ما يمنح هذا المسجد ذلك الإحساس بالفخامة يؤدي مهمته تحديداً عبر الامتناع عن تصوير البشر. ففي كثير من الدواخل المقدسة في الفن الإسلامي، ينتقل العبء البصري بدلاً من ذلك إلى الهندسة والخط والزخرفة النباتية والضوء، بحيث يُحمَل المعنى عبر الأشكال المنتظمة لا عبر الأجساد المصوَّرة.
وقد يبدو ذلك، للوهلة الأولى، مجرد زخرفة خالصة. لكن مؤرخي الفن الإسلامي طالما أوضحوا أن الممارسة اللاتشخيصية في كثير من فضاءات المساجد — أي تفضيل الأشكال غير الآدمية في الحيز التعبدي — لم تُفرغ المكان. بل أعادت توجيه مسار الابتكار. والنتيجة غالباً فضاء يبدو أكثر امتلاءً لأن كل سطح فيه قد طُلب منه أن يشارك في فعل الانتباه.
قراءة مقترحة
ابدأ بأبسط حقيقة: هذا النوع من الدواخل لا يبدو غنياً لأنه يعوّض غياب الصور. بل يبدو غنياً لأن الهندسة تنظّم العين، والخط يمنح اللغة جسداً مرئياً، والضوء يُبقي الأشكال حيّة، والتكرار يجعل القاعة كلها تعمل معاً.
تبدو القاعة ممتلئة بصرياً لأن عدة أنظمة غير تشخيصية تعمل معاً في الوقت نفسه، لا لأن صورة واحدة تهيمن على الفضاء.
الهندسة
تنظّم العين وتربط الأسطح المتفرقة في مجال واحد منضبط.
الخط
يمنح اللغة المقدسة حضوراً مرئياً وإيقاعياً داخل العمارة.
الضوء
يجعل الأشكال في تغيّر دائم، فيبدو النمط حيّاً لا جامداً.
التكرار
يجعل القاعة كلها تعمل معاً بدلاً من أن تُقرأ بوصفها تفاصيل منفصلة.
ولهذا يمكن لفضاء مقدس غير تشخيصي أن يبدو أكثر سخاءً بصرياً لا أقل. فبدلاً من أن تستأثر لوحة واحدة بانتباهك، تصبح الداخلية كلها هي المشهد.
وإذا أردت أن تختبر ذلك بنفسك، فلاحظ إلى أين تذهب عينك أولاً، ثم ثانياً، ثم ثالثاً. يبدأ كثير من الناس بالثريا، ثم ينتقلون إلى القبة فوقها، ثم إلى الخارج عبر الجدران والأقواس. وهذه الحركة دليل مفيد، لأنها تُظهر أن القاعة ترشدك.
غالباً ما تكون الهندسة أول منطق خفي يتعلّم المشاهد أن يراه. فالنجوم المتكررة، والمضلعات، والدوائر، والخطوط المتشابكة لا تملأ الفراغ وحسب، بل تقسّمه وتقيسه وتربط جزءاً من الداخلية بجزء آخر.
وفي تصميم المساجد عبر مناطق كثيرة، تساعد الأنماط الهندسية على إنشاء مجال منظم لا تبدو له نهاية واضحة. ويمكن لوحدة واحدة أن تتمدّد في الذهن إلى ما وراء الجدار الذي يحملها. وهذا مهم في سياق مقدس، لأن النمط يوحي بالامتداد من غير حاجة إلى تصوير الجنة أو الأنبياء أو البشر.
وثمة أثر جسدي أيضاً. فعينك لا تتوقف عند صورة واحدة ثم تستريح هناك، بل تواصل الحركة، وتقارن شكلاً بآخر، وتستشعر التوازن والاختلاف معاً. والثراء هنا يأتي من إدامة النظر، لا من التكدّس البصري.
