لا يعني التوهج الأزرق في جليد الأنهار الجليدية عادةً أن الجليد يعكس لون السماء فحسب؛ بل يعني في الغالب أنك تنظر إلى جليد أقدم وأكثر كثافة وفيه عدد أقل بكثير من الفقاعات.
هذه هي الإجابة المختصرة. أما الجليد الأبيض، أو الجليد الذي يشبه الثلج، أو الجليد المائل إلى الرمادي، فغالبًا ما يمثل الحالة المعاكسة: إذ يتشتت الضوء بسبب الهواء المحبوس، أو الشقوق، أو الأسطح الخشنة، أو الأوساخ، فيضيع ذلك الأثر الأزرق الصافي.
قراءة مقترحة
النهر الجليدي ليس كتلة واحدة متجانسة. فبعض أجزائه تعرضت للضغط سنوات، بل عقودًا، حتى زال كثير من الهواء من بين حبيبات الثلج. وأجزاء أخرى أحدث عمرًا، أو أكثر تكسّرًا، أو مغطاة بالرواسب.
وعادةً ما يشرح علماء الجليد والقائمون على عرض عينات الجليد في المتاحف الأمر بعبارات واضحة: فالجليد الكثيف يجعل الضوء ينتقل خلاله بطريقة تختلف عن انتقاله في الجليد الثلجي أو المتشقق. ففي الجليد الفقير بالفقاعات، يُمتص الضوء الأحمر بدرجة أكبر كلما ازداد مساره طولًا، بينما يتشتت الضوء الأزرق عائدًا إلى عينك بسهولة أكبر. ولهذا تبدو بعض كتل الجليد النهري الجليدي زرقاء من الداخل، لا بيضاء على السطح.
والتسلسل بسيط، ويستحق أن تتذكره.
مع تراكم الثلج وانضغاطه بمرور الوقت، يتقلص كثير من الهواء بين الحبيبات.
ومع قلّة الحدود الداخلية، لا يعود الضوء يتبعثر بقوة في جميع الاتجاهات.
ومع انتقال الضوء إلى عمق أكبر، تُمتص الأطوال الموجية الحمراء بدرجة أقوى من الزرقاء.
فيكون أكثر ما يبقى ظاهرًا هو الضوء المائل إلى الزرقة الخارج من داخل كتلة الجليد.
يبدو الثلج الحديث أبيض لسبب يكاد يكون معاكسًا تمامًا. فهو مليء بحبيبات جليد صغيرة وجيوب هوائية، وكل حد صغير بينها يبعثر الضوء في كل اتجاه. وحين تُقذف كل تلك الأطوال الموجية إلى الخارج معًا، تراه العين أبيض.
وغالبًا ما يفعل الجليد النهري الجليدي المكسور الشيء نفسه. فقد تأتي قطعة من جليد أزرق كثيف من عمق النهر الجليدي، ثم تصبح شاحبة عندما تمتلئ بالشروخ والفجوات الهوائية الدقيقة. لم يختف اللون لأن السماء تبدلت. بل لأن البنية الداخلية تبدلت.
ولهذا أيضًا قد تبدو صفيحة صلبة من جليد البحيرة أكثر صفاءً من الثلج المُزال المتكدس إلى جانبها. فإحداهما تتيح للضوء أن ينفذ إلى عمق أكبر، بينما تعيده الأخرى في مسارات مرتدة منذ اللحظة الأولى تقريبًا.
هل لاحظت يومًا أن الثلج المجروش أو صقيع المجمّد يبدوان أبيضين، بينما تبقى مكعبات الجليد الأكثر صفاءً أكثر شفافية؟
يبدو الجليد المجروش أبيض، بينما يبقى الجليد الصافي شفافًا
وتنجح هذه النسخة المنزلية للأمر لأن الهواء الإضافي والحواف الخشنة يبعثران الضوء، بينما يتيح الجليد الأكثر كثافة وصفاءً للضوء أن ينفذ إلى عمق أكبر.
