لم تكن تلك البلاطات الزرقاء مجرد زينة قط
ADVERTISEMENT

تعمل البلاطات الزرقاء في واجهة مسجد نصير الملك كجزء من تكوين المدخل: تجمع النظر حول القوس، وتفصل المركز عن أطراف الواجهة، وتربط العنصرين العموديين المتقابلين بتصميم متمركز. الزخارف جميلة، لكن موضعها وكثافتها وترتيبها هي التي تمنحها وظيفتها المعمارية.

تقع هذه الواجهة في شيراز بإيران، ويؤرخ أرشيف آرchnet بناء المسجد بين

ADVERTISEMENT

عامي 1876 و1888، في العهد القاجاري. ولقراءتها بوضوح، انظر إلى السطح والبنية والمعنى كطبقات تعمل معًا؛ فالبلاط هنا لا يغطي الجدار وحسب، وإنما يحدد الأجزاء التي تتقدم بصريًا والأجزاء التي تتراجع.

تصوير بوليا غلايزر على Unsplash

موضع البلاط يرسم تراتبية الواجهة

ابدأ بالموضع قبل اللون. تتركز أغنى أعمال البلاط والتأطير حول المدخل، فيغدو القوس الرئيس أثقل أجزاء الواجهة بصريًا. أما المساحات المحيطة به فتبقى أهدأ نسبيًا، وبذلك تظهر العتبة كمركز علني للمبنى ونقطة الانتقال من الخارج إلى الداخل.

ADVERTISEMENT

اعتمدت ساره كافياني وإلهه أحمدي وبهاره رجائي في دراستهن المنشورة عام 2023 عن الإحساس بالمكان في مسجد نصير الملك على الملاحظة والمعاينة الميدانية، مع التركيز على العوامل المادية. تساعد هذه المقاربة على فهم الواجهة كسطح مؤلف من الهيئة والمادة والزخرفة، لا كهيكل مكتمل أضيفت إليه طبقة تزيين منفصلة.

يمكنك تمييز هذا التنظيم حتى إذا تخيلت الواجهة من دون ألوانها. سيظل القوس المركزي أول ما يبرز، تليه الأشرطة التي تتبعه وتؤطره، ثم العنصران العموديان اللذان يحددان جانبيه ويرفعان امتداد التكوين. اللون يقوي ترتيبًا سبق أن أنشأته الكتل والحدود.

التناظر يثبت المحور ويمنح الدخول رسميته

يتجاوب جانبا المدخل عبر خط مركزي واضح. هذا التناظر الثنائي يثبت موضع المحور ويمنع الزخارف الكثيفة من تفتيت الواجهة إلى أجزاء متنافسة؛ فما يظهر على اليمين يجد صدى على اليسار، ويبقى القوس بينهما هو العنصر الحاكم.

ADVERTISEMENT

داخل هذا النظام، يشكل القوس المدبب الحقل الرئيس. تحيط به أشرطة البلاط كإطارات متعاقبة، بينما يعمل العنصران العموديان المحيطان به كحدين بصريين. والنتيجة أن العين لا تتنقل عشوائيًا بين الزخارف، وإنما تنتقل من الطرفين نحو الوسط، ثم من الإطار إلى فتحة الدخول.

تضيف بركة الانعكاس نسخة مقلوبة من هذا الترتيب. حين تظهر الواجهة مرة أخرى في الماء، يصير المحور أوضح ويزداد حضور التوازن بين الجانبين. البركة لا تغير بناء الواجهة، لكنها تكشف هندسته عبر مضاعفة القوس والأشرطة والعناصر الرأسية في سطح ثان.

النمط يقسم السطح إلى مناطق متفاوتة الكثافة

تتوزع الأشكال الزهرية والأنظمة الهندسية وأشرطة الخط على الواجهة بدرجات مختلفة من الكثافة. المناطق المحيطة بالمدخل أكثر ازدحامًا وتأكيدًا، بينما تتيح الأجزاء الأهدأ للقوس وإطاراته أن تبقى مقروءة. بهذا التفاوت يمكن تمييز الحافة من المركز، والإطار من الحقل، ومسار الاقتراب من العتبة نفسها.

ADVERTISEMENT

راقب حدود النمط، لا تفاصيله المفردة فقط. أين يبدأ شريط زخرفي وأين ينتهي؟ ما العنصر الذي يلتف حوله؟ وأي مساحة يتركها أكثر هدوءًا؟ ستجد أن أقوى الجهد الزخرفي يتجمع حيث تريد الواجهة أن تمنح الدخول وزنًا احتفاليًا، في حين تعمل التكرارات الأصغر على وصل ذلك المركز ببقية السطح.

