لم تكن تلك البلاطات الزرقاء مجرد زينة قط

ADVERTISEMENT
ADVERTISEMENT

ليست تلك البلاطات الزرقاء هناك لمجرد تجميل الجدار. إنها تنظّم انتباهك، وترتّب مدخل المبنى في سلّم الأهمية، وتشير إلى مكانته عبر القوس، وأشرطة البلاط، والعنصرين الرأسيين المتقابلين، والتصميم المتمركز.

هذه هي واجهة المدخل في مسجد نصير الملك في شيراز، الذي شُيّد في إيران خلال العصر القاجاري واكتمل عام 1888. ولكي تحسن قراءتها، عليك أن تضع جانبًا عادة حديثة تميل إلى وصف أعمال السطح الغنية بأنها «زخرفة»، وأن تنظر بدلًا من ذلك من خلال قواعد العمارة الفارسية الإسلامية، حيث يرتبط السطح والبنية والمعنى بعضُها ببعض.

ADVERTISEMENT

قراءة مقترحة

تصوير بوليا غلايزر على Unsplash

ما يبدو مسطحًا للوهلة الأولى يقدّم لك تعليمات بالفعل

ابدأ بالموضع. قبل أن يفعل اللون أي شيء، تخبرك الواجهة أين تريد البناية لعينيك أن تتجها. فأقوى موضع للتأكيد يقع في منطقة المدخل، حيث يجمع القوس الرئيسي أغنى كثافة من أعمال البلاط والتأطير، فيجعل العتبة تُقرأ بوصفها الواجهة العامة للمبنى ونقطة التوجّه الروحي فيه.

وهذا ليس استنتاجًا قائمًا على الجمال وحده. فالدراسات المعمارية للمسجد، المعتمدة على الملاحظة الميدانية، تصف واجهته بأنها سطح مؤلَّف تتعاون فيه الهيئة والمادة والزخرفة، ولا سيما حول المدخل. بمعنى آخر، لم يُضف البلاط بعد الفراغ من البناء كما تُضاف طبقة تزيين أخيرة. بل هو جزء من الطريقة التي تتكلم بها الواجهة.

وإذا أردت طريقة سريعة لاختبار ذلك، فجرّب حيلة صغيرة. احجب اللون في ذهنك وانظر إلى الموضع وحده. أي الأجزاء في الواجهة لا تزال تفرض نفسها على انتباهك؟ في الغالب ستكون الإجابة واحدة: القوس المركزي، وأشرطة التأطير المحيطة به، والعناصر الرأسية التي تثبّته وتزيده ارتفاعًا.

ADVERTISEMENT

لماذا يفعل التناظر هنا أكثر من مجرد إرضاء العين

ثم يأتي التناظر. فكثير من واجهات المساجد الفارسية تستخدم التوازن الثنائي الجانبين، أي إن الجهة اليسرى واليمنى تتجاوبان عبر خط مركزي. وهذا التوازن يرضي العين بالفعل، نعم، لكنه يثبّت المعنى أيضًا. فهو يخبرك أين يقع المحور، وأين تتجمع الأهمية، وأين يغدو الدخول رسميًا لا عابرًا.

تمهّل عند المدخل وستشعر بالمنهج. فالقوس المدبب يشكّل الحقل الرئيسي. وتشتد أشرطة البلاط حوله كما لو كانت إطارًا داخل إطار. أما العنصران الرأسيان على الجانبين فيعملان أشبه بعلامتين تحدّان من تشتت المركز. وقد قرر كثير من مؤرخي العمارة الإسلامية هذه الفكرة العامة نفسها: تكوين الواجهة في هذا التقليد ليس تبعثرًا من الزخارف، بل تراتبية تُبنى عبر التمركز والتأطير والتكرار.

ADVERTISEMENT

تخيّل الآن أنك تقف أمام الواجهة وتحاول أن تقرر أي الأجزاء فيها «جميلة فحسب». سؤال صعب، أليس كذلك؟ فبحلول اللحظة التي تطرحه فيها، يكون المبنى قد درّب عينك بالفعل. فالنمط يوجّه، واللون يرتّب في سلّم الأهمية، والتناظر يضاعف، والموضع يعلن، والتكرار يعلّم العين أين تتوقف.

ثم تأتي بركة الانعكاس فتجعل الدرس أوضح. تتجمع زرقة أعمال البلاط مرة أخرى في الماء، وتجعل الصورة المزدوجة النظام الثنائي الجانبين يبدو شبه تعليمي. وما يبدو مشهدًا عابرًا يتبين أنه سطح قراءة ثانٍ، يوضّح هندسة المبنى ويجعل الرسالة المتمركزة فيه أصعب على أن تُفلت من الانتباه.