تلك الحقيقة الصغيرة في المطبخ تلخص حكاية النهر الجليدي في صورة مصغرة. فحين تسحق الجليد وتضيف إليه الهواء والحواف الخشنة، يتشتت الضوء في اتجاهات كثيرة، فيبدو أبيض. أما إذا بقي الجليد أوضح وأكثر كثافة، استطاع الضوء أن يقطع مسافة أطول في داخله قبل أن تُمتص بعض الألوان وتعود ألوان أخرى إلى الخارج.
وهنا النقطة التي تفوت كثيرين: فالجليد الأزرق في الأنهار الجليدية يبدو غالبًا كما لو كان مضاءً من داخله، لأن الجليد الكثيف الفقير بالفقاعات يمتص مقدارًا أكبر من الضوء الأحمر ويتيح للضوء الأزرق أن يعود خارجًا إلى عينك. إنه ليس مجرد لون على السطح. بل لون يتولد من حركة الضوء داخل كتلة الجليد نفسها.
يمكن لواجهة النهر الجليدي أن تتغير ألوانها بسرعة، لأن أجزاء مختلفة منها تقطع مسار الضوء بطرق مختلفة.
تحتوي الأجزاء الطبشورية المظهر عادةً على شقوق أكثر، أو هواء محبوس أكثر، أو سطح أخشن يبعثر الضوء قبل أن يتمكن من النفاذ بعيدًا.
يمكن للرماد والرمال والصخور المسحوقة التي يحملها النهر الجليدي أن تضفي على الجليد لونًا رماديًا أو بنيًا، ولا سيما في المواضع التي تختلط فيها المواد البركانية بالجليد.
قد يؤدي الذوبان ثم التجمد من جديد إلى تخشين الطبقة الخارجية وإخماد اللون، بينما قد تُنعّم مياه الذوبان السطح أحيانًا أو تملأ الشقوق، بما يغيّر الانعكاسات وتركيز الرواسب.
الاعتراض الشائع مفهوم: فالماء يبدو أزرق، والسماء تبدو زرقاء، ولعل جليد الأنهار الجليدية يستعير اللون منهما فقط. والانعاكس السطحي أمر حقيقي فعلًا. فالسماء الزرقاء قد تجعل الجليد يبدو أشد زرقة، وقد يخف هذا الأثر في الإضاءة المسطحة.
يبدو جليد الأنهار الجليدية أزرق أساسًا لأنه يعكس زرقة السماء.
قد يؤثر انعكاس السماء في المظهر، لكن الجليد السميك النظيف يملك بالفعل لونًا داخليًا مائلًا إلى الزرقة ينشأ من الطريقة التي ينتقل بها الضوء خلاله ويُمتص في داخله.
ثمة حدّ صريح هنا. فليس كل موضع يبدو أزرق يعني الشيء نفسه تمامًا. إذ يمكن لزاوية الإضاءة، والمياه القريبة، والطحالب، والسخام، وإعدادات الكاميرا، وكون السطح رطبًا أو جافًا، أن تغيّر جميعها ما تراه العين.
جرّب هذا الاختبار السريع كلما بدا لون الجليد محيرًا: قارن بين الجليد المجروش في المجمّد أو الصقيع الشبيه بالثلج وبين مكعب جليد أكثر صفاءً، واسأل أيهما يبعثر ضوءًا أكثر وأيهما يتيح للضوء أن يمر عبره. الأول سيبدو أكثر بياضًا. أما الثاني فسيُظهر منطق اللون الأعمق.
وعند الوقوف أمام نهر جليدي، تصمد القاعدة نفسها على نحو مدهش: فاللون الأزرق يشير عادةً إلى جليد أقدم وأكثر كثافة وأنظف وأقل فقاعات، بينما يشير اللون الأبيض أو الرمادي عادةً إلى وجود هواء، أو شقوق، أو تجوية، أو حطام.