قبل القوائم الموسيقية، كان الراديو الطاولي المحمول أسرع صلة في الغرفة بالعالم

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

كان الراديو المنزلي الموضوع على الطاولة في وقتٍ ما أسرع صلة يومية تملكها معظم الأسر بالأحداث البعيدة، وبحلول عام 1930 كان قد أصبح شائعًا في الولايات المتحدة إلى حدٍّ جعله يُحصى في التعداد الوطني كما تُحصى السباكة أو المعدات الزراعية.

هذا هو الجانب الذي ينساه الناس حين ينظرون إليه اليوم. فالصندوق الخشبي، والقماش الذي يغطي مكبر الصوت، والقرص الدائري قد تجعل منه في الظاهر قطعة منزلية ساحرة. لكن هذا الصندوق الصغير أدّى، بالنسبة إلى ملايين الأسر، وظيفة حديثة شاقة: فقد كان يجلب الأصوات والأحداث العاجلة إلى داخل البيت أسرع من البريد، وأسرع من جريدة الصباح، وأسرع من انتقال الأخبار من شرفة إلى شرفة.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

صورة بعدسة شكيب عزّامان على Unsplash

لم يكن في المقام الأول قطعة للزينة، بل كان سرعة.

وهنا خلاصة الأمر ببساطة. قبل أن يستقر التلفزيون في غرفة المعيشة، وقبل زمن طويل من حمل الهواتف للعناوين الإخبارية في جيوبنا، كان الراديو المنزلي الموضوع على الطاولة يضغط الزمن. خطاب في واشنطن، أو مباراة بيسبول في سانت لويس، أو تقرير عن الأسواق، أو إنذار بعاصفة، أو حفل موسيقي، أو نتائج انتخابات، كل ذلك كان يمكن أن يصل بينما كان لا يزال يحدث.

40.3%

بحلول عام 1930، كان نحو 40.3 بالمئة من الأسر الأمريكية يملك بالفعل جهاز راديو، مما يوضح مدى السرعة التي أصبح بها الراديو جزءًا من الحياة العادية.

وقد رصد تعداد الولايات المتحدة لعام 1930 ملكية أجهزة الراديو في أنحاء البلاد، وهو ما يبيّن مدى السرعة التي صار بها هذا الجهاز جزءًا من الحياة العادية. ففي ذلك العام، كان نحو 40.3 بالمئة من الأسر الأمريكية يملك جهاز راديو. وعلى امتداد بقية العقد، واصلت نسبة الاقتناء الارتفاع. وقد لخّصت PBS وHistory Detectives هذا التحول بالقول إن ملكية أجهزة الراديو ارتفعت من نحو 12 مليون أسرة في بداية ثلاثينيات القرن العشرين إلى أكثر من 28 مليونًا بحلول عام 1939.

ADVERTISEMENT

هذا هو حجمه الحقيقي. صوت حيّ، في اللحظة نفسها، في بيوت كثيرة، من دون انتظار النسخة المطبوعة في اليوم التالي. لم تعد الأخبار مضطرة إلى الانتقال من بيت إلى بيت. ولم يعد الترفيه يتطلب شراء تذكرة. ولم تعد الأحداث العامة محصورة في المدينة التي تقع فيها لكي تبقى عامة.

وإذا أردت اختبارًا من حياتك أنت، فسمِّ الشيء الواحد في منزلك الذي يتجه إليه الجميع تلقائيًا عند ورود خبر عاجل أو عند لحظة انتباه مشتركة. قد يكون تلفازًا. وقد يكون شخصًا واحدًا يمسك هاتفًا ويقرأ التحديثات بصوت عالٍ. وعلى امتداد مرحلة معتبرة من القرن العشرين، كان الراديو يشغل هذا الموقع.

ما الذي جعل هذا الصندوق يبدو غريبًا على نحو يكاد لا يُصدَّق

لم يكن ما بدا غريبًا هو الشيء نفسه فحسب، بل السلسلة التي حوّلت الأحداث البعيدة إلى صوت منزلي فوري.

ADVERTISEMENT

كيف ضغط الراديو المنزلي الموضوع على الطاولة المسافة

1

كانت المحطات تبث وفق جدول زمني

كانت البرامج تُرسل عبر الأثير في أوقات محددة بدلًا من انتظار طباعتها وتوزيعها لاحقًا.