لهذا لا تكفي ملاحظة دقة البلاط أو عدد ألوانه. توزيع الدقة هو العنصر الحاسم: التكرار المتقارب يرفع الشدة البصرية، والانقطاع أو الاتساع يخلق فسحة، والشريط المستمر يرسم حدًا. كل نمط يؤدي وظيفة داخل تركيب أكبر منه.

اللون يقوي الحدود التي أنشأها التكوين

تأتي الدرجات الزرقاء والوردية الشهيرة في المسجد فوق نظام استقر بالقوس والتناظر والأشرطة. تفصل الألوان بين الحقول، وتجعل الحدود أكثر وضوحًا، وتزيد ثقل منطقة المدخل مقارنة بما حولها. وهكذا يصبح اللون أداة لترتيب المكان إلى جانب كونه مصدرًا للمتعة البصرية.

ADVERTISEMENT

جرّب القراءة على مرحلتين: تخيل البلاط بدرجات رمادية وحدد المركز والإطارات والعناصر الرأسية، ثم أعد الأزرق والوردي إلى الصورة. ستلاحظ عندئذ أن اللون لا ينشئ المحور من الصفر؛ إنه يجعل المحور أسرع ظهورًا، ويفصل طبقات التأطير التي كان يمكن أن تتداخل لولا اختلاف الحقول اللونية.

ترتيب النظر هنا هو الموضع، ثم التناظر، ثم النمط، ثم اللون. لا يتعلق ذلك بترتيب تنفيذ أجزاء المبنى، وإنما بطريقة تحليل ما تراه: حدد موضع التركيز، وافحص توازن الجانبين، وتتبع كثافة التكرار، ثم لاحظ ما تضيفه الألوان إلى الحدود والمركز.

الزخرفة لا تحمل دائمًا شفرة رمزية واحدة

لا يلزم أن تكون لكل زهرة أو التفافة دلالة واحدة ثابتة يمكن ترجمتها كتعليق مكتوب. بعض الأشكال ينتمي إلى عادات مشتركة بين الورش، وبعضها يتصل بالذوق الديني والبلاطي، وبعضها استقر بفعل التقاليد المعمارية. تحميل كل تفصيل معنى منفردًا يطمس الوظيفة التي يمكن رؤيتها مباشرة في التكوين العام.

ADVERTISEMENT

أما التأطير والتمركز والتكرار وتفاوت الكثافة، فيمكن تتبعها على سطح الواجهة نفسه. هذه العلاقات هي التي تعلن مكانة المدخل وتفصل العتبة عن بقية الجدار. المعنى المعماري هنا ناتج عن طريقة اجتماع العناصر، لا عن افتراض رسالة مشفرة داخل كل شكل.

اقرأ الواجهة من الهيكل إلى اللون

حين تقف أمام واجهة غنية كهذه، احجب اللون في ذهنك للحظة وحدد ما بقي بارزًا: القوس، وإطاراته، والعنصران العموديان، والمحور الذي يجمعها. بعد ذلك أعد اللون واسأل أين يزيد الفصل وأين يرفع الكثافة. تتيح لك هذه الطريقة تمييز عمل البلاط من أثره الجمالي المباشر.

في مدخل مسجد نصير الملك، تدخل البلاطات في نحو الواجهة نفسها. فهي تحدد المركز، وتوضح تدرج الأجزاء، وتمنح العتبة حضورها قبل أن تعبرها.

كلاوس

كلاوس

ADVERTISEMENT
قبل أن تصبح بطاقة بريدية، كانت زقاق الأزهار الأندلسية تقليدًا من تقاليد التكيّف مع المناخ
ADVERTISEMENT

ما يبدو وكأنه زقاق محبوب مغطى بالزهور كان في الأصل وسيلة للتعايش مع الحر في مدينة قد يشتد فيها قيظ الصيف لأشهر. لقد اشتهرت «كاييخا دي لاس فلوريس»، الكائنة في قلب قرطبة القديم قرب المسجد-الكاتدرائية، بوصفها منظرًا جميلًا في وقت لاحق؛ أما في البداية فكانت جزءًا من أسلوب للعيش يقوم

ADVERTISEMENT

على خلق الظل، وتبريد الجدران، وإدامة فضاء منزلي يُروى بالماء.

