ما يبدو أقدم شيء في بحيرة «يوكولسارلون» هو في الواقع الأقرب إلى الزوال: شظية من الجليد النهري الجليدي، تكوّنت عبر قرون إلى آلاف السنين، تدخل الآن مرحلتها الأخيرة القصيرة، لأنه ما إن تنفصل الكتلة الجليدية الكثيفة بالتكسّر عن النهر الجليدي وتصل إلى الشاطئ، حتى يتكفّل الهواء والملح والحرارة بالباقي سريعًا.
وهذا هو الجزء الذي لا يدركه كثير من الزوار في البداية. فالقطعة الزرقاء توحي بالدوام. تبدو أقدم من الماء الذي حولها، وأقدم من الحجارة الداكنة تحتها، وأقدم من زيارتك القصيرة أنت نفسك. وهي، من جهة ما، كذلك فعلًا. لكنها، من جهة أخرى، قد لا تبقى حتى نهاية اليوم.
قراءة مقترحة
لطالما استخدمت NASA Earth Observatory وNASA Earthdata بحيرة «يوكولسارلون» مثالًا واضحًا على ما يبدو عليه تراجع الأنهار الجليدية على الأرض. وقد بدأت البحيرة بالتشكّل نحو عام 1935 عندما تراجع النهر الجليدي المنصرف «بريداميركوريوكول» عن الساحل. ويشرح U.S. Geological Survey مسألة اللون بفيزياء بسيطة: فالجليد النهري الجليدي الكثيف يمتص قدرًا أكبر من الأطوال الموجية الحمراء الطويلة للضوء، ويسمح بمرور قدر أكبر من الضوء الأزرق وتشتّته عائدًا إلى عينك.
لذا فالأزرق ليس مجرد زينة. إنه دليل على الضغط والزمن. فقد تساقط الثلج، موسمًا بعد موسم، ثم دُفن تحت مزيد من الثلج، وكانت الكتلة فوقه تعصر كثيرًا من الهواء الذي يجعل الجليد العادي يبدو معتمًا.
جرّب اختبارًا صغيرًا بنفسك. تخيّل مكعبات الثلج في صينية المجمّد، بيضاء بسبب الفقاعات المحبوسة فيها وسريعة التصدّع. ثم تخيّل جليدًا انضغط بقوة على مدى فترات طويلة حتى زال كثير من تلك الفقاعات. فكلما قلّ الهواء، زادت الشفافية، والشفافية تغيّر الطريقة التي يتحرّك بها الضوء داخل الجليد.
يتكوّن سريعًا، ويحتبس كثيرًا من الفقاعات، ويبدو أكثر بياضًا أو عكارة، ويميل إلى التصدّع بسرعة.
يتكوّن تحت ضغط طويل الأمد، ويفقد كثيرًا من هوائه المحبوس، ويبدو أشد صفاءً أو مائلًا إلى الأزرق المائل للبياض، ويغيّر الطريقة التي يمرّ بها الضوء عبره.
ولهذا قد يبدو بعض الجليد النهري الجليدي أزرق مائلًا إلى البياض وشبه زجاجي. وليس في الإمكان تحديد عمر كل قطعة زرقاء على الشاطئ بمجرد النظر إليها، كما أن اللون وحده لا يروي القصة المناخية كاملة. فأنت تحتاج إلى الإطار الذي يحيط بها: نهر جليدي يتراجع، وبحيرة آخذة في الاتساع، وجليد تحرّر من مكان كان لا يزال متصلًا فيه بالكتلة التي وراءه.
«بريداميركوريوكول» نهر جليدي منصرِف من الغطاء الجليدي الأكبر «فاتنايوكول». وهو يتحرّك ببطء ولكن باستمرار، لأن الجليد تحت وطأة وزنه لا يتصرف كجدار حجري بقدر ما يتصرف كشيء يستطيع الزحف إلى أسفل. وعندما تصل جبهته المتحركة إلى البحيرة، تنكسر منها قطع. ويُسمّى هذا الانكسار التكسّر الجليدي.
ومن نافذة حافلة، أو من ممر بمحاذاة الماء، قد يبدو كل شيء ساكنًا. وقد سمعت ذلك مرارًا على مر السنين. لكن النهر الجليدي ليس ساكنًا. إنه يختزن فصول الشتاء، ثم ينفقها.
ولا يُفهم جليد الشاطئ إلا إذا تتبعت التسلسل الكامل من تساقط الثلوج في الداخل إلى الشظية العالقة على الساحل.
يبدأ تساقط الثلوج الجديدة السلسلة في الداخل المرتفع.
يضغط تراكم الطبقات، طبقة فوق طبقة، الثلج الأقدم ليصير «فيرن» كثيفًا متماسكًا.
تُخرج عملية الانضغاط كثيرًا من الهواء المحبوس وتنتج جليدًا أشد كثافة وأكثر صفاءً.
يزحف النهر الجليدي إلى أسفل نحو البحيرة تحت وطأة وزنه.
تنفصل قطع من جبهة النهر الجليدي إلى بحيرة «يوكولسارلون».
