للاتصالات العصبية في الدماغ.
علاوة على ذلك، أظهرت نفس الدراسة أن بإمكان التأمل أن يوسع قدرتك على السعادة، ويزيد من شعورك بالتعاطف، ويؤدي إلى تحقيق حالة من الوحدة مع الذات. إن التغيرات غير العادية في الدماغ تستلزم تغييرات في مجالات التفكير الواعية وغير الواعية. وأحد الأمثلة على ذلك هو قدرة الرهبان على استخدام شبكة أدمغتهم الخارجية (أو الموجهة نحو الخارج) مع شبكتهم الداخلية (التي تتعامل مع التأمل الذاتي والانفعالات). لا شك في أن التأمل هو بوابة إلى قوة العقل اللازمة لحياة سعيدة وسلمية، وخطوة نحو تحقيق المستحيل. إذا كان العلم الحديث قد اكتشف ذلك للتو، فإن الرهبان البوذيين يعرفون ذلك منذ آلاف السنين.
على الرغم من أن العقل الباطن لا يتواصل معنا بشكل مباشر، إلا أنه يمكن جعله يستجيب لمحفزات معينة. يعد الاقتراح الذاتي والتأكيدات من الطرق الرائعة للقيام بذلك. في حين أن الاقتراح الذاتي يتطلب التكرار والتكييف، فإن التأكيدات تعمل من خلال التفكير الإيجابي. التفكير الإيجابي أبسط بكثير، ومن ثمّ يمكن لأي شخص ممارسته في أي وقت. ولتسهيل الأمر، يمكنك أن تبدأ بصورته السلبية وهي التخلص من القلق والسلبية المستمرين. والحقيقة هي أنه لا يمكن لأحد أن ينظر إلى الجانب الإيجابي من كل شيء دائماً. من المحتمل أن فرويد كان ليدعو هذا بالذهان. حاول بدلاً من ذلك، الامتناع عن الوقوع في شرك الأفكار الاكتئابية. لا تفكر في لحظات الماضي الحزينة، وعندها ستبدأ، ببطء ولكن بثبات، بالشعور بالتحسن اتجاه نفسك وحياتك ككل. يعد تعزيز احترامك لذاتك وسعادتك أحد أفضل المزايا للاستفادة من قوة عقلك. إنها خطوة أخرى نحو تحقيق المستحيل.
يتطور الإنسان وينضج من خلال دروس الحياة. على الرغم من أننا قد لا نكون مدركين للقيم التي غرسها آباؤنا وأمهاتنا فينا، إلا أن العقل الباطن يدرك ذلك. إن تخزين العاطفة والحزن والمعاناة والفرح والغيرة وحتى الكراهية يؤثر على سلوكنا. كما أنه يحدد الطريقة التي نتعامل بها مع الآخرين أو نفكر في مواضيع معينة. المشاعر مكبوتة ومقموعة، ولكن يمكن ترجمتها عن طريق العقل الباطن إلى مخاوف غير عقلانية، أو لحظات من الاكتئاب، أو حتى إلى أفعال عدوانية لا يمكن تفسيرها عند وجود محفزات معينة. وبالإضافة إلى منعك من الوصول إلى إمكاناتك الحقيقية، فإن هذه المخاوف والأفعال تلحق الضرر أيضاً بعلاقاتك وحالتك الذهنية. ولكي تتخلص منها، عليك أن تجد لها تفسيراً. على سبيل المثال، يمكن أن يستمر الخوف من الظلام حتى مرحلة البلوغ إذا كان مرتبطاً بتجربة مؤلمة في مرحلة الطفولة. وبالمثل، يمكن أن تكون بعض الكلمات مرتبطة لا شعورياً بحبّ مفقود في الماضي، ما يلقي بك في دوامة من الحزن. إذا لم تتمكن من التعامل مع ثقل عقلك الباطن بمفردك، فمن المستحسن دائماً الحصول على مساعدة اختصاصية. بمجرد تفسيرها، فإن هذه التجارب التي عاشت في عقلك الباطن تفقد قوتها. وبدلاً من هذه التجارب السلبية، قم بتثبيت أهداف وانفعالات ومعتقدات جديدة تفيدك كشخص. يمكن العثور على الإلهام اللازم لتغيير وجهة نظرك في الحياة في أي مكان تقريباً. وفي الوقت نفسه، يمكن إعادة استخدام القوى التي أعاقتك سابقًا لمساعدتك.
