أكثر ما يبدو جفافًا في المشهد هو في الحقيقة أقدم دليل فيه: فالصخر الفاتح في جروف لا هواستيكا بدأ في الأصل رسوبياتٍ بحرية على قاع بحر قديم، وحين تعرف ذلك، حتى الطريق عند السفح يتوقف عن أن يبدو شيئًا ثابتًا. وتصف الأدلة الجيولوجية لمنطقة كانيون دي لا هواستيكا صخورًا جيرية ذات طبقات حاملة للأحافير، ووحدات صخرية تعود إلى العصرين الجوراسي والطباشيري، وهذا هو البرهان المباشر الكامن وراء هذه المفاجأة.
إذا جئت وأنت تظن أن هذه الجدران تنتمي إلى حكاية جافة لا تعرف سوى الجبال، فذلك تخمين مفهوم. فأنت في منطقة مونتيري، في مكان يجتمع فيه الغبار والحر والانعطافات الحادة وصخر يرتفع على نحو مفاجئ حتى يجعل السيارة تبدو كأنها لعبة.
قراءة مقترحة
لكن الحجر الجيري هو العلامة الفاصلة. ففي أماكن مثل لا هواستيكا، يتكوّن هذا الصخر الفاتح عادةً من طين، وشظايا أصداف، وبقايا أخرى غنية بالكالسيوم ترسّبت في بحار ضحلة، ثم تصلّبت عبر أزمنة طويلة. وهذه الجروف لا تتظاهر بأنها شيء غريب، بل تكشف لك تمامًا ممَّ صُنعت.
هذه هي الفكرة التي تستحق أن تتمسّك بها: فالصحراء في الأعلى لا تمحو المحيط في الأسفل. والوادي الذي تقود عبره اليوم محفور في صخر بدأ طبقاتٍ متراكبة، وُضعت طبقةً فوق طبقة تحت الماء.
لا تحتاج إلى شهادة في الجيولوجيا لتلتقط العلامات. ابحث عن أشرطة متراكبة بدلًا من كتلة صخرية واحدة متجانسة. وانظر إلى الواجهات الجيرية الفاتحة. وتأمّل الجروف التي تقرأها العين كأنها رواسب مضغوطة أكثر من كونها حممًا بردت. فالصخر البركاني غالبًا ما يبدو كما لو أنه اندفع أو تكسّر بطريقة مختلفة؛ أمّا هذه الجدران فكثيرًا ما تبدو طبقية، متراصّة، ومرفوعة.
إن القول بالأصل البحري هنا يستند إلى دلائل رسوبية مرئية، لا إلى انطباع شاعري عن الزمن السحيق.
أشرطة متراكبة
تشير الطبقية إلى تراكم الرواسب بمرور الزمن، بدلًا من أن تكون كتلة صخرية واحدة متجانسة.
واجهات من الحجر الجيري الفاتح
يُعدّ الحجر الجيري فاتح اللون دليلًا قويًا على أن الجدار تكوّن من مادة بحرية غنية بالكربونات.
بنية طبقية متراصّة
تُقرأ هذه الجدران على أنها رواسب مضغوطة رُفعت لاحقًا، لا كحمم بردت في موضعها.
وتلك المراجعة السريعة مهمة لأنها تمنع القصة كلها من أن تنقلب إلى أسطورة جميلة الوقع. ففكرة الأصل البحري ليست مجرد شعر عن عمق الزمن، بل تقوم على البنية الرسوبية والحجر الجيري الحامل للأحافير، وهي أمور وثّقها الجيولوجيون في هذا الجزء من سييرا مادري الشرقية.
وعلى مستوى الأرض، تكمن نصف المتعة في هذا التناقض. يمكنك أن تقف بجوار طريق حديث، وتراقب حركة المرور وهي تنساب عبر الوادي، ومع ذلك تظل تنظر إلى صخر بدأ مادة بحرية مترسّبة قبل زمن طويل من أي وادٍ، وأي جدار جبلي، وأي قطع في الطريق، وأي إنسان.
توقّف عند هذه الفكرة لحظة. فالسيارات تمر في لحظات. والطريق يصمد سنوات إذا جرت صيانته. أمّا الجرف إلى جواره فقد سبق له أن عمّر أكثر من محيطات.
والآن، أخرج الطريق من القصة.
قاع بحر، أصداف، طين كلسي، رسوبيات مدفونة، ضغط، حجر، ارتفاع، تعرية. تلك هي السلسلة. وما إن تستقر في ذهنك، حتى لا تعود لا هواستيكا لغزًا، بل تصبح دليلًا.
في البحار الضحلة، تراكمت الأصداف، والبقايا البحرية الدقيقة، والطين الكربوناتي الناعم على قاع البحر.
على امتداد زمن هائل، حوّل الدفن والضغط والتماسك تلك الرواسب إلى حجر جيري، مع احتفاظه أحيانًا بالأحافير.