ثم يأتي الخط. ففي المسجد، لا يكون الخط مجرد نص أضيف بعد اكتمال التصميم الرئيسي. بل كثيراً ما يعمل مثل شريط بنائي يحدّد الحواف، ويؤطر الفتحات، ويدور حول القباب، أو يرسم خطاً موزوناً بين منطقة معمارية وأخرى.
| الدور | موضعه | ما الذي يفعله |
|---|---|---|
| مؤشّر حدود | على امتداد الحواف والأشرطة | يحدّد الانتقالات بين أجزاء الداخلية |
| إطار | حول الفتحات | يمنح العتبات إبرازاً بصرياً ونظاماً |
| دائرة القبة | دائراً حول القباب | يربط اللغة المقدسة بأعلى منطقة في القاعة |
| خط موزون | بين المناطق المعمارية | يخلق إيقاعاً وهيبة من غير تصوير تشخيصي |
ويحمل الخط العربي قوة إضافية بوصفه لغة ذات ثقل ديني، إذ يستمد كثيراً من آيات قرآنية أو عبارات تعبدية. وحتى لو لم يستطع الزائر قراءة الكلمات، فإنه يظل قادراً على الإحساس بأن هذا الخط ليس زينة عابرة. فيه اتجاه وإيقاع وسلطان.
وهذا يغيّر الطريقة التي يتكلم بها المكان. ففي كثير من الفضاءات المقدسة المسيحية قد تتولى الشخصيات المرسومة السرد. أما هنا، فالكتابة كثيراً ما تتولى جزءاً من هذا العمل. فالمعنى يصل عبر لغة مقدسة صارت مرئية، لا عبر الوجوه والأجساد.
والآن تمهّل تحت الثريا. فتناظرها يجمع القاعة في مركز يمكن الإحساس به على الفور تقريباً. وبما أنها معلّقة تحت القبة، فهي تخلق نقطة تركيز منخفضة تحت نقطة أعلى، فتُجمع انتباهك أولاً ثم ترفعه إلى الأعلى.
تأمّل ذلك لحظة. فالثريا ليست مجرد شيء في القاعة. إنها مفصل بصري بين المقياس الإنساني في الأسفل والنظام الأوسع في الأعلى.
وبعد أن تستوعب ذلك التناظر، إلى أين تتحرك عيناك بعد ذلك؟ إلى الخارج على امتداد الأشكال المتكررة، أم إلى الأعلى نحو القبة؟
تجمع الثريا الانتباه عند نقطة قريبة من المقياس الإنساني.
تنتقل العين من الضوء المعلّق إلى القبة التي تعلوه.
ينتقل الانتباه عبر الجدران والأقواس والأشكال المتكررة عند الأطراف.
تصير القاعة سلسلة من الأنماط المترابطة بدلاً من أجزاء مزخرفة منفصلة.
وفي كلتا الحالتين، يكون التصميم قد أدّى مهمته بالفعل. فهو يرسلك من المركز إلى المحيط، ومن الضوء المعلّق إلى القبو المحيط، ويعلّمك أن تقرأ القاعة بوصفها تتابعاً من الأنماط المترابطة لا أجزاء مزخرفة منفصلة.
أهمية الضوء هنا لا تقتصر على الإبصار. فهو ينكسر على الأسطح المنحوتة، ويلتقط الأشغال المعدنية، ويجعل بعض الخطوط تتقدم فيما تتراجع أخرى إلى الخلف بلطف. والنمط الذي يُرى في رسم مسطح يصير شيئاً آخر حين يمنحه الضوء عمقاً وفواصل.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل هذه الدواخل تبدو حيّة من غير شخصيات مصوّرة. فالنور يُبقي الأشكال في تغيّر مستمر مع تغيّر موضع المشاهد. والهندسة تمنح النظام؛ أما الضوء فيمنع ذلك النظام من أن يصير ميتاً.
