خصام الطفل أو ما يسمي بالصمت العقابي هو أحد الأساليب الشائعة التي يستخدمها بعض الأباء والأمهات ظنا منهم أنها طريقة هادئة لمعاقبة الطفل على السلوكيات السلبية. الحقيقة أن خصام الطفل وعزله هو من أهم العوامل التي تؤثر بالسلب على نفسية الطفل ونموه بل وعلاقاته الاجتماعية أيضا. السطور التالية تشرح لك خطورة خصام الطفل والنتائج السلبية التي يسببها.
تكمن المشكلة أيضا أن في كثير من الأحيان التي يسلك فيها الطفل السلوك المرغوب بعد فترة الخصام يكون ذلك فقط لإرضاء الوالدين وليس حقا عن فهم أو وعي بالسلوك السليم. يؤدي ذلك بالتبعية لإرباك مفاهيم الطفل واختلاط الأمر عليه وجعله شخص يسعى لإرضاء الآخرين للحصول على الحب والإهتمام. قبل أن نناقش الخصام كشكل منبوذ من أشكال عقاب الأطفال، نتساءل هل العقاب نفسه أمر مقبول؟
قراءة مقترحة
يفرق هذا الجزء بين العقاب بوصفه إيلاما يركز على الشخص، وبين التعزيز الإيجابي والعواقب بوصفهما اتفاقا واضحا يفهمه الطفل ويتحمل نتائجه.
رد فعل على سلوك غير مرغوب فيه، يهدف إلى إحداث ألم مادي أو معنوي واستعادة السيطرة، ويركز على الطفل نفسه أكثر من تعديل السلوك.
اتفاق واضح مع الطفل يشرح المسؤوليات والمكافأة والعواقب، بحيث يفهم الموقف كاملا ويربط بين السلوك ونتيجته بشكل واع.
تحدثنا مرات عديدة في مقالات سابقة عن الفرق بين العقاب والعواقب وعن فشل العقاب في تعزيز السلوكيات الإيجابية والتخلص من السلوكيات السلبية. العقاب هو مجرد رد فعل لسلوك غير مرغوب فيه والهدف منه تحقيق قدر من الألم المادى أو المعنوى. إنه بمثابة استعادة السيطرة. العقاب قد يكون بدنى وهو ما يعد غير قانوني وغير آدمي والعقاب المادى أو المعنوى الذي يتمثل في خسارة ممتلكات أو مميزات كثمن للسلوك السلبي. الحقيقة أنه بالنظر للعقاب يتضح لك أنه لا ينظر لتعديل السلوك السلبي وإنما يركز على الشخص نفسه.
أما التعزيز والعواقب فهو بمثابة عقد اتفاق شرعي مع الطفل يفهم الطفل فيه بنود الاتفاق ومسؤوليات الطرفين والمكافأة في حالة السلوك الإيجابي وتحمل العواقب في حالة الفشل في الالتزام بالاتفاق. هنا يفهم الطفل الموقف بأكمله. علي سبيل المثال طلبت من طفلك الإنتهاء من واجبه المنزلي في وقت محدد (مثلا السابعة مساء) واتفقت معه على تناول المثلجات المفضلة له إذا انتهى في الوقت المتفق عليه ومشاهدة كرتونه المفضل لمدة ساعة قبل النوم. يشمل الاتفاق الشروط الجزائية المترتبة على عدم تنفيذ الاتفاق (العواقب). مثلا عند عدم الإنتهاء من الواجب يحرمه من تناول المثلجات والانتهاء في وقت متأخر يعني وقت أقل من مشاهدة كرتونه المفضل. هنا يقوم الطفل بفهم بنود الاتفاق وتحمل العواقب في حالة عدم الالتزام به.
خصام الطفل لا يقدم فائدة تربوية حقيقية، بل يرتبط بآثار نفسية وعاطفية واجتماعية تمتد إلى طريقة فهمه للحب والتواصل والعلاقات.
تجاهل الطفل عمدا قد يرتبط بتنشيط شبكات مرتبطة بالألم النفسي، ويزيد الضغط والتوتر لديه.
حجب الحب والاهتمام بسبب سلوك معين يوصل للطفل أن القبول مشروط، فيفقد الشعور بالأمان.
قد يشعر الطفل أنه لا يستحق الحب إلا إذا تصرف بالطريقة المقبولة، وأن قيمته ليست في ذاته.
مع التقدم في العمر قد يفشل الطفل في تكوين علاقات وروابط صحية مع الآخرين.
بدلا من شرح الخطأ وطريقة إصلاحه، يواجه الطفل بالصمت، فيضعف فهمه للتبعات والطريقة الصحيحة.
قد يبدأ الطفل بإخفاء مشاعره الحقيقية خوفا من التجاهل والرفض وتجنبا للصراع.
قد يتعلم الطفل الصمت العقابي من والديه ويستخدمه لاحقا كوسيلة ضغط وابتزاز في علاقاته.
