ديرينكويو: المدينة تحت الأرضيّة الغامضة التي تمّ العثور عليها في قبو رجل
ديرينكويو: المدينة تحت الأرضيّة الغامضة التي تمّ العثور عليها في قبو رجل
ADVERTISEMENT

بعد مليارات السنين من التآكل المستمرّ، تبدو منطقة كابادوكيا في وسط تركيا وكأنّها عالم سحريّ في قصّة خياليّة. هنا، ترتفع تلال صخريّة وأبراج حجريّة تسمّى "المداخن الخياليّة" من السهول المتربة في شبه جزيرة الأناضول، بينما تتعرّج الأنفاق الملتفّة في الأسفل. العديد من تلك الأنفاق طبيعيّ. ولكنّ بعضها من صنع الإنسان.

ADVERTISEMENT

في عام 1963، قام رجل تركي بهدم جدار في قبو منزله الواقع في كابادوكيا أثناء تجديده، وفوجئ بالعثور على غرفة أخرى كاملة خلفه. وكشف المزيد من الحفر عن متاهة من الغرف على عمق عدة مئات من الأقدام تحت الأرض.

كانت هذه هي مدينة ديرينكويو تحت الأرضيّة، وهي منحوتة في مادة التوف، وهي نفس الصخور البركانيّة الطريّة التي تنشأ فوق الأرض وتأخذ أشكالاً ساحرة.

إليك كلّ ما تحتاج معرفته حول هذه المدينة القديمة الرائعة، والتي تقع على عمق 300 قدم تقريباً تحت الأرض.

ADVERTISEMENT

أصول مدينة ديرينكويو تحت الأرضيّة:

صورة من flickr

تمتدّ مدينة ديرينكويو حتّى عمق 280 قدماً تقريباً تحت الأرض، وتضمّ ما يصل إلى 18 طابقاً، وهي كبيرة بما يكفي لإيواء 20 ألف شخص. وبينما أُتيح نحو نصف ديرينكويو فقط للزيارة حتى عام 2016، تُظهر المصادر أنّ المدينة تمتدّ عبر شبكة واسعة من الأنفاق والغرف تحت الأرض.

وفقاً لموقع Ancient Origins، فإنّ الأصل الدقيق والغرض من المدينة تحت الأرضيّة غير معروفين. تشير تقديرات وزارة الثقافة التركيّة إلى أنّ بناء المدينة يعود إلى حوالي 2800 سنة مضت، على يد مجموعة من الأشخاص المعروفين باسم الفريجيّين، وهم شعب هندو-أوروبي من العصر الحديديّ اشتهروا بمهاراتهم كمهندسين معماريّين.

وأوضح أندريا دي جيورجي، الأستاذ المساعد في الدراسات الكلاسيكيّة بجامعة فلوريدا الحكوميّة الأمريكيّة، لمحطّة بي بي سي: "كانت الفريجيّون إحدى أبرز الإمبراطوريّات المبكّرة في الأناضول". "لقد نشؤوا في منطقة غرب الأناضول في نهاية الألفيّة الأولى قبل الميلاد وكان لديهم ميل إلى تخليد التكوينات الصخريّة وإنشاء واجهات صخريّة رائعة. وعلى الرغم من كونها قصيرة الأمد، إلّا أنّ مملكتهم امتدّت لتشمل معظم غرب ووسط الأناضول، بما في ذلك منطقة ديرينكويو".

ADVERTISEMENT

ولكن على الرغم من أنّ الفريجيّين ربّما بنوا المدينة في البداية، إلا أنّها وُسِّعت لاحقاً خلال العصر البيزنطيّ، على الأرجح من قبل المسيحيّين الذين كانوا يتجنّبون الاضطهاد الدينيّ.

تدعم الكنائس الموجودة في الطوابق السفليّة من ديرينكويو هذه النظريّة. في الواقع، استُخدمت المدينة وأنفاقها لغرض مماثل في القرن العشرين، عندما عاد أولئك الذين يتجنّبون اضطهاد الإمبراطوريّة العثمانيّة ليختبئوا من جديد تحت سطح الأرض.