ما يغفله معظم الناس حين يقولون «زخرفة»

يتضح منطق الواجهة بأكبر قدر حين تفكك نظامها البصري إلى طبقات مرتبة، بدلًا من التعامل مع كل هذا الغنى السطحي على أنه شيء واحد.

ADVERTISEMENT

كيف توصل الواجهة معنى الأهمية

1

الموضع

تتجمع أقوى درجات التأكيد عند منطقة المدخل، فتدل العين على الموضع الذي تبدأ منه الأهمية.

2

التناظر

يثبّت التوازن الثنائي الجانبين خط المركز ويجعل الدخول يبدو رسميًا لا عابرًا.

3

النمط

تفصل المناطق الكثيفة والهادئة بين الحافة والمركز، وبين الإطار والحقل، وبين الاقتراب والعتبة.

4

اللون

يزيد الأزرق والوردي وضوح الحدود، ويفصلان بين الحقول، ويكثفان التراتب الذي كانت البنية قد رسخته بالفعل.

وهنا يتوقف كثيرون قبل الأوان. فهم يلاحظون التعقيد لكنهم لا ينتبهون إلى التوزيع. أمّا المُرمِّم فيتعلّم أن يسأل لا عمّا إذا كان ثمة نمط فحسب، بل أين يشتد، وأين يخف، وما الذي يلتف حوله. وفي مدخل نصير الملك، تتجمع أقوى كثافة نمطية حيث تريد البناية أن تمنح الانتباه طابعًا احتفاليًا.

ويأتي اللون رابعًا، لا لأنه أقل شأنًا، بل لأن اللون يعمل بأفضل صورة حين تكون البنية قد ترسخت أصلًا. فالأزرق والوردي الشهيرين في هذا المسجد يفعلان أكثر من مجرد إمتاع العين. إنهما يفصلان بين الحقول، ويزيدان الحدود حدة، ويكثفان أهمية واجهة المدخل. فاللون هنا أداة ترتيب في سلّم الأهمية بقدر ما هو مصدر متعة.

ADVERTISEMENT

لهذا يهمّ هذا الترتيب: الموضع أولًا، ثم التناظر، ثم النمط، ثم اللون. وحين ترى الأمر على هذا النحو، لا يعود الجمال شيئًا مضافًا من الخارج، بل يبدو شيئًا بُني في صلب العمل.

نعم، تكون الزخرفة أحيانًا زخرفة بالفعل، لكن ليس بالمعنى الساذج

ثمة حدّ صادق واحد يجدر إبقاؤه نصب العين. فليس كل عنصر زخرفي في واجهة تاريخية يحمل معنى رمزيًا ثابتًا واحدًا يمكننا ترجمته كما لو كان تعليقًا توضيحيًا. فبعض الأشكال ينتمي إلى عادات مشتركة بين الورش، وبعضها إلى ذوق ديني وبلاطي عام، وبعضها إلى أعراف معمارية ممتدة لا إلى رسالة واحدة مشفرة.

والتمييز الأجدى هنا هو بين قراءة متهاونة وقراءة دقيقة.

كيف نقرأ الزخرفة قراءة دقيقة

الاعتقاد الشائع

كل عنصر زخرفي في واجهة تاريخية له معنى رمزي ثابت واحد يمكن ترجمته على نحو دقيق.

الواقع

أكثر ما يمكن الجزم به بأمان هو ما يظهر ويُوثَّق: فالزخرفة تؤطر، وتمركز، وتكرر، وتدل على المكانة، وتساعد على تنظيم الاقتراب والوقار.

ADVERTISEMENT

ولهذا تكتسب الواجهة هذا القدر من الأهمية. فواجهة المسجد ينبغي أن تعلن الاقتراب والنظام والوقار قبل أن تخطو إلى الداخل. والسطح يؤدي هذا العمل في الفضاء العام. إنه يعلّم العين كيف تدخل.

طريقة أفضل للنظر، حين تعرف الحيلة

إذا أردت اختبارًا ذاتيًا واحدًا يمكن الاعتماد عليه، فليكن هذا: احجب اللون في ذهنك وانظر إلى الموضع وحده. ثم أعد اللون واسأل عمّا الذي يعززه. عندها ستبدأ في رؤية المنطق القديم للواجهة، حيث لا يُترك أي شيء مهم من غير علامة.

الخطأ الشائع هو الظن أن البلاط هو الجزء الزائد. لكن في مسجد نصير الملك، هو جزء من نحو المبنى، يخبرك بما ينبغي أن تلاحظه، وما الذي يعلو غيره في الرتبة، وأين تعلن العتبة عن نفسها.

ما بدا زخرفة كان في الحقيقة عمارة تؤدي وظيفتها على الملأ.