كما اتفقنا أن العقاب في حد ذاته مرفوض ليس فقط بسبب أثره السلبي على الطفل ولكن أيضا بسبب عدم جدواه وعدم تحقيقه لأى فائدة. لكن يظن بعض الآباء أن خصام الطفل ليس عقابا بالمعنى المتعارف عليه وأنه لا يحقق أذى حقيقيا للطفل بل يمنحه فرصة للتفكير في خطئه وإن كنت أحد هؤلاء الناس هيا نتعرف سويا علي مخاطر خصام الطفل وعزله وتجنب التحدث إليه:
● تجاهل طفلك عن عمد قد يرتبط بتنشيط بعض الشبكات الدماغية المرتبطة بالألم النفسي وقد يسبب له ضغطا وتوترا نفسيا. أي أن خصام الطفل قد يؤذيه نفسيا أيضا.
● عندما تحجب حبك واهتمامك عن الطفل بسبب سلوك معين فأنت تقول للطفل بطريقة غير مباشرة أن حبك مشروط وهو ما يفقد الطفل الشعور بالأمان ويرفع مستويات القلق عنده. لأن حبك له أصبح مهددا بسبب سلوكه وهو شيء مرفوض لأن حب الوالدين لا يجب أن يكون مشروطا أبدا.
● يشعر الطفل بانعدام قيمته وكأنه بدون سلوك سلوكيات بعينها فهو لا يستحق الحب وليس له قيمة في ذاته وإنما قيمته فقط في سلوكياته المقبولة منك.
● مع التقدم في العمر يفشل الطفل في تكوين روابط وعلاقات صحية.
● ضعف التواصل لدى الطفل لأنه بدلا من شرح أخطائه والطريقة المناسبة لإصلاحها يواجه بالصمت. الحاجة للشرح ضرورية لأن أثناء نمو الطفل لا يفهم الطفل بنفسه تبعات الكثير من السلوكيات ويحتاج لشرح ليفهم.
● يبدأ الطفل بإخفاء مشاعره الحقيقية لتجنب الصراع خوفا من التجاهل والرفض.
● يتعلم الطفل من والديه وسيلة الصمت العقابي كنوع من الضغط والابتزاز لتحقيق رغباته في المستقبل مما يؤثر على علاقاته الاجتماعية ويجعلها علاقات غير صحية أو علاقات غير ناجحة.
| الجانب | التربية السليمة | الابتزاز العاطفي |
|---|---|---|
| إدارة المشاعر | تدعم الطفل في فهم مشاعره وإدارتها | تثير خوفه من الهجر أو فقدان الحب لإجباره على الطاعة |
| التواصل | تشجع على التهدئة ثم الحوار الصحي | تمنع التواصل وتربطه بالاعتراف أو الخضوع |
| الإحساس بالأمان | تؤكد أن الطفل محبوب حتى عند الخطأ | تعزز القلق والخوف وترقب خسارة الوالدين وحبهم |
- التربية السليمة تدعم الطفل في إدارة مشاعره أما الابتزاز العاطفي فهو إثارة خوف الطفل من إمكانية هجره أو التخلي عن حبه بهدف إجباره على الطاعة.
- التربية السليمة تشجع على التواصل بشكل صحي "حبيبي يمكننا أن ننتظر حتى نهدأ ثم نتحدث عن تلك المشكلة" أما الابتزاز في المقابل فيمنع التواصل بشكل فعال "لن أتحدث إليك قبل أن تعترف بخطئك".
- التربية السليمة تعزز إحساس الطفل بالأمان فهو محبوب حتى في الأوقات التي لم يسلك فيها كما يجب. أما أسلوب الخصام والابتزاز فيعزز الشعور بالقلق والخوف وترقب خسارة الوالدين وحبهم في حالة ارتكاب الأخطاء.
نحن نبحث عن توجيه سلوك الطفل دون إصابته بجروح عاطفية. اتبع الخطوات التالية:
يجب أن يفهم الطفل بوضوح ما هو مقبول وما هو مرفوض منذ البداية، مع شرح القواعد بما يناسب عمره وتكرارها حتى يثبت الفهم.
شجع الطفل على أخذ وقت لمراجعة السلوك، وكن قدوة له في التوقف والتفكير قبل النقاش.
استمع لسبب أفعال الطفل حتى يشعر أن الحوار مفتوح وأن الفهم يسبق التوجيه.
عند المحاسبة ركز على الفعل نفسه وكيفية إصلاحه، لا على قيمة الطفل أو شخصيته.
1- ابدأ دائما بوضع الحدود والتوقعات، يجب أن يفهم الطفل بوضوح شديد ما هو مقبول وما هو مرفوض من البداية، أنها مرحلة وضع القواعد. تأكد من شرح تلك القواعد بطريقة تناسب المرحلة العمرية للطفل وأعد ذلك مرات عديدة وفي مناسبات مختلفة حتى تتأكد من فهم الطفل. تذكر أنه ليس من العدل محاسبة الطفل علي سلوك لم يعرف من البداية أنه سلوك خاطئ.
2- علم الطفل اتخاذ وقت للتأمل والتفكير في السلوك وكن قدوة له في ذلك "حبيبي عندما أتصرف بطريقة غير سليمة أتوقف فترة وآخذ فترة من مراجعة نفسي لأعرف أين أخطأت هل تحب أن تجرب هذا قبل أن نتحدث؟".
3- استمع للطفل حينما يشرح لك سبب أفعاله بدلا من تجاهله.
4- عند محاسبة الطفل وتوجيهه ركز على سلوك الطفل وليس على الطفل نفسه، نحن ننقد السلوك وليس الطفل نفسه.