القبة التي تخبرك بأنه مسجد قبل أن تدخله
ADVERTISEMENT

ما يبدو للوهلة الأولى زينةً هو في الحقيقة أوضح ما يصرّح به المبنى: فالقبة ليست لمسةً أخيرة، بل إعلانًا، ويمكنك قراءتها قبل أن تبلغ المدخل.

ولهذا يبدو جامع السلطان قابوس الأكبر مقروءًا على الفور لكثير من الناظرين. فقبل الوصول إلى الباب بزمن، يكون خط السطح قد صافحك وقدّم المبنى إليك

ADVERTISEMENT

من حيث نوعه.

تصوير Mr MaroX على Unsplash

القبة تتكلم قبل الجدران

في العمارة الإسلامية، تؤدي بعض العناصر دور العلامات بقدر ما هي خيارات تصميمية. فالقبة، والزخرفة النهائية في أعلاها، والأقواس المتكررة، والمحور المركزي الواضح، كلها تساعدك على إدراك أن هذا مكان شُيّد للصلاة الجماعية.

ابدأ بالكتلة الرئيسية. فالقبة تستقر تمامًا في المركز، لا إلى أحد الجانبين، وهذه المركزية مهمة. فهي تخبر العين بأن المبنى منظم حول بؤرة مقدسة واضحة، وأن النظام، لا المصادفة، هو الذي صاغ التكوين كله.

ADVERTISEMENT

ثم هناك التاج، تلك الزخرفة الذهبية المدببة عند القمة. ومن السهل عدّها مجرد زينة، لكنها تعمل أيضًا كأنها علامة على خريطة، فتحدّد هيئة القبة بحدة وتمنح خط السطح ملامح مسجدية مميزة يمكن قراءتها من مسافة بعيدة.

التفصيل الذي يبدو متكلفًا يؤدي عملًا حقيقيًا

وإذا نظرت عن قرب، بدأ نمط الشبكة على سطح القبة يكتسب أهميته أيضًا. فهذا الغلاف الهندسي المتكرر ليس كسوة سطحية عشوائية. ففي كثير من تقاليد البناء الإسلامية، تكون الزخرفة الهندسية إحدى الوسائل التي يلتقي فيها البناء بالزينة، بحيث تقرأ العين النظام والتكرار والحرفة المنضبطة في آن واحد.

هنا تعمل الزخرفة الذهبية العليا، والقبة المزخرفة، والتموضع المركزي الدقيق معًا. فالقبة لا تكتفي بأن تتوج المسجد؛ بل تسميه. وتلك حقيقة غريبة ولكنها مفيدة، كامنة على مرأى من الجميع.

ADVERTISEMENT

ألم تلحظ أن القبة أخبرتك بالفعل عن نوع هذا المبنى قبل أن تفعل أي لافتة أو مدخل ذلك؟

بعد هذا السؤال، ينكشف الباقي سريعًا

متى رأيت القبة بوصفها إعلانًا، اصطفت الإشارات الأخرى سريعًا. فالأقواس تعزّز هذه القراءة، لأن الفتحات المقوسة شائعة في تصميم المساجد، وتساعد على تكوين إحساس بتتابع الفتحات على طول واجهة رسمية.

ويؤدي التناظر عملًا أكبر مما يمنحه الناس إياه في الغالب. فعمارة المساجد كثيرًا ما تستخدم ترتيبات متوازنة ومحورية لتجعل المبنى يبدو منظمًا وجماعيًا، وتثق عينك بهذا النظام تقريبًا قبل أن تستطيع تفسيره.

وللحجر الفاتح أثره أيضًا. فهو يمنح البنية كلها جسدًا موحدًا، بحيث تُقرأ القبة والأقواس والجدران بوصفها تصريحًا واحدًا مخططًا له، لا حركات زخرفية متفرقة. وحتى الحديقة المشذبة المؤطرة للمبنى تؤدي دورها، إذ تقدمه بوصفه كيانًا رسميًا مدنيًا-مقدسًا، لا قاعةً عادية.

ADVERTISEMENT

جرّب اختبارًا صغيرًا مع نفسك. غطِّ ذهنيًا النصف السفلي من المبنى، واترك الكتلة العليا وحدها ظاهرة. ففي حالات كثيرة، تكفي القبة وحدها لدفعك إلى الجواب الصحيح، وتأتي الزخرفة العليا لتؤكده.