ومع ذلك، هناك نظريّات بديلة فيما يتعلّق بأصول ديرينكويو. افترض بعض المؤرّخين أنّ المدينة بناها الحثيّون الأناضول في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، كوسيلة للهروب من أعدائهم. واقترح آخرون أنّ الكهوف تشكّلت في نفس الوقت الذي تشكّل فيه معبد غوبيكلي تيبي (Göbekli Tepe) الغامض، خلال تبرّد درياس الأصغر (Younger Dryas) منذ حوالي 14500 عام.

ADVERTISEMENT

تشير هذه النظريّة إلى أنّه نتيجةً لتفكّك مذنّب داخل الغلاف الجوّيّ للأرض، فإن الغبار والسخام الذي انبعث منه

حجب الشمس لعدّة أشهر، ما قاد العالم إلى عصر جليديّ. ولذلك، بدأ البشر القدماء بالعيش تحت الأرض لتجنّب المناخ البارد في الأعلى.

ربّما ليس من المستغرب أن تأتي نظريّة أخرى لتنسب إنشاء المدينة تحت الأرضيّة إلى كائنات فضائيّة. باختصار، إما أنّ كائناتٍ فضائيّة قامت ببناء المدن تحت الأرضيّة ثمّ هجرتها، أو أنّ البشر أنشؤوها للاختباء من الكائنات الفضائيّة الغازية.

لكنّ هذه النظريّات الأخيرة غير مقبولة بشكل عامّ من قِبل الجزء الأكبر من المجتمع العلميّ.

الحياة داخل مدينة ديرينكويو الجوفية

صورة من Wikimedia

يبدو أنّ الكبادوكيّين عاشوا تحت الأرض حياة مُرضية مثل تلك التي عاشوها في الأعلى. تمّ تجهيز ديرينكويو بمكابس النبيذ والزيت والإسطبلات والأقبية وغرف التخزين وقاعات الطعام والمصليات. من المحتمل أنّه تمّ استخدام عمود تهوية ضخم يبلغ ارتفاعه 180 قدماً كبئر، كما أنّ العشرات من أعمدة التهوية الأخرى جلبت الأكسجين إلى أولئك الذين يعيشون في الأسفل.

ADVERTISEMENT

وبحسب ما ورد، كان في ديرينكويو مدارس دينيّة ودراسات للطلّاب. في الطابق السفليّ كانت توجد كنيسة صليبيّة الشكل منحوتة مباشرة في الصخر.

تمّ تصميم كلّ مستوى من مستويات المدينة بدقّة لاستخدام محدّد. في المستويات العليا، كان الكبادوكيّون يربّون الماشية لتجنّب الغازات السامّة والرائحة التي تنتجها الماشية قدر الإمكان. وكانت الماشية أيضاً بمثابة طبقة عازلة حيّة، وهو ما كان يساعد في إبقاء المدينة دافئة في الأشهر الباردة.

تحتوي الطبقات الداخليّة للمدينة على العديد من المرافق، بما في ذلك المنازل والأقبية والمدارس ومناطق للاجتماعات وحتى مصنع نبيذ. يبدو أنّ ديرينكويو لم تكن تُستخدم كمأوى مؤقّت؛ بل كان أولئك الذين سكنوا كهوفها مجهّزين لقضاء أشهر أو حتّى سنوات في الداخل.

لكنّ المدينة لم تكن خالية من العيوب. فبسبب وجودها تحت الأرض، كان من الصعب زراعة المحاصيل، وكان عدم وجود نظام سباكة يعني أنّ معظم سكّان ديرينكويو اضطرّوا لقضاء حاجتهم في جرار فخّاريّة.

ADVERTISEMENT

كيف كان العيش تحت الأرض يحمي سكان ديرينكويو

صورة من Wikimedia

كانت ديرينكويو تؤدّي أيضاً غرضاً دفاعيّاً استراتيجيّاً. فالممرّات الضيّقة صعّبت على الغزاة السير في تشكيلات، وكان من السهل على السكان استخدام أبواب حجريّة ثقيلة لإغلاق الممرّات. من جهة أخرى، كانت الإضاءة

الخافتة لتجعل من الصعب على الغزاة الرؤية، في حين أنّ أولئك الذين يعيشون في المدينة تحت الأرض كانوا أكثر دراية بظلامها.

من المحتمل أن تكون هذه المزايا هي التي جعلت الفريجيّين القدماء أوّل من عاش تحت الأرض، ثمّ ــــــ لاحقاًـــــ حلّ محلّهم الفرس ومسيحيّو العصر البيزنطيّ وغيرهم ممّن يبحثون عن الأمان تحت الأرض.