2

كانت الأسر تضبط الاستماع بواسطة جهاز استقبال بسيط

كان يمكن لجهاز يوضع على الطاولة أن يبقى جاهزًا داخل المنزل ويُستخدم بلفّة بسيطة للمقبض.

3

كانت موجات الأثير تتحول إلى صوت يملأ الغرفة

كان الناس يسمعون الكلمات والأحداث وهي تقع، لا بعد أن تحملها المطبوعات أو تتناقلها الألسن.

قد يبدو ذلك عاديًا الآن لأننا نعيش داخل عالم الإرسال الفوري. أما في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، فقد كان صدمة منزلية. كان يمكن لأسرة أن تجلس إلى العشاء، وفي الوقت نفسه تكون حاضرة، بمعنى حقيقي، في خطاب سياسي أو مباراة نهائية تُقام بعيدًا عنها. لم يُلغِ الراديو المسافة على الخريطة، لكنه ألغى التأخر في الحياة اليومية.

ADVERTISEMENT

وكان لموضع الجهاز أهمية أكبر مما يلاحظه الناس غالبًا. فالراديو المنزلي الموضوع على الطاولة كان يجلس عادة في المكان الذي يمر فيه الناس أصلًا ويتوقفون عنده: في المطبخ، أو الصالون، أو غرفة المعيشة، أو قرب باب، أو على طاولة جانبية، أو على رف بارتفاع يسمح بتشغيله واقفًا. لم يكن يُخفى بعيدًا كأنه تذكار. بل كان يُوضَع حيث يستطيع أحدهم تشغيله من أجل تقارير الزراعة صباحًا، والموسيقى بعد الظهر، والأخبار ليلًا، فيما يبقى الآخرون ضمن نطاق السمع.

لماذا كان موضعه داخل البيت مهمًا

الموقعلماذا كان مناسبًاالاستخدام المعتاد
المطبخ أو قرب الطاولةكان الناس يتجمعون هناك أصلًا، ويأكلون، ويتنقلون في المكانتقارير الصباح، والأعمال المنزلية، والحديث المشترك
الصالون أو غرفة المعيشةكانت الأمسيات تجمع المستمعين هناك بطبيعتهاالموسيقى، والخطابات، والأخبار ليلًا
قرب الباب، أو على طاولة جانبية، أو على رف بارتفاع مناسبيسهل تشغيله في موضع تمر فيه الحركةتحديثات سريعة فيما يظل الآخرون ضمن نطاق السمع
ADVERTISEMENT

تخيّل منطق البيت، لا طراز الخزانة. كان الراديو يؤدي وظيفته على أفضل وجه في ممر للحركة. ففي منزل ما، قد يوضع قرب طاولة المطبخ لأن ذلك هو المكان الذي تلتقي فيه وجبة الفطور والأعمال المنزلية والحديث. وفي منزل آخر، قد يوضع في الصالون لأن الأمسيات تجتمع هناك. الفكرة لم تكن مجرد امتلاكه، بل وضعه حيث يستطيع الصوت أن يلتقط أكثر من شخص في آن واحد.

هذا الصندوق الصغير تفوّق على الرسائل والصحف وتناقل الأخبار شفهيًا.

وهنا نقطة التحول. فما إن ترى الراديو المنزلي الموضوع على الطاولة باعتباره آلة سرعة للبيت، حتى تتضح قوته الاجتماعية. لم يكن مجرد إضافة شيء من الترفيه إلى الغرفة. بل كان يزامن الغرفة مع أماكن خارجها. رئيس يتحدث، أو مذيع يعلن نتيجة، أو موسيقي يؤدي في استوديو بعيد، كان يمكن لكل واحد منهم أن يدخل آلاف البيوت ضمن الشريحة نفسها من الزمن.

ADVERTISEMENT

لماذا غيّرت تلك السرعة الحياة اليومية

السرعة في ذاتها حقيقة تقنية. أما السرعة في غرفة مشتركة فتغدو حقيقة اجتماعية. ولأن الراديو كان يُوضَع غالبًا في مساحة مشتركة، فإن الناس لم يكونوا يتلقون المعلومات فحسب؛ بل كانوا يتلقونها معًا. وكانوا يتفاعلون معها معًا أيضًا: ضحكة، أو قلق، أو جدال حول ما قيل للتو، أو طفل يُطلب منه أن يصمت لأن النشرة بدأت.