قيد صريح واحد: القبة وحدها لا تكفي

ومن الجدير بالحذر هنا أن القبة وحدها ليست قاعدة معصومة، لأن القباب تظهر أيضًا في الكنائس، ومباني الكابيتول، والأضرحة، وتقاليد أخرى.

إن التعرف يأتي من اجتماع العناصر. فهنا تبني القبة المركزية، والزخرفة الذهبية العليا، والشبكة الهندسية، وإيقاع الأقواس، والتناظر، وتكوين الحجر الفاتح، الجوابَ معًا حتى يصبح من السهل قراءة المبنى بوصفه مسجدًا.

ولهذا أيضًا يُعد هذا المسجد معلمًا جيدًا. فهو يُظهر الإشارات بوضوح، من غير حاجة إلى لوحة تشرحها أولًا.

كيف تقرأ المبنى التالي بسرعة أكبر

ابدأ بخط السطح والكتلة المركزية، لا بالمدخل: اقرأ القبة أو البرج أولًا، ثم اسأل ما الإشارات الأصغر من حوله التي تكرر الرسالة نفسها.

كلاوس

كلاوس

ADVERTISEMENT
استكشاف سحر قرية مطماطة: جولة في منازل الكهوف التقليدية
ADVERTISEMENT

تقع قرية مطماطة في جنوب تونس، وهي واحدة من الوجهات السياحية الأكثر إثارةً للدهشة في شمال إفريقيا. تجذب هذه القرية الفريدة من نوعها العديد من السياح من جميع أنحاء العالم بفضل منازلها الكهفية التقليدية التي توفر لمحة نادرة عن تاريخ وثقافة السكان الأمازيغيين الذين عاشوا في هذه المنطقة لعدة قرون.

ADVERTISEMENT

إذا كنت من محبي الرحلات والسفر وتسعى لاكتشاف أماكن فريدة من نوعها، فإن قرية مطماطة تقدم لك تجربة استثنائية تجمع بين الطبيعة والتاريخ والثقافة.

تاريخ قرية مطماطة

صورة من wikimedia

تعود أصول قرية مطماطة إلى العصور القديمة، حيث يُعتقد أن الأمازيغ، السكان الأصليون لشمال إفريقيا، هم من أسسوا هذه القرية للحماية من الغزاة والمناخ القاسي. تعكس المنازل الكهفية في مطماطة تقنيات معمارية مدهشة اعتمدت على حفر المنازل في الصخور الناعمة، وهي تقنية ساعدت السكان على التأقلم مع الظروف البيئية الصعبة، بما في ذلك الحرارة الشديدة خلال فصل الصيف.

ADVERTISEMENT

يروي السكان المحليون حكايات عن كيفية استخدامهم لهذه الكهوف ليس فقط كمنازل ولكن أيضًا كملاجئ خلال الفترات التي كانت فيها المنطقة معرضة للغزوات والهجمات. كانت هذه المنازل السرية، التي بالكاد يمكن ملاحظتها من الخارج، توفر حماية طبيعية ضد الأعداء وكذلك العواصف الرملية.

الهندسة المعمارية لمنازل الكهوف

تعد منازل الكهوف في مطماطة تجسيدًا رائعًا للهندسة المعمارية التقليدية التي تعتمد على الطبيعة. بدلاً من بناء منازل فوق الأرض، يقوم السكان بحفر أفنية دائرية في الأرض، يبلغ قطر بعضها 10 أمتار، ومنها تُحفر غرف المعيشة والجدران مباشرةً في الصخور المحيطة بالفناء. يشكل الفناء المفتوح محور المنزل ويؤدي إلى غرف متعددة تستخدم كمناطق نوم ومعيشة وتخزين.

تتميز هذه المنازل بدرجات حرارة معتدلة طوال العام، حيث تعمل الجدران السميكة والصخور المحيطة على تنظيم الحرارة داخل المنزل، مما يجعلها باردة في الصيف ودافئة في الشتاء. وهذا يفسر كيف تمكن السكان من البقاء في هذه المنطقة القاحلة والجافة لعقود طويلة.