تفيد تقارير IFLScience أنّه في عام 1909، ربّما تكون المذبحة التي راح ضحيّتها حوالي 30 ألف أرمنيّ مسيحيّ في مدينة أضنة هي التي دفعت المسيحيّين الكبادوكيّين تحت الأرض من جديد. في عام 1923، طُرد معظم المسيحيّين من المنطقة في تبادل سكّانيّ بين اليونان وتركيا، في محاولة للتخلّص من الأقلّيّات الدينيّة في كلّ من البلدين.

ADVERTISEMENT

بعد ذلك، بقيت ديرينكويو دون إزعاج حتّى عام 1963، عندما أُعيد اكتشاف المدينة تحت الأرضيّة المذهلة في وسط تركيا وتمّ تسليط الضوء عليها أخيراً.

 ياسمين

ياسمين

آخر تحديث:

14.08.2026

ADVERTISEMENT
الأبراج لا تنقل الكهرباء بالطريقة التي يظنها معظم الناس
الأبراج لا تنقل الكهرباء بالطريقة التي يظنها معظم الناس
ADVERTISEMENT

يهيمن برج نقل الكهرباء الفولاذي على ما حوله، فتبدو الأسلاك المعلقة به كأنها أجزاء ثانوية. إلا أن التيار يسري في موصلات الخط الممتدة بين الهياكل، بينما يرفعها البرج ويحافظ على مواقعها. وتفصل العوازل بين الطرفين حتى لا يصبح الإطار المعدني جزءًا من المسار المكهرب أثناء التشغيل العادي.

ADVERTISEMENT

على Unsplash

تصف هيئة المرافق العامة في كاليفورنيا العوازل بأنها أجزاء تسند موصلات الخط، وتوضح شركة Xcel Energy أن مصطلحات الموصلات والأسلاك والخطوط الهوائية تشير عادة إلى أسلاك الجهد العالي المعلقة في الأعلى. هذا هو مفتاح قراءة ما تراه: الحجم الظاهر للبرج يعكس عبئه الإنشائي، ولا يحدد الجزء الذي ينقل الطاقة الكهربائية.

البرج دعامة ميكانيكية للخط

يرفع البرج الموصلات بعيدًا عن الأرض، ويحافظ على المسافات بينها، ويتحمل وزنها وشدها. كما ينبغي أن يبقى ثابتًا أمام الرياح والحرارة والجليد والجاذبية؛ فاختلال موضع الأسلاك قد يجعلها تترهل أو تتأرجح أو تقترب من جسم لا ينبغي أن تلامسه.

ADVERTISEMENT

أما الموصل فهو مادة مخصصة لمرور التيار الكهربائي. وفي خطوط النقل الهوائية الكبيرة، تراه على هيئة كابل ممتد من هيكل إلى آخر. قد يحمل البرج عدة موصلات موزعة على أذرع عرضية، وقد يتكون موصل الطور الواحد في بعض التصاميم من حزمة أسلاك، لكن وظيفته الكهربائية لا تنتقل إلى الدعامة التي تحمله.

بين الكابل والهيكل توجد عادة سلسلة من القطع القرصية أو قطعة طويلة صلبة. تؤكد إدارة السلامة والصحة المهنية الأمريكية أن من وظائف العازل فصل الموصلات المكهربة عن الأعمدة أو الأبراج. وهو يؤدي وظيفتين متلازمتين هنا: يحمل السلك ميكانيكيًا ويمنع اتصال مساره الكهربائي المباشر بالمعدن.

يمكنك لهذا أن تقسم أجزاء الخط بصريًا إلى مجموعتين. تضم الأولى البرج والأذرع العرضية والقطع المعدنية التي تضبط الارتفاع والتباعد. وتضم الثانية الموصلات الممتدة بين الأبراج، مع عوازل عند نقاط تثبيتها. هذه القراءة تفسر لماذا لا يستقر الكابل الحي مباشرة على فولاذ عارٍ.

