قد يجعل ضوء الشمس بعض الصفحات المطبوعة تبدو أدفأ، بل وأكثر إرضاءً للعين، لكن ذلك بصري فقط ولمدة محدودة؛ وهذا ليس من باب العاطفة، بل من كيمياء الورق، ومن المفيد أن نفهمه بشروطه الخاصة.
وبجوار واجهة العرض، هذا هو الجزء الذي أجد نفسي أشرحه في أغلب الأحيان: فالصفحة ذات اللون الهادئ ليست دائمًا صفحة بهت لونها بفعل التبييض الضوئي. أحيانًا يكون ما تقرؤه العين على أنه عمق أو غنى لوني ناتجًا من تغير في الورق نفسه، مع تغير في الطريقة التي يستقر بها الحبر فوقه.
قراءة مقترحة
لنبدأ بالصيغة الأبسط. فمعظم أوراق الكتب القديمة لا تميل إلى الدفء لأن الشمس أزالت لونها على نحو متساوٍ. بل كثيرًا ما تميل إلى الدفء لأن بعض عناصر كيمياء الورق تغمق أو تصفر أسرع من غيرها.
كثير من الورق الحديث والرخيص يحتوي على اللِّغنين، وهو مكوّن طبيعي في الخشب. واللِّغنين أحد الأسباب التي تجعل الورق ينحرف مع الزمن وتحت تأثير الضوء والهواء من الأبيض إلى الكريمي أو الأسمر الفاتح أو الأصفر. ولو كنت سترسم هذا على إيصال ورقي، لرسمت ورقة بيضاء ثم أضفت إليها مسحة كهرمانية خفيفة على كامل السطح، بدلًا من أن تمحو لونها.
وللسليلوز دور مهم أيضًا. فالسليلوز هو الليف البنيوي الأساسي في الورق، ويتغير مع تأكسده. وفي عام 2012، وصف أ. موسكا كونتي وزملاؤه، في دورية Physical Review Letters، اصفرار الورق بأنه أثر قابل للقياس ومرتبط بالأكسدة في السليلوز. وتنبع أهمية ذلك من أنه يبيّن أن تغير اللون ليس مجرد انطباع رومانسي، بل عملية فيزيائية يمكن تتبعها.
ثم تؤدي العين دورها بدورها. فحين تخفت حدة بياض الصفحة، قد يبدو النص الأسود المطبوع أعمق بالمقارنة. لم يصبح الورق أفضل. وإنما تبدل توازن التباين، فتقرأ العين تلك الخلفية الأهدأ مع الحروف التي تبدو أغمق على أنها مظهر معتّق ومريح للقراءة، بل جميل أحيانًا.
يدفع الضوء والهواء اللِّغنين في الورق بعيدًا عن البياض الساطع، في اتجاه الكريمي أو الأسمر الفاتح أو الأصفر.
يتغير أيضًا الليف البنيوي الرئيسي في الورق بفعل الأكسدة، مما يجعل تحول اللون عملية فيزيائية قابلة للقياس.
كلما فقدت الصفحة شيئًا من سطوعها الحاد، بدت الخلفية ألين وأكثر دفئًا.
قد يبدو النص أغمق بالمقارنة، فتقرأ العين الصفحة على أنها هادئة ومحببة.
هل سبق أن لاحظت أن الصفحة تبدو أدفأ بعد أن تمضي وقتًا في الضوء؟
هنا تحديدًا يظن كثير من القراء أنهم يتوهمون الأمر. وغالبًا ليس الأمر كذلك. فما يبدو توهجًا لطيفًا يكون في كثير من الأحيان استجابة العين لاصفرار انتقائي، وتغيرات طفيفة في السطوع، وانتقال أكثر نعومة بين الورق والحبر.