ADVERTISEMENT

تجربة الحياة في مطماطة

صورة من wikimedia

زيارة قرية مطماطة توفر للزوار فرصة فريدة لتجربة الحياة في بيئة مختلفة تمامًا عن تلك التي اعتادوا عليها. لا تزال بعض العائلات تعيش في هذه المنازل الكهفية، وقد فتحت أبوابها أمام السياح الراغبين في التعرف على نمط الحياة التقليدي.

عند زيارة أحد هذه المنازل، ستستقبلك العائلات بكرم ضيافة أصيل، وقد يُتاح لك فرصة تذوق الأطعمة التقليدية مثل الكسكس والبسيسة، والتعرف على الأدوات المنزلية القديمة التي استخدمها السكان في حياتهم اليومية. كما يمكن للزوار تجربة المبيت في إحدى هذه المنازل لتحظى بتجربة كاملة تتضمن الإحساس بالأمان والراحة التي توفرها الجدران المحيطة.

مطماطة في الثقافة الشعبية

اكتسبت مطماطة شهرة عالمية عندما اختارها المخرج الأمريكي جورج لوكاس لتكون موقع تصوير بعض مشاهد فيلم "حرب النجوم". كانت المنازل الكهفية في مطماطة الموقع المثالي لتجسيد كوكب تاتوين الخيالي، والذي أصبح منذ ذلك الحين جزءًا من الثقافة الشعبية العالمية. وقد ساهم هذا الظهور السينمائي في زيادة شعبية القرية وجذب السياح الذين يرغبون في زيارة مواقع تصوير الفيلم.

ADVERTISEMENT

على الرغم من هذا الظهور في الثقافة الشعبية، إلا أن مطماطة لا تزال تحتفظ بجوهرها التقليدي وسحرها الفريد، حيث يمكن للزوار الاستمتاع بأجواء الهدوء والبساطة التي توفرها هذه القرية البعيدة عن ضجيج المدن الكبرى.

الأنشطة السياحية في مطماطة

إلى جانب زيارة منازل الكهوف، يمكن للسياح الاستمتاع بعدد من الأنشطة الأخرى في مطماطة ومحيطها. يمكن لمحبي الطبيعة استكشاف المناظر الطبيعية الصحراوية المدهشة المحيطة بالقرية، حيث يمكن القيام بجولات سيرًا على الأقدام أو بركوب الجمال لاكتشاف جمال الصحراء وتضاريسها الفريدة.

كما يمكن للزوار زيارة الأسواق المحلية في مطماطة، حيث يمكن شراء الحرف اليدوية التقليدية والهدايا التذكارية المصنوعة من قبل السكان المحليين. هذه المنتجات تتنوع بين الفخار، والملابس التقليدية، والمجوهرات المصنوعة يدويًا، مما يمنحك فرصة لاقتناء قطع فريدة تذكرك بزيارتك لهذه القرية الساحرة.

ADVERTISEMENT

إذا كنت من محبي التاريخ، فإن زيارة متحف مطماطة أمر لا بد منه. يعرض المتحف تاريخ القرية والمنطقة المحيطة بها، ويقدم للزوار فرصة للتعرف على الحياة اليومية للسكان عبر العصور. يحتوي المتحف على مجموعة من الأدوات والقطع الأثرية التي تعكس الثقافة المحلية والتاريخ الغني للمنطقة.

مطماطة كنموذج للسياحة المستدامة

صورة من wikimedia

على الرغم من شهرة مطماطة المتزايدة بين السياح، إلا أن القرية تواجه تحديات كبيرة فيما يتعلق بالحفاظ على تراثها الثقافي والبيئي. يعتمد السكان المحليون بشكل كبير على السياحة كمصدر رئيسي للدخل، ولكنهم يدركون أيضًا أهمية حماية منازلهم الكهفية الفريدة والبيئة المحيطة بها.

تسعى مطماطة إلى تبني مفهوم السياحة المستدامة من خلال تشجيع السياح على احترام البيئة والثقافة المحلية. يمكن للزوار المشاركة في برامج السياحة البيئية التي تركز على تعلم طرق الحفاظ على البيئة والتعرف على تقنيات البناء التقليدية التي استخدمها السكان في حفر منازلهم.