ADVERTISEMENT

لماذا يؤدي العمود الخشبي المهمة نفسها؟

يكشف عمود التوزيع الخشبي أن مادة الدعامة ليست ما ينقل الكهرباء. يستطيع الخشب أو الفولاذ أو الخرسانة إبقاء الموصل في موضعه، بشرط أن تلائم الدعامة الأحمال المطلوبة وأن يحافظ تجهيز الخط على الفصل الكهربائي المناسب. تختلف مستويات الجهد والمكونات، لكن الوظيفة الأساسية للدعامة لا تتغير.

تظهر الفكرة بوضوح إذا تخيلت أنك تجلس عند معبر سكة حديد ومعك طفل ينظر إلى الخطوط. قد يشير إلى البرج لأنه أكبر جسم أمامه ويظن أنه يحمل الكهرباء كلها. وجّه نظره عندئذ إلى نقطة التثبيت: السلك لا يلتقي بالفولاذ مباشرة، بل تتوسطهما سلسلة العوازل.

يمكن تشبيه السلك بطريق التيار، والعازل بمباعد يمنع ذلك الطريق من الاتصال بالإطار، والبرج بالهيكل الذي يرفع الطريق في الهواء. يفيد التشبيه في تحديد وظيفة كل جزء من دون أن يوحي بأن البرج خال من المخاطر أو صالح للمس؛ إنه وصف لترتيب الخط في التشغيل المعتاد.

ADVERTISEMENT

المعدن قادر على التوصيل، لكنه ليس المسار المقصود

الفولاذ موصل للكهرباء، ولذلك يجب إبقاء الموصل الحي منفصلًا عنه. فالقدرة المادية على تمرير التيار لا تجعل الجسم جزءًا من الدائرة المصممة لنقل الطاقة. مفتاح الربط والسياج وسكة الحديد أجسام معدنية قادرة على التوصيل أيضًا، مع أنها ليست موصلات خط نقل.

عند حدوث عطل أو في ظروف غير طبيعية، قد يصل التيار إلى أجزاء من الهيكل. ومن أسباب تأريض الأبراج توفير مسار مرتبط بالأرض لهذه الحالات، بينما يبقى الهدف في التشغيل العادي فصل الموصلات المكهربة عن البرج. فالعزل والتأريض يؤديان مهمتين مختلفتين: الأول يمنع الاتصال المقصود، والثاني يتعامل مع الهيكل المعدني والظروف التي قد ترفعه عن جهد الأرض.

تنطبق هذه الصورة على خطوط النقل والتوزيع الهوائية، مع اختلاف التفاصيل بحسب الجهد والتضاريس وتصميم شركة المرافق. فقد تتغير أشكال العوازل، وترتيبات الأذرع، وعدد الموصلات أو طريقة تجميعها. ولا يمكن استنتاج حالة خط بعينه أو جهده من شكل البرج وحده.

ADVERTISEMENT

اقرأ الخط من نقاط اتصاله

عندما ترى برجًا أو عمودًا من مكان آمن، افحصه بصريًا في ثلاث مراحل. أولًا، تتبع الأسلاك الممتدة نحو الهيكل التالي؛ فهي المرشحة لأن تكون موصلات الخط. ثانيًا، ابحث عند نهاياتها عن العوازل أو نقاط التعليق التي تبقيها بعيدة عن الإطار. ثالثًا، صنف البرج أو العمود ضمن عناصر الدعم ما لم يظهر في التجهيز ما يدل على وظيفة أخرى.

ينجح هذا الفحص مع برج النقل الكبير والعمود المعتاد على الطريق لأنه يبدأ من الوصلات، لا من حجم الهيكل أو مادته. فعند نقطة الاتصال تستطيع رؤية الموصل والعازل والدعامة بوظائفها المنفصلة.

أوسكار

أوسكار

آخر تحديث:

21.09.2026

ADVERTISEMENT
القاعدة الخفية التي تنظّم الواجهة المتناظرة لهذا المسجد الجامع
القاعدة الخفية التي تنظّم الواجهة المتناظرة لهذا المسجد الجامع
ADVERTISEMENT

ما يبدو مبهراً بسبب تناظره يخضع لقاعدة أشد صرامة: مركز ذو ثقل واضح، تحيط به أقواس وقباب وفواصل تتكرر في طبقات متدرجة. حين تتتبع هذه الطبقات، لا تعود واجهة المسجد مجرد نصفين متطابقين؛ بل تراها منظومة توجّه العين من الكتلة الكبرى إلى أدق المسافات.