صورة بعدسة كريستيان هيرغيسيل على Unsplash

وهذا مهم، لأن هذا الممر الصغير يُتعامل معه كثيرًا كما لو أنه صُنع من أجل البطاقات البريدية. ولم يكن كذلك. فالزقاق يقع ضمن نسيج تاريخي تشكّل بفعل الطقس الحار، والهندسة الحضرية المتقاربة، والمنازل التي كانت تنفتح إلى الداخل حول أفنية تمنح قدرًا من الراحة.

البطاقة البريدية حقيقية. لكن السبب الكامن وراءها أفضل.

لم تخترع قرطبة الزهور من أجل السياح. فثقافة الأفنية فيها قديمة بما يكفي، ومتجذرة بما يكفي، وموثقة بما يكفي، حتى إن اليونسكو أدرجت «مهرجان الأفنية» ضمن قائمتها للتراث الثقافي غير المادي عام 2012. ولم يكن هذا الاعتراف متعلقًا بالزينة وحدها، بل بالممارسات الاجتماعية المرتبطة بالعمارة المنزلية: الساحات المشتركة، والعناية بالنباتات، والجدران المطلية بالجير الأبيض، والماء، والحياة اليومية المنظمة على نحو يجعل المنازل قابلة للعيش.

ADVERTISEMENT

قبل أن يصل هذا العدد الكبير من الزوار وهواتفهم في أيديهم، كان هذا عملًا من أعمال الحي. كان هناك من يسقي الأصص في الوقت البارد من النهار. وكان هناك من يطلي الجدران بالجير الأبيض لأن اللون الأبيض يرد أشعة الشمس أفضل من الطلاء الداكن. وكانت الأبواب والنوافذ تتجه إلى الداخل نحو الأفنية، لأن مركز المنزل، لا واجهته المطلة على الشارع، هو الذي كان يضطلع بجانب كبير من التبريد.

تلك هي الحقيقة الأبطأ الكامنة تحت الزقاق الشهير. فقد كان التعامل مع الحر يُدار بالعادات بقدر ما يُدار بالبناء. وكانت الزهور جزءًا من تلك العادة.

ما الذي كانت تفعله البيوت القديمة بينما كان الناس يعجبون بالزهور؟

لنبدأ بما تراه فورًا: التبييض بالجير. ففي جنوب إسبانيا، كان طلاء الجير الأبيض رخيصًا وعمليًا وفعالًا في عكس أشعة الشمس القوية. فالجدار الفاتح يمتص حرارة أقل من الجدار الداكن، ولذلك يبقى سطحه أقل قسوة، ويكتسب الهواء المحيط به حرارة على مهل أكبر.

ADVERTISEMENT

ثم انظر إلى الشارع نفسه. فالمركز التاريخي لقرطبة مليء بالممرات الضيقة، لأن الضيق ليس مجرد ملمح تصويري جميل؛ بل هو ظل. فعندما تكون الجدران متقاربة، تصل أشعة الشمس المباشرة إلى الأرض لساعات أقل، ويغدو الشارع ممرًا أبرد بين فضاءات مفتوحة أشد حرارة.

وتضيف النباتات طبقة أخرى. فمن خلال النتح، وهي كلمة علمية بسيطة تصف انتقال الماء من الأوراق والتربة إلى الهواء، تستطيع النباتات أن تُبرّد محيطها المباشر بدرجة طفيفة. لا، إن جدارًا مغطى بإصباريات الغرنوقي لا يحول أغسطس إلى ربيع. لكن في مكان حار جاف، تكتسب كل مسحة من الظل والرطوبة أهميتها، لا سيما حين تعمل مع عناصر أخرى لا بمفردها.

ثم تأتي الأفنية، وهي المحرك الحقيقي لهذا النظام. فمنذ زمن طويل، خلصت الأبحاث المتعلقة بالمساكن ذات الأفنية في مناخات البحر المتوسط والمناخات الحارة الجافة إلى أن الأفنية المغلقة تستطيع أن تخلق مناخات محلية أبرد وأكثر استقرارًا من الشوارع المكشوفة، بفضل جمعها بين الظل، وحركة الهواء، والنباتات، والسلوك الحراري البطيء للجدران السميكة والأرضيات المرصوفة. وفي قرطبة، يشير المعماريون المحليون وخبراء التراث بانتظام إلى الفناء بوصفه وسيلة منزلية للتبريد بقدر ما هو فضاء اجتماعي.