ADVERTISEMENT

نصائح للسياح

إذا كنت تخطط لزيارة مطماطة، فهناك بعض النصائح التي يمكن أن تساعدك على الاستمتاع بتجربتك:

• أفضل وقت للزيارة: يعتبر فصل الربيع والخريف من أفضل الأوقات لزيارة مطماطة، حيث تكون درجات الحرارة معتدلة ومناسبة لاستكشاف المنطقة. تجنب زيارة القرية في فصل الصيف إذا كنت لا تتحمل الحرارة الشديدة.

• الملابس المناسبة: ارتداء ملابس خفيفة ومريحة هو الأفضل، ولكن يفضل أيضًا حمل سترة خفيفة لارتدائها في المساء حيث يمكن أن تكون درجات الحرارة منخفضة داخل المنازل الكهفية.

• التفاعل مع السكان المحليين: لا تتردد في التحدث مع السكان المحليين وسؤالهم عن حياتهم وتجاربهم. معظمهم يتحدث العربية، وبعضهم يتحدث الفرنسية، وستجد أنهم متحمسون لمشاركة قصصهم مع الزوار.

• الحفاظ على البيئة: تذكر دائمًا أن تكون زائرًا مسؤولًا. تجنب إلقاء النفايات واحرص على عدم إلحاق الضرر بالمنازل الكهفية أو البيئة الطبيعية المحيطة.

ADVERTISEMENT

زيارة قرية مطماطة هي تجربة لا تُنسى تتيح لك الفرصة لاستكشاف جانب مختلف من الحياة في تونس والتعرف على تاريخ وثقافة الأمازيغ. إن سحر منازل الكهوف التقليدية والمناظر الطبيعية المحيطة بها يقدم للسياح تجربة فريدة تجمع بين المغامرة والتعلم والراحة. إذا كنت من محبي السفر والبحث عن أماكن غير تقليدية، فإن مطماطة تستحق أن تكون على قائمة وجهاتك القادمة.

ستترك زيارتك لمطماطة انطباعًا عميقًا عن القوة والصمود والابتكار الذي أبداه السكان المحليون في مواجهة التحديات البيئية، وستعود بذكريات وصور فريدة تحكي عن قرية تمكنت من الاحتفاظ بسحرها وجمالها على مر العصور.

ياسر

ياسر

ADVERTISEMENT
قرطاج.. همسات تونسية من الماضي
ADVERTISEMENT

في القرن التاسع قبل الميلاد، وعلى متن سفينةٍ مُحمّلةٍ بالكنوز، هربت أميرة فينيقية من لبنان إلى تونس لتؤسّس مدينةً فوق ربوةٍ تونسيةٍ ارتفاعها 57 مترًا عن سطح البحر، على بُعد 15 كم من العاصمة الحالية لتونس، وعلى امتداد 3 كم على ساحل البحر الأبيض، إنها مدينة "قرطاج" في مهدها، والتي

ADVERTISEMENT

ستكون فيما بعد نواة حضارةٍ مؤثرةٍ في تاريخ دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ولم تكن تعلم تلك الأميرة الفينيقية ما يُخبّى المستقبل لتلك المدينة من أحداثٍ عظيمةٍ وبصمةٍ تاريخيةٍ سيتحاكى بها المؤرّخون على مرّ الزمان.

أصل التسمية

صورة من wikimedia

في عام 814 ق.م، تم تأسيس مدينة قرطاج على يد الأميرة "علّيسة" أو "ديدون"، و أُطلِق عليها اسم "قَرط حَدَشت" وتعني بالفينيقية "المدينة الجديدة"، وكان أهلها يعبدون "ملقرت" الذي يعني "ملك المدينة"، فتحوّل النطق إلى "قرطاج" بسبب النطق اللاتيني للاسم الفينيقي "قَرط حَدَشت"، واشتهرت بذلك الاسم منذ ذلك الحين.