هذه واجهة مسجد بيت الرحمن الكبير

ADVERTISEMENT

في باندا آتشيه بإندونيسيا. وبحسب متحف آتشيه، ترجع أصول المسجد إلى القرن السابع عشر وعهد السلطان إسكندر مودا. دُمّر المسجد السابق خلال حرب آتشيه، ويذكر الموقع الرسمي للسياحة الإندونيسية أن بناء الهيئة الجديدة بدأ عام 1879 واكتمل عام 1881، ثم غيّرت توسعات لاحقة المجمع مرة أخرى. هذه التواريخ تفسر لماذا تنتمي الواجهة المعروفة اليوم إلى مشروع إعادة بناء مقصود، لا إلى مبنى بقي على حاله منذ نشأته الأولى.

تصوير Afdhal N. على Unsplash
ADVERTISEMENT

التناظر وحده لا يشرح توزيع الثقل

تبدأ القراءة الأكثر بداهة من تطابق اليسار واليمين، وهو ما يمنح المبنى قدراً من الاستقرار. غير أن مباني كثيرة تتقابل أجزاؤها على نحو مرآتي ثم تبدو جامدة أو مسطحة، خصوصاً حول المحور الأوسط. في بيت الرحمن، تعمل الأشكال المتقابلة ضمن مراتب متفاوتة، فتظل العين تعثر على النظام في المقاييس الكبيرة والمتوسطة والصغيرة.

تخيل شبكة سجادة صلاة: تدرك الحقل كله أولاً، ثم إطاره الرئيسي، ثم الوحدات الأصغر المتكررة داخله. بالطريقة نفسها، تدرك في الواجهة كتلتها العامة قبل أن تنتبه إلى الأقواس والقباب والفواصل. التعشيق بين هذه المستويات هو الذي يمنع التناظر من التحول إلى سطح ساكن.

ابدأ من المركز؛ فالواجهة تقودك إليه

القاعدة البصرية الأولى هي الكتلة المركزية. الجزء الأوسط يملك أكبر قدر من الثقل، ليس لمجرد وقوعه على المحور، وإنما لأن العناصر المحيطة مرتبة بحيث تسنده. الأقواس الجانبية لا تنافسه، والقباب تتدرج حوله، والمسافات بين الفتحات تحافظ على اتجاه الحركة نحوه.

ADVERTISEMENT

يمكنك اختبار ذلك بعزل كل مستوى في نظرك. ابدأ بالمركز، ثم انتقل إلى الأقواس الجانبية، وبعدها قارن أحجام القباب، وأخيراً راقب المسافة بين كل فتحة وأخرى. ستجد أن العين تتحرك إلى الخارج ثم تعود إلى الوسط؛ فالتركيب لا يضع مركزاً وحيداً ويترك بقية السطح بلا صلة به.

هذه العودة ليست نتيجة عنصر منفرد. القبة المركزية وحدها لا تكفي، كما أن المحور الهندسي لا يكفي. ما يصنعها هو تعاون الحجم والموضع والتكرار، بحيث تؤدي كل طبقة وظيفة مختلفة داخل النظام نفسه.

ماذا يحدث إذا اختل عنصر واحد؟

تخيل أن إحدى القباب صارت أصغر من نظيرتها، أو أن فتحة قوس انزاحت قليلاً، أو أن فجوة واحدة اتسعت أكثر من بقية الفجوات. سيبقى المخطط العام قابلاً للتعرف، لكن حركة العين ستتعثر عند موضع الخلل لأن إحدى الوحدات خرجت من المرتبة التي تنتمي إليها.

ADVERTISEMENT

جرّب الاختبار مرة ثانية بحذف قبة واحدة من التسلسل. سيؤثر الغياب في العلاقة بين السقف والوسط والأطراف، لا في جانب واحد فقط. وكذلك يفعل القوس المنزاح: إنه يقطع النبض الذي يصل الفتحات بعضها ببعض، ثم يضعف الطريقة التي تسند بها تلك الفتحات الكتلة المركزية.

لا تحل هذه القراءة محل التحليل الشكلي الذي يجريه المعماري، لكنها تمنحك وسيلة مباشرة لفهم سبب استقرار واجهة واضطراب أخرى. أنت لا تبحث عن التطابق وحده؛ بل تراقب ما إذا كانت العناصر المتقابلة تحتفظ بأحجامها ومواضعها ومسافاتها داخل التسلسل.

