ما يبدو كأنه مدينة من واجهات حجرية مشيَّدة هو في الحقيقة مدينة منحوتة في الصخر، وهذا الفارق يغيّر الطريقة التي ينبغي أن نقرأ بها البتراء في الأردن اليوم.
لم يكن الأنباط، وهم الشعب العربي الذي جعل البتراء ذائعة الصيت، يشيّدون كثيرًا من أشهر معالمها حجرًا فوق حجر. بل كانوا ينحتونها من جروف الحجر الرملي الحيّة. وتصفها اليونسكو بعبارة واضحة بوصفها مكانًا تلتقي فيه الواجهات ذات الطراز الهلنستي مع المقابر والمعابد النبطية المنحوتة في الصخر. وهذه العبارة الأخيرة مهمة: فـ«منحوتة في الصخر» تعني أنها قُطعت في الجرف نفسه، لا أنها بُنيت ثم أُلصقت به.
قراءة مقترحة
ابدأ بواجهة شهيرة، من ذلك النوع الذي يضم أعمدة وتاجًا مثلثًا ومدخلًا مظلمًا متراجعًا خلفها. هنا تفعل عينك ما تفعله العيون عادة: تقرأ الأعمدة بوصفها دعامات، والتاج المثلث بوصفه خط السقف، والباب بوصفه واجهة مبنى.
لكن هذه العناصر المألوفة قد تخدعك في البتراء.
تبدو الأعمدة والتيجان المثلثة وإطارات الأبواب كأنها أجزاء معمارية منفصلة جُمعت قطعة قطعة.
في البتراء، كثيرًا ما تكون هذه السمات منحوتة من الكتلة نفسها المتصلة من الحجر الرملي التي تكوّن الجرف المحيط بها.
وهذا يغيّر مهمة البناء كلها.
يجمع البنّاء الحجر، وينقله، ويشكّله، ثم يرصّ حجرًا فوق آخر.
يبدأ النقّاش من الجرف نفسه ويزيل ما لا ينتمي إليه.
تنبثق الواجهة المزخرفة كلما نُحت سطح الصخر إلى الخلف.
يُنشأ الفراغ الداخلي بالحفر، لا بإحاطة فراغ خالٍ بجدران.
إذا أردت اختبارًا سريعًا لنفسك، فابحث عن علامة واحدة تدل على الإزالة لا على التشييد: هل تبدو الأعمدة والواجهة المزخرفة والجرف المحيط كلها سطحًا حجريًا واحدًا متصلًا؟ في البتراء، كثيرًا ما يكون الأمر كذلك. وما إن ترى ذلك حتى يتوقف المكان عن التصرف كأنه عمارة عادية.
والحفر لا يغيّر الطريقة وحدها، بل يغيّر التخطيط والعمل والزخرفة معًا. يُقطع السطح، ويُسوّى المستوي، ويُجعل المدخل غائرًا، وتُفرّغ الحجرة، ثم تُصقَل التفاصيل. وما يكون في المبنى المشيَّد مراحل منفصلة يصبح هنا فعل إزالة واحدًا مترابطًا.
فـ«المبنى» في الحقيقة هو الجبل بعد أن أزيل وسطه.
وإذا وقفت قريبًا بما يكفي لتلمس الحجر الرملي، فسوف تستقر الفكرة في يدك. ستجده خشن الحبيبات، متفتتًا قليلًا، لا ككومة صلبة من كتل حجرية متراصة. وهذه الليونة ليست ثغرة في الحكاية، بل هي جزء من سبب إمكان البتراء أصلًا. فقد أتاح الحجر الرملي القابل للتشكيل للنقّاشين الأنباط أن يصوغوا واجهات عريضة، وتجويفات عميقة، وغرفًا داخلية، وتفاصيل زخرفية، مباشرة في الجرف.
وهنا يرد الاعتراض الذي أسمعه طوال الوقت: إذا كانت فيها أعمدة، فهي في النهاية مجرد مبنى. وهذا اعتراض وجيه. فالبتراء تستعير بالفعل اللغة البصرية للعمارة الكلاسيكية. ويمكنك أن ترى أشكالًا خرجت من العالم الهلنستي، ولا سيما في الواجهات التي تستخدم الأعمدة والتيجان المثلثة والتناظر.
ويعرض Smarthistory هذه الفكرة جيدًا حين يشرح معالم البتراء بوصفها واجهات منحوتة في الصخر تستخدم تصميمًا ذا مظهر كلاسيكي، مع بقائها منحوتة من الحجر المحلي نفسه. وبعبارة أخرى، استعار الأنباط أسلوبًا من غير أن يستعيروا الفعل الأساسي للبناء. فقد أخذوا هيئة العمارة المشيَّدة وترجموها إلى حفر ونحت.
ولهذا تبدو البتراء مألوفة وغريبة في آن واحد. مألوفة لأن عينك تعرف عادة ما تعنيه الأعمدة والتيجان المثلثة. وغريبة لأن هذه العناصر هنا لا تحمل سقفًا مركبًا فوقها على النحو المعتاد. إنها جزء من وجه الجرف، شُكّلت لتبدو عمارة، مع أنها ما تزال جيولوجيا.
بمجرد أن تتقبل أن إحدى هذه الواجهات قد نُحتت بالحفر، تنفتح البتراء أمامك سريعًا. فتكفّ عن أن تسأل فقط: «من الذي بنى هذه الواجهة؟»، وتبدأ في أن تسأل: «كم من الحجر أُزيل لصنع هذا الفراغ؟». وهذا سؤال أفضل حين يتعلق الأمر بالبتراء.
وهو كذلك يُبقيك أمينًا تجاه ما نعرفه وما لا نعرفه.
| السؤال | ما الذي يناقشه الباحثون | ما الذي لا يتغير |
|---|---|---|
| وظيفة واجهة شهيرة | هل كانت تؤدي أساسًا دور مقبرة، أم فضاء احتفالي، أم الأمرين معًا | المعلم أُنجز مع ذلك بالحفر في الصخر، لا بتجميع الكتل الحجرية |
| التحديد الدقيق | بعض المعالم تقاوم تصنيفًا واحدًا قاطعًا | تبقى طريقة الإنجاز القائمة على الإزالة واضحة |
وهذه الطريقة هي التي تشكّل تجربة المكان. ففي المدينة المشيَّدة، تحدد الجدران الشارع لأن الناس أقاموها هناك. أما في البتراء، فإن الجرف والحجرة ينتميان إلى جسد حجري واحد. فالمعلم فيها ليس شيئًا وُضع في محيط، بقدر ما هو محيط عُدّل حتى صار معلمًا.
وهذا هو التحول الذي يحتاجه معظم الزوار: عظمة البتراء لا تبدأ مما راكمه الأنباط، بل مما اقتطعوه وأزالوه.