وهذا ما جعل الراديو مختلفًا عن الصحيفة حتى حين كان الاثنان يحملان الحدث نفسه. فالصحيفة يمكن طيّها، والاحتفاظ بها لوقت لاحق، وقراءتها على انفراد. أما البرنامج الإذاعي فكان يصل في وقته هو، ويجمع الناس داخل ذلك الوقت. لم تكن الأسرة تملك مجرد آلة، بل كانت تعيد ترتيب نفسها وفق جدول من الأصوات الآتية من مكان آخر.

يمكنك أن تسمع السرعة المنزلية في ذلك الترتيب. لم يعد العالم الخارجي ينتظر بأدب عند عتبة الباب حتى يخرج أحد لجلبه. لقد صار يعبر مباشرة فوق طاولة المطبخ. وبالنسبة إلى الأسر العادية، كان ذلك شرطًا جديدًا من شروط الحياة.

ADVERTISEMENT

كان هذا الاتصال قويًا، لكنه لم يكن متكافئًا

كان انتشار الراديو وطنيًا، لكن التجربة نفسها لم تكن متساوية.

⚖️

لماذا لم يكن الوصول إلى الراديو متكافئًا

اختلف انتشار الاقتناء بين عامي 1930 و1950 بحسب المنطقة والعرق، وكانت عدة ظروف تحدد من يستطيع الاتصال أبكر وبصورة أكثر موثوقية.

الدخل

كان شراء الجهاز يعتمد أولًا على ما إذا كانت الأسرة قادرة على تحمّل كلفته.

الكهربة والجغرافيا

كان توافر الكهرباء وقوة الإشارة يحددان ما إذا كان بالإمكان استخدام الراديو جيدًا وسماعه بوضوح.

العرق والفصل العنصري

أثرت الحواجز الاجتماعية في من نال الوصول أبكر، وفي ظروف أفضل، وبخدمة أكثر موثوقية.

مركزية سلطة البث

كان في وسع عدد قليل من الشبكات والمحطات أن يشكّل ما يسمعه ملايين الناس في الساعة نفسها.

وهذا مهم لأن عبارة «كانت الأمة كلها تجتمع حول الراديو» قد تبدو أشمل مما كانت عليه في الواقع. ففي بعض الأماكن، انتشر الجهاز بسرعة؛ وفي أماكن أخرى، تأخر. وبالنسبة إلى بعض الأسر، صار وجوده عاديًا في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين. أما أسر أخرى، فجاءها هذا الوصول لاحقًا أو في ظروف أسوأ. إنها قصة وطنية، لكنها ليست متساوية تمامًا.

ADVERTISEMENT

وثمة تصحيح آخر أيضًا. فقد كان الراديو قادرًا على وصل الأسر بعضها بعالم أوسع، لكنه كان قادرًا كذلك على تركيز السلطة. إذ كان بوسع عدد قليل من الشبكات والمحطات أن يصوغ ما يسمعه الملايين في الساعة نفسها. وهذا ما جعل الوسيلة مثيرة ومفيدة، وأحيانًا ضابطة، في آن واحد.

ولا يضعف أي من ذلك الفكرة الأساسية، بل يزيدها حدّة. فالتكنولوجيا لا تصبح أقل أهمية لأن الوصول إليها غير متكافئ أو لأن السلطة تتجمع حولها. في الغالب، تلك هي الطريقة التي تعرف بها أنها كانت مهمة أصلًا.

لماذا لا يزال جهاز قديم يوضع على الطاولة يحتفظ بوقعه

غالبًا ما يستجيب الناس للراديو القديم كما لو أنهم يستجيبون إلى طرازه، وبالطبع فإن الطراز جزء من ذلك. لكن الجاذبية الأعمق تأتي من وظيفة ما زال الجسد يتذكرها. فنحن نعرف، ولو على نحو خافت الآن، ما معنى أن يتولى شيء واحد في البيت قيادة الانتباه المشترك وأن يحمل العالم الخارجي إلى داخل الغرفة.

ADVERTISEMENT

ولهذا لا يزال هذا الشيء يبدو أكبر من حجمه. فقد كان يقف عند مستوى اليد، ضمن نطاق الأثاث العادي، ومع ذلك غيّر توقيت الحياة المنزلية. لقد حوّل الأحداث البعيدة إلى خبرة منزلية معاشة بصيغة الزمن الحاضر. صندوق صغير، غرفة مشتركة، عالم فوري.

لم يكن الراديو المنزلي الموضوع على الطاولة، في جوهره، مجرد أثر لطيف من زمن أبطأ؛ بل كان المحرك المبكر للفورية داخل البيت.