كما أن الدرجات الدافئة التي تستخدمها كثير من الدواخل في المساجد — الحجر والجص والبلاط والتذهيب والخشب — تساعد أيضاً. فهي تتيح للضوء أن يسري برفق عبر الأسطح، بحيث تُقرأ الزخرفة بوصفها متصلة لا مقسّمة إلى أجزاء معزولة.
التكرار هو ما يلاحظه كثير من الناس من غير أن يسمّوه. فالأنواع نفسها من التقوسات، وأشرطة الخط، والأشكال الزهرية، والوحدات الهندسية تتكرر من سطح إلى آخر. وهذا ليس رتابة. بل اتساع.
الشكل المتكرر يتحول إلى قاعدة
وما إن تلتقط العين تلك القاعدة حتى تبدأ الداخلية في أن تبدو موحّدة لا مجرد مزخرفة.
حين يتكرر شكل ما، لا يعود مجرد وحدة زخرفية مفردة، بل يصير قاعدة. وما إن تدرك عينك تلك القاعدة حتى تبدأ الداخلية كلها في أن تبدو موحّدة. وهنا تأتي لحظة الإدراك الحاسمة: فالمكان لا يبدو ممتلئاً لأنه يضم أنواعاً كثيرة من الصور، بل لأن التكرار المنضبط يجعل الفضاء كله يتصرف كأنه فعل واحد من الانتباه.
ومن السهل أن ترى لماذا يلاءم ذلك الصلاة. فالتكرار يثبّت الذهن. إنه يقدّم تنوعاً داخل نظام، وهو غالباً أشد استغراقاً من الجِدة المتواصلة.
هذا هو الافتراض الشائع، وهو مفهوم. فإذا أزلت الصور البشرية والحيوانية، فقد يبدو الأمر كما لو أن التعبير قد ضاق.
من دون صور بشرية أو حيوانية، لا بد أن يكون الفضاء المقدس أقل تعبيراً وأقل ثراءً.
في الممارسة الفعلية، كثيراً ما يكثّف التصميم غير التشخيصي التعبير، إذ يجعل الهندسة والخط والزخرفة والضوء تتحمّل وزناً بنائياً وتعبّدياً أكبر.
لكن ما يحدث عملياً في فضاءات كهذه هو العكس في كثير من الأحيان. فالحدّ يتحول إلى تركيز. ولأن الشخصيات لا تحمل المعنى هنا، فإن كل خط، وكل انحناءة، وكل شريط خطي، وكل ورقة منقوشة، وكل مصدر ضوء، يضطر إلى أن يؤدي عملاً بنائياً وتعبدياً أكبر.
ولا يعني هذا أن كل مسجد في كل مكان يتبع البرنامج البصري نفسه. فتصميم المساجد يختلف كثيراً باختلاف الأزمنة والمناطق، من دواخل متقشفة نسبياً إلى أخرى شديدة الزخرفة، كما أن للمواد المحلية أثراً بالغاً. لكن المبدأ العام الظاهر هنا راسخ ومعروف: فالتصميم غير التشخيصي يمكن أن يكثّف التفكير البصري بدلاً من أن يرقّقه.
قف ساكناً، ولو في خيالك، تحت المركز. ودع عينك تتحرك بالترتيب الذي تقترحه القاعة: الثريا، فالقبة، فالخط، فنمط الجدار، ثم عُد من جديد. وما إن تفعل ذلك حتى يبدأ هذا الثراء في أن يُقرأ أقل بوصفه تراكماً وأكثر بوصفه إحكاماً.
ولهذا يمكن لمثل هذه الداخلية أن تبدو كاملة إلى هذا الحد. فلا شيء فيها مهدور. فالهندسة تمنح القاعة هيكلها، والخط يمنحها صوتها، والضوء يمنحها حركتها، والتكرار يمنحها وحدتها.
وما بدا أول الأمر تقييداً ينكشف في النهاية بوصفه مصدر البهاء.