وقد توجد علامة أخرى، وليست بصرية أصلًا. فالورق القديم قد يحمل أحيانًا رائحة خفيفة تشبه الفانيلا، لأن تحلل اللِّغنين ينتج مركبات من بينها الفانيلين. وهذه اللمحة العطرية مفيدة لأنها تذكّرك بأن شيخوخة الكتب كيميائية بقدر ما هي بصرية؛ فالصفحة لا تكتسب مجرد مزاج أو هالة.
ولو أردت رسم مخطط هنا، لكان بسيطًا جدًا: سهم للضوء والأكسجين وهما يؤثران في الورق، وسهم للاصفرار، وسهم للعين وهي ترى تباينًا أقوى. واللحظة الكاشفة هنا هي أن الصفحة قد تبدو أدفأ لا لأنها شُحبت حتى غدت باهتة، بل لأنها مالت إلى الكريمي فيما بقيت الطباعة متماسكة.
وهنا لا بد من الحد الفاصل الصريح: فالشمس تظل مضرة بالكتب في المحصلة. فالجاذبية البصرية قصيرة الأمد والحفظ طويل الأمد مسألتان مختلفتان، ولا ينبغي الخلط بينهما.
يسرّع الضوء، ولا سيما الأشعة فوق البنفسجية، التفاعلات الكيميائية التي تُضعف الورق مع مرور الوقت. وقد تبدو الصفحة جميلة، بينما تكون في الوقت نفسه ماضية نحو الهشاشة، وتغميق الحواف، وفقدان المتانة. ويهتم المرممون بالشق الثاني من المسألة، لأن الصفحة التي تبدو حسنة لكنها تتشقق عند تقليبها تظل صفحة متضررة.
والتمييز المفيد هنا هو بين صفحة اكتسبت نغمة دافئة، وصفحة بدأت تفقد متانتها البنيوية.
تنتقل الصفحات من الأبيض إلى الكريمي الدافئ، ويظل النص واضحًا، وتبقى الورقة قابلة للثني بسهولة، ولا تحمل الهوامش إلا مسحة عسلية خفيفة.
تغدو الصفحات أغمق، لكنها تجف أيضًا عند الحواف، وتتصلب قرب الزوايا، وتصبح مهيأة للتقصف في المواضع التي كان التعرض للضوء فيها أشد.
وهذا هو التمييز الذي يستحق أن يُحفظ. فالطبقة المعتقة تتعلق في معظمها بالنغمة اللونية والتباين. أما الضرر فيظهر في البنية: هشاشة، وحواف مسحوقية، وأشرطة داكنة واضحة على الأطراف، وتموجات من الحرارة أو الرطوبة، وورق لم يعد ينثني جيدًا.
اجعل الكتاب نفسه أداة للمقارنة. انظر إلى الحواف الخارجية للصفحات، ثم إلى الهوامش الداخلية قرب الكعب، ثم إلى أي موضع كان قد غطاه يومًا فاصل كتب، أو رسالة، أو ورقة مطوية في الداخل. فإذا كانت الأجزاء المكشوفة أدفأ لونًا بينما بقي الموضع المغطى أفتح، فأنت ترى كيف غيّر الضوء النغمة اللونية.
ثم المس الصفحة برفق واقلب ورقة واحدة. فإذا كانت الورقة لا تزال تنثني بسهولة وكان تغير اللون متقاربًا إلى حد كبير، فأنت على الأرجح أمام أثر العمر والتعرض الذي صنع طبقة معتقة أكثر من كونه ضررًا نشطًا. أما إذا كان ملمسها مقرمشًا على نحو سيئ، أو انكسرت عند الزاوية، أو ظهرت عليها خطوط بنية حادة عند الحواف، فاعتبر ذلك ضررًا حتى لو بدا اللون جميلًا.
في المرة المقبلة التي تلتقط فيها كتابًا قديمًا، قارن بين الحافة الخارجية والهامش الداخلي وأي موضع كان مغطى من قبل، ثم ثق بمرونة الصفحة بقدر ثقتك بلونها.