الأقواس تصنع الطبقة الوسطى

تتجه الأنظار عادة إلى القباب لأنها أكثر رسوخاً في الذاكرة، إلا أن الأقواس تقوم بعمل التثبيت اليومي للواجهة. فتحاتها المتكررة تشغل الطبقة الواقعة بين كتلة المبنى العامة وتفاصيله الصغيرة، ولذلك تربط المقياسين من دون قفزة بصرية حادة.

ADVERTISEMENT

لو اقتصرت الواجهة على مركز كبير تحيط به الزخارف، لبدا أثرها أثقل وأقل انتظاماً. الأقواس المتباعدة بمقادير متقاربة تمنح السطح إيقاعاً يمكن للعين متابعته من فتحة إلى أخرى. تستطيع أن تشعر بالعدد والتتابع من غير أن تتوقف للعد الفعلي.

ومع ذلك، لا تلغي كثرة الأقواس المركز. تكرارها يهدئ امتداد السطح، بينما يحافظ اختلاف المرتبة بين الوسط والجوانب على اتجاه النظر. هنا تعمل القاعدة الخفية بوضوح: تتكرر الوحدة، لكن موقعها داخل الكل يمنعها من أن تصبح قابلة للتبديل مع كل وحدة أخرى.

القباب موزعة كمراتب لا كصف واحد

لا تُقرأ القباب على خط السقف كوحدات متساوية منسوخة الواحدة بعد الأخرى. الأشكال الأكبر والأكثر سيطرة تمسك بالوسط، وتساندها أشكال أصغر مرتبطة بالأجزاء الخارجية. إنها تستخدم لغة معمارية واحدة، مع اختلاف الحجم والدور.

ADVERTISEMENT

لهذا لا يبدو السقف صفاً من الأغطية المنفصلة. كل قبة تستمد موقعها البصري من علاقتها بما يجاورها وبالمحور الذي تنتظم حوله. إذا سُوّيت الأحجام والمراتب، فسيظل التكرار موجوداً، لكن السقف سيفقد اتجاهه الواضح من المركز إلى الأطراف.

تكمل الفواصل هذه البنية. المسافات المضبوطة بين الفتحات والعناصر الرأسية تمنع تراكم التفاصيل في منطقة وفراغها في أخرى. وحين يثبت التباعد، تستطيع العين الانتقال عبر الواجهة بإيقاع متوقع؛ أما الفجوة الشاذة فتلفت الانتباه إلى نفسها وتقطع ذلك الانتقال.

هل يكفي الحجم والتباين لتفسير الأثر؟

يمكن الاعتراض بأن استجابة المشاهد ترجع إلى حجم المسجد، والتباين بين أسطحه، والعناية بمظهره. لهذه العناصر أثر واضح؛ فالسطح النظيف والتباين القوي يجعلان الحدود والأشكال أسهل قراءة.

لكن تخيل بقاء الحجم والتباين كما هما مع تغيير المسافات بين الأقواس أو تسوية القباب إلى وحدات متطابقة. ستظل الواجهة كبيرة وواضحة، إلا أن العين ستفقد المسار الذي ينقلها بين المركز والجوانب. يفسر الحجم حضور المبنى، في حين يفسر ترتيب العناصر كيفية توزع هذا الحضور على الواجهة.

ADVERTISEMENT

اقرأ واجهة أخرى بالترتيب نفسه

حين تقف أمام واجهة عظيمة، تجاوز عبارة «إنها متناظرة» وتتبع ثلاثة أمور بالترتيب:

  1. حدد الموضع الذي يثبت فيه المركز، ثم لاحظ العناصر التي تعيد توجيه النظر إليه.
  2. انتقل من الكتلة العامة إلى الأقواس والقباب والتفاصيل الأصغر، وتحقق من استمرار النمط عبر المقاييس المختلفة.
  3. قارن المسافات بين الفتحات والعناصر الرأسية؛ فالفجوة المنضبطة تحفظ الإيقاع، بينما تكشف الفجوة الشاذة موضع انقطاعه.
أنزيلم

أنزيلم

آخر تحديث:

15.09.2026

ADVERTISEMENT