ADVERTISEMENT

ويساعد الحجر أيضًا بطريقته القديمة. فالبناء التقليدي لا يتفاعل بسرعة؛ إنه يمتص الحرارة ببطء ويطلقها ببطء، وهو ما يمكن أن يخفف من أشد تقلبات النهار حين يكون المبنى مظللًا ومهوّى في الأوقات المناسبة.

لماذا جاءت الجماليات بعد الوظيفة، لا قبلها؟

هنا يتكاسل الناس قليلًا في فهم الحكاية. فهم يرون أصص الزهور على الجدران البيضاء، ويفترضون أن كل هذا بدأ عرضًا بصريًا. لكن الأماكن العامية، تلك التي شكّلها الاستخدام اليومي العادي عبر زمن طويل، كثيرًا ما تصبح جذابة لأنها حلّت مشكلة ما على نحو جيد بما يكفي لكي تستمر.

تنتمي «كاييخا دي لاس فلوريس» إلى هذا المنطق. فهي تقع في الحي اليهودي، داخل النواة التاريخية الكثيفة، حيث كان الظل، وتراص الشوارع، والمنازل المنفتحة إلى الداخل أمورًا منطقية قبل زمن طويل من تحويلها في أدبيات السفر إلى رموز للأندلس. والزقاق الشهير مثال مصقول لعادات موجودة في أنحاء المدينة، لا استثناءً زخرفيًا أُلقي فيها.

ADVERTISEMENT

ولا تزال المواد الرسمية للسياحة في قرطبة تربط هذا الزقاق بتقاليد الأفنية والزهور في المدينة، وهذا منصف إلى حد ما. لكن الخطأ هو التوقف عند هذا الحد، كما لو أن الزهور كانت سطحًا فقط. ففي قرطبة، كان السطح والبقاء رفيقين قديمين.

لنكن صريحين: هل عُلّقت الأصص من أجل الجمال أم من أجل البقاء؟

من أجل البقاء أولًا، ثم جاء الجمال قريبًا وراءه. هذا هو الجواب المختصر.

فالطلاء الأبيض يعكس. والجدران المتقاربة تصنع الظل. والنباتات تنتح. والأفنية تحتفظ بهواء أبرد. والحجر السميك يطلق الحرارة ببطء. وإذا جمعت هذه العناصر في مدينة حارة واحدة، فلن يعود الزقاق الجميل يبدو وكأنه جاء مصادفة.

والآن، لنكن صريحين من دون أن نصبح سخيفين حيال الأمر. فهذا لا يعني أن كل أصيص على كل جدار عُلّق بدافع التبريد وحده. فمع مرور الوقت، امتزجت العملية بالعرض. الناس يعتزون بمنازلهم. والأحياء تتنافس قليلًا. ويصل الزوار. وما كان نافعًا صار أيضًا شيئًا يُعرض.

ADVERTISEMENT

ونعم، يُعتنى اليوم بالزقاق بصورة أكثر ضبطًا لأن السياحة تكافئ الصورة المألوفة. وتُصان الأصص مع مراعاة تلك الصورة. لكن السياحة ضخّمت هذا المظهر ووحّدته؛ ولم تخترع المنطق البيئي الكامن تحته.

كيف تلاحظ الذكاء المناخي نفسه في مكان آخر؟

إذا أردت اختبارًا مفيدًا في نزهتك المقبلة في طقس حار، فابحث عن مجموعة سمات لا عن تفصيل ساحر واحد. فالشوارع الأبرد تشترك غالبًا في أربعة أمور معًا: جدران فاتحة، وظل ناتج عن الضيق، ونباتات، وقدر محدود من أشعة الشمس المباشرة. وإذا أضفت أفنية داخلية أو بناءً حجريًا سميكًا، فغالبًا ما تكون أمام مكان شكّله الحر، لا مجرد الذوق.

ولهذا تستحق «كاييخا دي لاس فلوريس» أكثر من صورة سريعة. فهي تكشف، في امتداد صغير واحد، كيف تعاملت قرطبة طويلًا مع الصيف عبر تراكب حيل متواضعة حتى صارت نظامًا. يمكنك أن تُعجب بالزهور، بالطبع. لكن لا تفوّت الجدار الذي يقف وراءها.

ADVERTISEMENT

ذلك الشارع الشهير المعلق بأصص الزهور لم يولد بوصفه مشهدًا رومانسيًا مُعدًا سلفًا؛ بل صار رمزًا بعد أن كان قد أدّى بالفعل المهمة الأصعب: مساعدة الناس على التعايش مع حر قرطبة.