ADVERTISEMENT

الأميرة "عِلّيسة" مؤسِّسة قرطاج

صورة من wikimedia

في تونس يسمّونها "علّيسة" ويبجّلونها ويعظّمونها كبطلةٍ تاريخيةٍ، وفي لبنان وسوريا يحبونها ويرونها رمزًا للقوة والذكاء والجمال، واسمها عندهم "أليسا" أو "أليسار"، وفي المغرب هي "ديديون" أو "ديدون" رمز المرأة التي لا تُقهر، أما الغرب فيصورونها عاشقةً صادقةً أعطت كل شيئٍ للحب ولم تأخذ منه غير الموت، إنها الأميرة الفينيقية "علّيسة" ابنه الملك "مَتِّن" ملك "صُور" وزوجة الكائن الأسطوري شديد الثراء "زيركال بعل" كاهن "صور" الأعظم. نقلت "علّيسة" حضارةً على ظهر سفينة من لبنان إلى تونس وأسّست مدينة "قرطاج" ذات المجد التليد التي نافست "روما" في أوج قوتها، ويرجع سبب خروجها من مدينة "صور" بلبنان إلى مطاردة أخيها لها بعد موت أبيها الملك "مَتّن" حيث تولّى الحكم من بعده وطمع في ثروة زوج أخته بعد موته، واشتهر باسم الملك "بقماليون" أو "بجماليون". احتالت "علّيسة" المعروفة بذكائها لتنجو بنفسها ومالها، فأخبرت "بقماليون" أنها ذاهبة في رحلة لتُحضر كنوزًا فظنّ أنها ذاهبة لإحضار كنوز زوجها وأمدّها بالرجال والسفن، فاتفقت "عليسة" سرًّا مع المخلصين لها ونقلت الكنوز سرًّا إلى سفينتها، ثم نقلت أمام زوجها ورجاله أكياسًا مليئةً بالرمال ووضعتها تحت حراستهم على ظهر السفينة، وفي عرض البحر قامت برمي أكياس الرمال بالبحر تظاهرًا منها بأنها ترمي كنوز زوجها في البحر إكرامًا له، فقفز جنود الملك "بقماليون" في البحر خلف الأكياس وبقي معها المخلصون لها فقط. أبحرت الأميرة "عِلّيسة" مع أصحابها وأتباعها المخلصين في رحلةٍ طويلةٍ للبحث عن مكانٍ يصلح لتأسيس مدينةٍ جديدةٍ، حتى وصلت إلى أرض ملك المكسويين الذي وافق أن يعطيها قطعةً من الأرض بحجم جلد ثور، واندهش الحاضرون من موافقة "علّيسة" على تلك المساحة الصغبرة جدا ، لكن الأميرة الذكية قصّت جلد الثور وحوّلته إلى أشرطةٍ دقيقةٍ طويلةٍ وصلتها ببعضها وصنعت منها حبلًا طويلًا، وأحاطت به الهضبة التي تُعرف اليوم باسم "بيرصا" التي تعني "جلد ثور"، وأسّست "قرطاج" كنواةٍ لمستعمرةٍ فينيقيةٍ جديدةٍ ستبسط نفوذها في غرب البحر المتوسط وستخوض حروبًا عظيمةً ضد "روما".

ADVERTISEMENT

قرطاج الوليدة

صورة من wikimedia

كانت هضبة "بيرصا" نقطة البداية لبناء مدينة "قرطاج" العظيمة، وقد جعلتها الأميرة "علّيسة" نموذجًا لمدينة "صور" ومرتبطةً بها روحيًّا وإداريًّا، لتنمو هذه المدينة بسرعةٍ وتتوسّع لتضمّ الأراضي حول غرب البحر المتوسط، ممّا أدّى إلى تأسيس دولة قرطاج التي تُسمّى بـ"الدولة البونية" وتحدّت الامبراطورية الرومانية حينما أرادت تأسيس حضارةٍ متطورةٍ تصل شرق البحر المتوسط بغربه. تأثر الملك "جابون" ملك المكسويين بإنجازات وجمال وذكاء "علّيسة" وطلب الزواج منها، فرفضت إخلاصًا لزوجها الراحل، لكنه هدّدها بحرق "قرطاج" فوافقت بعد أن أخذت منه وعدًا ملكيًّا بالحفاظ على المدينة، وفي ليلة الزفاف رمت بنفسها في المحرقة وماتت أمام عينيه، فاشتهر ذكرها في العالم وخصوصًا العالم الغربي الذي أصبحت "ديدون" أو "عليسة" فيه رمزًا للحب والإخلاص والتضحية وأصبحت "عليسة" من أشجع النساء في التاريخ مع "كيلوباترا" و "وزنوبيا" و"سميراميس".