لقد تركنا، كجنس بشري، وراءنا الأجسام القوية والمرنة التي كانت ضرورية للبقاء على قيد الحياة في الظروف الخارجية القاسية. وحتى في ذلك الحين، لم يكن الإنسان أسرع ولا أقوى مخلوق في العالم. لقد نجونا من خلال الإبداع والمجتمع، جسدياً وروحياً.
كما حلمنا بأن نكون الأسرع وأن نكون قادرين على الوصول إلى السحاب – وقد حققنا ذلك – حلمنا بأن تصبح إرادتنا قادرة على تشكيل القارات، وتغيير مجرى الأنهار، وهزيمة الجبال، وتسوية التلال. إن سجل قوة العقل البشري مثير للإعجاب. ما كان مستحيلاً في يوم من الأيام، جعلناه ممكناً. الآن، ونحن سادة ومبدعو بيئتنا، يمكن التعامل مع تحديات عالمنا الخارجي بشكل أفضل من خلال معالجة التحديات التي تطرحها عقولنا علينا. من خلال التأمل والتفكير الإيجابي والإيحاء الذاتي وفهم أعمق لأنفسنا، يمكننا الاستفادة من اللاوعي لدينا. بمجرد تفسير وترويض الشياطين التي تطاردنا، نستطيع تحويلها إلى أدوات قوية تشكل سلوكنا نحو الأفضل.
تسنيم علياء
من المعروف أن وضع المعدن في الميكروويف سوف يتسبب في تطاير الشرر، لكن هل تعلم أن وضع العنب في الميكروويف يمكن أن تكون له نتائجُ أكثر انفجارًا؟
مع كونِ العنب فاكهةً لذيذةً صغيرة الحجم يمكن قضمها وتناولها بشكل ممتع، فإنه يحتوي أيضًا على سر خطير: يمكن أن يؤدي تسخينه بالميكرويف
إلى إنشاء عرضِ ألعابٍ نارية مُصغَّر وإلى انفجار البلازما.
لقد تمّ توثيق هذه الظاهرة مرارا وتكرارا على موقع يوتيوب. عندما تقطع حبة عنب إلى نصفَين تقريبًا - مع ترك جزء من القشرة التي تربط بين الجانبين المقطوعين - ثم تسخّنها في الميكروويف، ستشهد هذه الفوضى، والتي هي في الأساس تكوّن بلازما.
نحن لا نتحدث عن تدفق البلازما عبر أوعية الدم البشري. البلازما في هذه الحالة هي الحالة الرابعة للمادة: الغاز المتأيِّن. مثل تبخّر السائل إلى الحالة الغازية عند غلْيِه، يتحول الغاز إلى بلازما عند تسخينه.
إذا كنت تريد فكرة عن مدى حرارة البلازما، فكِّر في هذا: شمسُنا وسُدُمُنا الكونيّة (سُحُبٌ بين النجوم) وبرقُنا كلّها في حالات البلازما. هذا النوع من الحرارة يمكن أن يسبب ضررًا كبيرًا يتجاوز الإفراطَ في طهي العنب، حيث يمكن أن يؤدي أيضًا إلى تدميرِ أفرانِ ميكروويف، وإلى حرائق، وحتى إلى تلفِ ممتلكاتٍ في الحالات القصوى. لذا، من الأفضل -ربّما- ألّا تحاول إعادة إنشاء نهاية العالَم الصغير هذه في المنزل.
قام الدكتور ديريك مولر، الفيزيائي ومُنشِئ قناة اليوتيوب العلمية "Veritasium"، برفْع مقطع فيديو رائع على المنصة في عام 2011 حيث أظهر وزميلُه الفيزيائي الدكتور ستيف بوسي ظاهرة تحول الفاكهة إلى كرة نارية.