ومع طيّ سييرا مادري الشرقية وارتفاعها، ارتفعت تلك الطبقات البحرية إلى علو كبير فوق مستوى سطح البحر.
ثم قامت التعرية اللاحقة ونحت الأنهار بحفر الصخر، فكشفت الواجهات الواديّة الشديدة الانحدار التي نراها اليوم.
وهذه هي الرواية المباشرة. ففي بحار ضحلة قديمة، خلّفت الكائنات البحرية الدقيقة والحيوانات ذات الأصداف وراءها مادة غنية بالكالسيوم. كما ترسّب طين كربوناتي ناعم أيضًا. وتراكمت طبقة فوق طبقة على القاع. ثم على امتداد زمن هائل، دُفنت تلك الرواسب وانضغطت وتماسكت حتى صارت حجرًا جيريًا.
وقد تحفظ بعض تلك الطبقات أحافير لأنها بدأت أصلًا حياةً، أو رواسب وُضعت حول حياة. ولهذا تكتسب الصخور الجيرية الأحفورية كل هذه الأهمية هنا. فليست تفصيلًا جانبيًا، بل هي الإيصال.
ثم تتغير القصة مرة أخرى. فالصخور لم تبقَ مستوية ومطمورة تحت الماء إلى الأبد. إذ مع ارتفاع سييرا مادري الشرقية والتوائها، ارتفعت تلك الطبقات البحرية القديمة عاليًا فوق مستوى سطح البحر. وبعد ذلك، شقّت التعرية ونحت الأنهار طريقهما فيها، فكشفت الجدران الشاهقة التي يتعامل الناس معها اليوم بوصفها مجرد مشهد جبلي.
هذا الاعتراض في محلّه تمامًا. فإذا قال لك أحدهم «بحر قديم»، فمن المرجّح أن يذهب ذهنك إلى شيء منبسط وهادئ ومنخفض. ولا هواستيكا اليوم ليست شيئًا من هذا.
بدأ هذا الصخر رسوبياتٍ بحرية في بحار ضحلة: طينًا كلسيًا، ومادة من الأصداف، وطبقات من الرواسب تتراكم تحت الماء.
شكّل الارتفاع والتصدّع والتعرية والانكشاف الجاف ذلك الصخر البحري القديم في هيئة جدران وادٍ شديدة الانحدار وصلبة.
والجواب أن الأصل والشكل الحالي ليسا الشيء نفسه. فأصل الصخر بحري، أما هيئته الراهنة فجاءت من أمور لاحقة: إذ رفعه الانبثاق وثناه، ومنحت الشقوق الماء نقاط ضعف يعمل من خلالها، ثم أزالت التعرية الأجزاء الألين حتى بقيت الواجهات الشديدة الانحدار وجدران الوادي واقفة.
ويزيد المناخ الجاف هذا الأثر حدّة. فشحّ الغطاء النباتي يترك مزيدًا من الصخر مكشوفًا، لذلك تبدو بنيته بوضوح من مسافة. وما يبدو للوهلة الأولى قسوة صحراوية خالصة ليس في الحقيقة إلا رؤية أوضح لصخر رسوبي قديم.
وهناك قيد واحد من الإنصاف أن تضعه في بالك. فليس كل جرف مهيب في شمال المكسيك يروي القصة نفسها تمامًا وبالطريقة نفسها تمامًا. فالأعمار تختلف. وبعض التكوينات تعرّضت لرفع أكبر، أو طيّ أشد، أو تعرية مختلفة عن غيرها، حتى في الأماكن التي يهيمن فيها الحجر الجيري.
لكن في لا هواستيكا، يبقى هذا التصنيف الأوسع صحيحًا. فأنت لا تنظر فقط إلى جبال جافة، بل إلى صخر بحري دُفن وتصلّب وارتفع ثم انكشف بالقطع.
وثمّة طريقة بسيطة لتحمل هذه الفكرة معك، وهي أن تقرأ الجدار على مرحلتين. في المرحلة الأولى: انظر إلى الحاضر. لاحظ الطريق، والحجم، والجفاف، والقوة العمودية التي يبثها المشهد. وفي المرحلة الثانية: اسأل نفسك ما نوع هذا الصخر، وهل يُظهر طبقات، وواجهات من الحجر الجيري الفاتح، والمظهر المتراكم للرواسب القديمة.
هذه هي النقلة الذهنية. فبدل أن ترى الجرف العاري مجرد خلفية، تبدأ في رؤيته قاع بحر مرفوعًا وما يزال تاريخه ظاهرًا في قطوعه وأشرطته.
وتنقلب الصورة بوضوح ما إن تستوعب ذلك: ففي لا هواستيكا، لا تنتمي الجروف إلى حكاية جبلية بدلًا من حكاية بحرية، بل إلى حكاية جبلية صُنعت من قاع محيط.