ADVERTISEMENT

العصر الذهبي لدولة "قرطاج"

صورة من wikimedia

توسّعت دولة قرطاج في الفترة ما بين القرن السابع قبل الميلاد وحتى القرن الثالث قبل الميلاد وأسّست مستعمرات جديدة على طول الساحل الغربي للبحر الأبيض المتوسط سواء على الساحل الإفريقي أو الإسباني، كما بسطت نفوذها على بعض جزر البحر الأبيض المتوسّط كصقلّية وكورسيكا وغيرهما، مما جعلها تتحول إلى امبراطورية لها من الهيبة والقوة ما أشعَر الرومان بالتهديد. كان القرطاجيون مثلهم مثل الفينيقيين يتميزون بالمهارة والخبرة في التجارة البحرية وهم أول من زرعوا الزيتون في تونس، كما أنهم علّموا البربر الحروف فاستخدموا الأبجدية الفينيقية في كتابة لغتهم.

أمريكا في خرائط القرطاجيين

صورة من wikimedia

يحمل التاريخ القرطاجي من المفاجآت ما قد يصعب تصديقه، فعلى سبيل المثال، قام العالم الأثري الأمريكي "مارك ماكمينامين" في عام 1996م باكتشاف بعض العملات المعدنية القرطاجية التي ترجع إلى عام 350 ق.م، والتي رُسم عليها خريطة للعالم بها رسم للعالم الجديد (الأمريكتين)، مما سبّب ضجّةً في الوسط العلمي واستنكر الكثير من الأوروبيين هذا الاكتشاف وقاموا بمحاولة تفسير تلك الرسوم على أنها حروف فينيقية قديمة. لم يكن "مارك ماكمينامين" هو أول من قال بهذا القول، فقد سبقه المؤرخ الإغريقي "ديودوريس" بقوله أن القرطاجيين عرفوا جزيرةً هائلةً بعيدةً جدًّا بها العديد من الجبال والأنهار العريضة، وكانوا يُخفون سرّ هذه الجزيرة الهائلة لأنها كانت مصدر لثرواتهم، ويُقال بأن القرطاجيين قد اكتشفوا "أمريكا" بالصدفة عن طريقة رحلة تجارية كانت تبحر أسفل الساحل الإفريقي الأطلسي وانحرفت عن مسارها بسبب عاصفة شديدة أدّت إلى وصولها إلى الأمريكتين.

ADVERTISEMENT

حروب قرطاج مع روما (الحروب البونية أو البونيقية)

صورة من wikimedia

بعد بزوغ نجم الامبراطورية القرطاجية في غرب البحر المتوسط، تطلّعت قرطاج إلى التوسّع شرقًا وربط شرق البحر الأبيض بغربه، فحدثت اصطداماتٌ كبيرةٌ بين حضارتي قرطاج والحضارة الرومانية، وتمثّلت تلك الصراعات في ثلاث حروبٍ كبيرةٍ سُمّيت باسم "الحروب البونية" أو "البونيقية"، واستمرّت تلك الحروب ما يقرب من 43 عامًا، وكانت الحرب بريةً وبحريّةً أيضًا.