تتحرّك بعض القطع نحو المخرج، وتصل إلى البحر، ثم تدفعها الأمواج من جديد إلى الشاطئ الأسود.
ما إن تعلق الشظية على الشاطئ حتى تدخل مرحلتها الأخيرة القصيرة وتذوب.
ولهذا يهم هذا التسلسل، لأنه يحوّل شيئًا جميلًا إلى دورة حياة تستطيع تتبّعها. فالقطعة الموجودة على الشاطئ لم تبدأ كزينة عابرة. لقد كانت جزءًا من جسم جليدي متحرك متصل بتساقط الثلوج في الداخل قبل زمن طويل من أن تصبح صغيرة بما يكفي ليقف المرء قربها ويفكر فيها بوصفها شيئًا منفردًا.
وهنا تقفز الساعة. فقد يكون النهر الجليدي احتاج إلى قرون، وربما أكثر، ليصنع جليدًا بهذه الكثافة. أما هذه الشظية، فما إن تعلق على الشاطئ، فقد لا يبقى لها سوى ساعات أو أيام.
وعلى مستوى الشاطئ تستقر الحقيقة أمامك مباشرة. فالجليد صلب وبارد على نحو لا يكونه جليد المجمّد، بذلك الصفاء الأزرق المائل إلى البياض الذي يأتي من الانضغاط ومن قلة الفقاعات الهوائية المحبوسة في داخله. وقد تبدو حوافه كأنها زجاج مكسور، لكنها أسمك وأقدم وأكثر هدوءًا. وهذه الهيئة الصافية مهمة، لأنها ليست علامة على شيء رقيق يولد. إنها علامة على شيء عتيق انكشف للحظة وجيزة.
وهذا هو الجزء الذي يعلَق في أذهان الناس. فقد تبدو القطعة الأشد صفاءً وكثافة هي الأقدر على البقاء، بينما تكون في الحقيقة قد دخلت أقصر مراحل عمرها. فالضغط نفسه الذي جعلها زرقاء يخبرك أيضًا كم استغرق تكوّنها، وكم يمكن أن تختفي بسرعة ما إن تتحرّر من النهر الجليدي الذي كان يعيد تجديد برودتها.
بلى. فالأنهار الجليدية تتكسّر طبيعيًا. ينكسر الجليد، وينجرف، ويرسو على القاع، وينقلب، ويذوب. وإذا لم تنظر إلا إلى قطعة منفصلة واحدة في يوم واحد، أمكنك أن تقول إنك ترى مجرد جزء طبيعي من سلوك النهر الجليدي.
غير أن الإطار الأوسع هو ما يغيّر المعنى. فبحيرة «يوكولسارلون» نفسها تكوّنت لأن «بريداميركوريوكول» تراجع وترك مجالًا لتجتمع فيه مياه الذوبان والكتل الجليدية المتكسّرة. وهذا هو السياق الموثّق من NASA ومصادر أخرى لعلوم الأرض، وليس استنتاجًا قائمًا على قطعة زرقاء لافتة واحدة. فالتكسّر العادي عملية، أمّا البحيرة التي وُلدت من تراجع جبهة النهر الجليدي على مدى عقود فهي حقيقة أخرى تنطبق فوقها.
إن كتلة زرقاء على الشاطئ، بمفردها، تروي القصة المناخية كاملة.
يكشف اللون عن جليد كثيف مضغوط، لكن المعنى الأكبر يأتي من التراجع الموثّق لـ«بريداميركوريوكول» ومن البحيرة التي بدأت تتشكّل نحو عام 1935.
لذا، لا، لا يحمل اللون وحده الرسالة كلها. فالكتلة الزرقاء على الشاطئ ليست رسمًا بيانيًا للمناخ. ولكن حين تأتي تلك الكتلة من بحيرة بدأت نحو عام 1935 مع تراجع النهر الجليدي، تتشابك الفيزياء والتاريخ. وعندها يتوقف الشيء الذي أمامك عن أن يكون مجرد منظر طبيعي مجرد.
وربما لهذا السبب يمكن لهذا المكان أن يترك قلقًا خفيفًا حتى في نفوس من وصلوا وهم يتوقعون فقط البعد والهدوء. فأنت لا تنظر إلى ديمومة متجمّدة. بل تنظر إلى مادة قديمة جدًا في لحظة متأخرة جدًا.
بعد ذلك، يُقرأ جليد الشاطئ على نحو مختلف. فالأزرق لم يعد مجرد لون؛ بل صار زمنًا مضغوطًا. والصفاء لم يعد مجرد جمال؛ بل هو ما تبقّى بعد أن عُصرت فقاعات كثيرة تحت وطأة السنين. والذوبان لم يعد حركة في الخلفية؛ بل هو الفصل القصير الأخير من قصة بدأت في الداخل المرتفع مع تساقط الثلوج.
المفارقة بسيطة ويصعب التخلّص من أثرها: أقدم الجليد مظهرًا على ذلك الشاطئ ليس أكثر الأشياء بقاءً هناك، بل أكثرها انكشافًا.