لسوء الحظ، فإن التفسير الذي يقدمه مولر في هذا المقطع حول سبب "انفجار" العنب في الميكروويف ليس مفصلاً للغاية - في ذلك الوقت، لم يكن أحد يعرف سبب حدوث هذه الظاهرة. لكن الأمرَ تغيّر في عام 2019 عندما بدأ بعض العلماء الفضوليين من جامعة إلينوي في أوربانا شامبين بإجراء تجارب من أجل الكشف عن الحقيقة وراء سبب نشوء البلازما عن طريق تسخين العنب بالميكرويف، ونشروا النتائج التي توصلوا إليها في دراسةٍ في مجلة Proceedings of the National Academy of Sciences . وكما ذكروا، "إن تكوين البلازما يرجع إلى البقع/اللطخات الساخنة الكهرمغناطيسية الناشئة عن التفاعل المشترك لتجاوبات Mie الرنينيّة (تجاوبMie الرنيني هو نوع من ظاهرة التبعثر الكهرمغناطيسي يحدث عندما تتآثر موجة كهرمغناطيسية مع جسيمات أكبر من الطول الموجي للموجة) في الكرات المنفردة."
من أجل ترجمة هذا الوصف التقني نقول بأنه عندما يتم طهي العنب شبه المنفصل في الميكروويف، يبدأ الحقل الكهرومغناطيسي لكل قطعة بالتفاعل والتآثر مع الأخرى. يخلق هذا التفاعل طنًا من الطاقة الكهرمغناطيسية حيث تبدأ قشرة العنب التي تربط بين النصفَين والجزيئات الموجودة في المنطقة بالتحرك بسرعة فائقة، مما يخلق بقعةً ساخنة تُشعل شرارة وتؤدي إلى البلازما.
إذن، لماذا يحدث هذا التأثير فقط في الميكروويف؟ ولماذا يحدث ذلك لأنواع مختلفة من العنب؟ قام الدكتور ديريك مولر بعمل فيديو لاحق في عام 2019 ليجيب على كلا السؤالَين. وكما يوضِّح، فإن الموجات المكرويّة تُولِّد الحرارةَ من خلال الإشعاع. داخل الجهاز، تبلغ أطوال موجات الميكروويف التي تدور في الهواء حول العنب حوالي 12 سم، ومع ذلك، فإن الأطوال الموجية داخل العنب أصغر بكثير - حوالي 1.2 سم، وهو ما يعادل مقاسَ الفاكهة تقريبًا.
يمكن أن تؤديَ الاختلافاتُ في الحجم وحقيقةُ أن الضوء يمكن أن ينتقل بسرعة في العنب إلى احتجاز أشعة الميكروويف داخل الفاكهة. يؤدي تسخين العنب في الميكروويف إلى توليد الحرارة من الداخل إلى الخارج، وليس من الخارج إلى الداخل، وهو عكس ما يحدث مثلاً عندما تقوم بتسخين الفطائر الجاهزة من ماركة Hot Pocket في الآلة: حيث يسخن السطح الخارجي أولاً ثم تجد الحرارةُ طريقَها إلى الداخل )ولهذا السبب، في بعض الأحيان، يمكن أن يظلّ الجزءُ الداخلي من الطعام باردًا إذا لم يُمنح الوقت الكافي).
ومع ذلك، عندما تقطع حبة عنب بحيث تغدو مفتوحةً بالكامل تقريبًا، تتمتع الأشعةُ بحريّة الحركة، وتولد الحقولُ الكهرمغناطيسية حرارةً كافية لتأيين الهواء. يمكن لهذه الأيونات المتكوِّنة حديثًا أن تستهلك المزيد من الطاقة (أي تصبح أكثر سخونة)، مما يؤدي إلى حدوث شرارات وإلى تشكّل بلازما ساخنة دخانيّة.
لذا، بدلاً من ذلك، استمتع -ربما في المرة القادمة- فقط بالعنب البارد - فهو أكثر أمانًا.
عائشة