الحرب البونية الأولى

صورة من wikimedia

بدأت الحرب في عام 264 ق.م حينما استحوذ الرومان على جزءٍ من جزيرة "صقلية" وقاموا بحصار "أكراغاس" التي كانت قاعدةً رئيسيةً للقرطاجيين، مما استدعى القرطاجيين إلى إرسال جيشٍ ضخمٍ لتحرير الجزيرة عام 262 ق.م لكنه مُني بهزيمةٍ كبيرةٍ في معركة سُمّيت باسم معركة "أكراغاس". قام الرومان بعد ذلك بإنشاء أسطولٍ بحريٍّ قويٍّ للتغلّب على السيطرة البحريّة للأسطول القرطاجي واستطاعوا إحراز انتصارٍ كبيرٍ على القرطاجيين في أكبر معركةٍ بحريّةٍ في التاريخ من حيث عدد المشاركين بها، وسُمّيت باسم معركة "رأس إكنوموس". في عام 255 ق.م قام القرطاجيون بطلب عقد سلامٍ مع الرومان لكن الشروط التي اشترطها الرومان كانت قاسيةً جدًّا فاضطر القرطاجيون إلى استكمال الحرب وتحقيق انتصاراتٍ، فأرسل الرومان أسطولًا بحريًّا لإجلاء الناجين، وحاول القرطاجيون اعتراض الأسطول الروماني لكنهم فشلوا في ذلك، وبالرغم من ذلك فقد تمّ تدمير هذا الأسطول وخسر الرومان معظم سفنهم بسبب قيام عاصفةٍ شديدةٍ أدّت إلى خسارة الرومان لأكثر من 100 ألف جندي.

ADVERTISEMENT

استطاع القرطاجيون في عام 255 ق.م استرجاع "أكراغاس" وقاموا بهدمها وتدميرها لأنهم كانوا يرون أنهم لن يستطيعوا الدفاع عنها، وفي نفس الوقت كان الرومان يعملون بكل قوتهم لإعادة بناء أسطولهم البحري المدمَّر فنجحوا في إضافة 220 سفينة جديدة ونجحوا في الاستيلاء على "بانورموس" ( باليرمو حاليًّا)، لكن سوء الحظ كان حليف الرومان حيث خسروا 150 سفينة بسبب عاصفةٍ أخرى، لكنّ التوسّع الروماني استمر في شبه الجزيرة الإيطالية وصقلية وتبقّى فقط حصنان قرطاجيان في صقلية، وحاول الرومان تدمير الأسطول البحري القرطاجي فيهما لكنهم هُزموا في معركة "دريباناي"، لم يستسلم الرومان وأعادوا بناء أسطولهم عام 243 ق.م ونجحوا في الحصار البحري للحصنين القرطاجيين مما اضطر القرطاجيين إلى طلب معاهدة سلامٍ تنازلت على إثرها قرطاج عن "صقلية" لصالح الرومان، ممّا أدّى إلى حدوث تمرّدٍ كبيرٍ في الامبراطورية القرطاجية لكن ذلك التمرّد تمّ إخماده بنجاحٍ، وظلّت المنافسة بين الرومان والقرطاجيين قائمةً ممّا أدّت إلى قيام الحرب البونية الثانية.

ADVERTISEMENT

الحرب البونية الثانية

صورة من wikimedia

في عام 218 ق.م ظهر قائدٌ قرطاجيٌّ من أشهر وأهمّ القادة العسكريين في التاريخ، وهو "حنبعل" الذي قاد القرطاجيين في هجومٍ على البرّ الرئيسيّ لإيطاليا وتحقيق عدّة انتصاراتٍ متتاليةٍ لكنّ دخول الرومان إلى "قرطاج" اضطر "حنبعل" إلى الرجوع عام 204 ق.م قبل استكمال احتلال روما، وانهزمت القوات القرطاجية مما اضطرّهم إلى طلب معاهدة سلام مع الرومان، وكانت تلك المعاهد هي النهاية الغير رسمية للامبراطورية القرطاجية حيث دفعت قرطاج تعويضاتٍ هائلةً استمرّت في دفعها لمدة 50 سنة وتقلّصت ممتلكات الامبراطورية القرطاجية كثيرًا ولم تمثّل تهديدًا كبيرًا مرة أخرى على الرومان.

الحرب البونية الثالثة

صورة من wikimedia

في عام 149 ق.م قام الرومان بابتداع سببٍ لإعلان الحرب على قرطاج للقضاء عليها نهائيًّا، فقاموا بتدميرها كليًّا وذبحوا معظم أهلها وأصبحت قرطاج جزءًا من مقاطعة إفريقيا الرومانية لتعلن بذلك نهاية حقبة مضيئة في تاريخ تلك الأرض كانت يومًا ما من أقوى الامبراطوريات التي قامت على سواحل البحر الأبيض المتوسط. نجد بعض البقايا لمدينة "قرطاج" على بُعد 16 كم من مدينة تونس.

إسلام

إسلام

ADVERTISEMENT