كلاوس

كلاوس

ADVERTISEMENT
براعة الكاري اليابانية: طبق وطني محبوب الجميع
ADVERTISEMENT

هل لديك طبق ارتبط لديك بطعام الطفولة، مثل حساء الدجاج بالشعيرية أو المعكرونة بالجبن أو السمك والبطاطا؟ لدى كثير من اليابانيين يشغل الأرز بالكاري هذه المكانة. صلصته السميكة ونكهته الدافئة جعلتاه طعامًا منزليًا مألوفًا، مع أن جذوره تمتد من الهند إلى بريطانيا قبل أن يصل إلى اليابان ويأخذ صورته المحلية.

ADVERTISEMENT

كيف اكتسب الكاري قوامه الياباني؟

الصورة عبر Weronika Krztoń على unsplash

يختلف الكاري الياباني عن كثير من أنواع الكاري الهندي في قوامه الكثيف وطريقة تقديمه. وتوضح وزارة الزراعة والغابات ومصايد الأسماك اليابانية أن الكاري وصل إلى اليابان خلال عصر ميجي، وأن البحرية اليابانية تبنت يخنة بنكهة الكاري وصلصة مكثفة. كانت النسخة البريطانية التي سبقتها قد استخدمت الدقيق للحصول على قوام أقرب إلى اليخنة، بما يلائم إعداد وجبات مشبعة خلال الرحلات البحرية الطويلة.

ADVERTISEMENT

جاء ذلك في عصر ميجي الممتد من 1868 إلى 1912، حين خرجت اليابان من سياسة العزلة وبدأت تستوعب عادات وأطعمة غربية. زاد اليابانيون كثافة الصلصة وقدموها مع الأرز، فتشكل طبق الأرز بالكاري المعروف اليوم. وكلمة كاري نفسها تكتب بالكاتاكانا، وهي الكتابة المستخدمة عادة للكلمات الأجنبية، لكن الطبق الذي تحمله الكلمة صار ذا وصفة وشخصية يابانيتين واضحتين.

تكشف أرقام الاستهلاك مقدار حضوره في الطعام اليومي. فبحسب إحصاءات جمعية مصنعي الكاري في عموم اليابان التي تنقلها شركة إس آند بي فودز، أكل اليابانيون الكاري بمعدل 72.6 مرة للفرد خلال عام 2015. ويورد حساب آخر لذلك العام إنتاج نحو 13,898 طنًا من مسحوق الكاري، بما يعادل قرابة 10 مليارات طبق؛ وعند قسمتها على عدد السكان في ذلك الوقت يصل المتوسط إلى 79.1 طبقًا للفرد سنويًا، أي أكثر من مرة كل أسبوع. وفي استطلاع منفصل شمل أكثر من 60,000 شخص، حل الأرز بالكاري ثانيًا بعد السوشي بين الأطباق المفضلة.

ADVERTISEMENT

بقي ارتباط الطبق بالبحرية حاضرًا أيضًا. يذكر موقع العلاقات العامة لحكومة اليابان أن قوة الدفاع الذاتي البحرية تقدم الكاري كل يوم جمعة أثناء الرحلات البحرية، كي يحتفظ أفراد الطاقم بإحساس واضح بتعاقب أيام الأسبوع وهم في البحر.

من طبق منزلي إلى منافس للسوشي والرامين

الصورة عبر Tom Dillon على unsplash

خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، كان السوشي يُعامل لدى عائلات كثيرة كوجبة للمناسبات الخاصة بسبب كلفته. أما بين الأطفال فكان الأرز بالكاري في مقدمة الأطباق المحبوبة، يليه الدجاج المقلي ثم شرائح اللحم. كان الكاري سهل الإعداد في قدر واحد، ويمكن ضبط حدته بما يناسب أفراد الأسرة، كما أن مكوناته الأساسية متاحة في معظم المطابخ.

تغير الترتيب مع انخفاض أسعار السوشي والرامين وانتشارهما خارج المطاعم المتخصصة. صار السوشي في الصدارة، وجاء الأرز بالكاري بعده ثم الرامين. ويواكب هذا التحول ميل مزيد من العائلات إلى تناول الطعام خارج المنزل أو شراء الوجبات الجاهزة، في مقابل الأطباق التي تحتاج إلى الطهي المنزلي.

ADVERTISEMENT

ثلاثة فروع للكاري خارج طبق الأرز

الصورة عبر ERIC ZHU على unsplash

أسهمت فترة العزلة في عصر إيدو، من 1603 إلى 1867، في ترسيخ عادة ابتكار استخدامات متعددة للمكونات المتاحة. وبعد دخول الكاري إلى البلاد، امتدت النكهة إلى أطباق أخرى ولم تبق محصورة في الصلصة المقدمة فوق الأرز:

  • كاري أودون:شعيرية أودون سميكة تقدم في مرق بنكهة الكاري مصنوع من الداشي الياباني التقليدي. يمنح المرق الطبق طابعًا أخف من صلصة الأرز، مع بقاء القوام كثيفًا بما يكفي ليلتصق بالشعيرية.
  • خبز الكاري:لفافة خبز محشوة بالكاري، تغطى بفتات البانكو ثم تقلى حتى تكتسب لونًا ذهبيًا وقشرة مقرمشة.
  • الكاري على الطراز الصيني:يضاف مسحوق الكاري فيه إلى مرق الدجاج أو مرق الرامين، ثم يثخن بنشاء البطاطا.

داخل المنزل، تسمح الصلصة بمساحة واسعة للتعديل. قد يضيف الطاهي صلصة الصويا أو الكاتشب أو القهوة الفورية أو الشوكولاتة لتغيير الحلاوة والمرارة وعمق النكهة. أما التكوين الشائع فيجمع اللحم البقري أو الدجاج مع البطاطا والبصل والجزر. وتذكر مادة حكومية في موقع ويب جابان أن الصيغة الأساسية للأرز بالكاري استقرت في العقد الثاني من القرن العشرين، وظلت ملامحها العامة متقاربة منذ ذلك الحين.

ADVERTISEMENT

المصنعون يحولون الخلطة إلى منتج منزلي ثابت

ظل مسحوق الكاري المستعمل في اليابان مستوردًا حتى عصر تايشو، الممتد من 1912 إلى 1926. وفي عام 1923 نجح مينيجيرو يامازاكي في إنتاج أول مسحوق كاري محلي في اليابان، بحسب السجل التاريخي لشركة إس آند بي فودز التي أسس نواتها التجارية لاحقًا. وخلال عصر شوا، من 1926 إلى 1989، انتشر مسحوق الكاري المحلي الجيد والمنخفض السعر، فأصبح إعداد الطبق في المنزل أسهل.

لا يقتصر عمل الشركات على مزج التوابل. فهي تختبر طريقة قلي المكونات، ومستويات الحدة، والمدة المناسبة للغلي، ثم تطبع وصفات مفصلة على العبوات كي يحصل الطاهي المنزلي على قوام متقارب في كل مرة. وتوجد كذلك مراكز مخصصة لأبحاث الكاري، يعمل في أحدها نحو 10 باحثين على تطوير نكهات وأصناف جديدة. هذا الجمع بين الخلطة الجاهزة والتعليمات الدقيقة ساعد الطبق على مواكبة المطابخ التي تريد وجبة قابلة للتكرار من دون إعداد مزيج التوابل من الصفر.

ADVERTISEMENT

حين تصبح البقايا قدرًا جديدًا من الكاري

الصورة عبر Motokoka على commons.wikimedia.org

تظهر مرونة الكاري بوضوح عند التعامل مع بقايا الطعام. ما يتبقى من القدر الساخن أو اليخنة أو حساء الخضار يمكن غليه مع خلطة الكاري للحصول على وجبة مختلفة في اليوم التالي. حتى قطع اللحم المشوي المتبقية يمكن إضافتها إلى الصلصة، فتستفيد من وقت الغلي وتصبح جزءًا من طبق يقدم مع الأرز. وبمجرد امتزاج المكونات بالتوابل والصلصة الكثيفة، تطغى هوية الكاري على أصل الوجبة السابقة.

الكاري الياباني في المطبخ المنزلي

الصورة عبر Raman على unsplash

يجمع الكاري الياباني بين أثر الوصفة البريطانية ومكونات المطبخ المنزلي الياباني: صلصة مكثفة بالدقيق، وأرز، ولحم أو دجاج، وبطاطا وبصل وجزر. ويمكن صنعه في المنزل وفق الوصفة المطبوعة على عبوة الخلطة، أو تعديل نكهته بإحدى الإضافات الشائعة مثل صلصة الصويا أو القهوة أو الشوكولاتة، مع إبقاء القوام الكثيف الذي يميز الطبق.

شيماء

شيماء

ADVERTISEMENT