المعجّنات التي يضعها معظم الناس تحت هوية وطنية واحدة بدأت في الواقع في مكان آخر، والدليل ليس شكلها وحده، بل تقنية العجين التي جاءت لاحقًا. وقد عرضت Smithsonian Magazine الأمر بوضوح في مقالها المنشور عام 2015 بعنوان «Is the Croissant Really French?»، إذ يتفق مؤرخو الطعام على نطاق واسع على أن الكرواسون استُلهم من الكيبفل النمساوي، ثم أُعيد تشكيله في فرنسا إلى النسخة الهشة التي يعرفها الناس اليوم.
ويستحق هذا التصويب أن يكون حاضرًا على المائدة لأنه بسيط وصحيح في آن واحد. قد تصبح أطراف تاريخ المعجّنات فوضوية أحيانًا، لكن أقوى ما عليه الاتفاق هو الآتي: أصل نمساوي، وإعادة ابتكار فرنسية، والعجين المورّق هو ما يحوّل السلف القديم إلى الكرواسون الحديث.
قراءة مقترحة
لنبدأ من النمسا مع الكيبفل، وهو خبز أو معجّنات هلالية الشكل وُجدت قبل الكرواسون الحديث بزمن طويل. لم تكن بعدُ تلك اللفافة الصباحية المورّقة الهشّة التي تتناثر فتاتها على قميصك. بل كانت أكثر كثافة وأقرب إلى الخبز، وتحمل ذلك الشكل المنحني الذي يتعامل معه كثيرون الآن كما لو أنه القصة كلها.
| المعجّنات | دورها في الأصل | القوام والبنية |
|---|---|---|
| كيبفل | السلف النمساوي | أكثر كثافة، أقرب إلى الخبز، وهلالي الشكل |
| كرواسون | الصيغة التي أُعيد تشكيلها في فرنسا | هشّ، متعدد الطبقات، مورّق، ومقرمش |
لهذا الشكل أهميته، لكن ليس بالقدر الذي يظنه الناس. فالهلال يمكن أن يعبر من بلد إلى آخر من دون أن يحمل معه هويته كاملة. الذي عبر الحدود كان فكرة الكيبفل؛ أما الذي غيّر مستقبله فكان الطريقة التي تعامل بها الخبازون الفرنسيون مع العجين.
وهنا يأتي الجانب الميكانيكي، وهو الجانب الممتع. ففي العجين المورّق، تُطوى الزبدة مرارًا بين طبقات العجين. وفي الفرن، يتحول الماء الموجود في العجين والزبدة إلى بخار، وتذوب الدهون، وتتباعد الطبقات عن بعضها، فتُخبز المعجّنات في هيئة صفائح رقيقة بدلًا من فتات متماسك واحد.
تُغلَّف الزبدة داخل العجين وتُطوى مرارًا بين صفائحه.
في الفرن، يتحول الماء الموجود في العجين والزبدة إلى بخار.
ومع ذوبان الدهن وتمدد البخار، تتباعد الطبقات بدلًا من أن تُخبز على هيئة فتات كثيف واحد.
وتُخبز المعجّنات في النهاية على هيئة صفائح رقيقة تمنح الكرواسون قوامه المقرمش الهشّ.
وهنا تكمن لحظة الفهم المختبئة على مرأى من الجميع: الكرواسون لا يعني الزبدة فحسب. بل يعني الزبدة زائد الطريقة. فإذا كانت المعجّنات تتفتت إلى طبقات خفيفة واضحة وتخلّف وراءها رقائق مقرمشة، فأنت أمام النسخة التي غيّرتها فرنسا، لا أمام السلف الأقدم على طريقة الكيبفل.
دعك للحظة من جوازات السفر والأعلام، واكتفِ بتمزيق واحدة إلى نصفين. فهذه الرائحة الزبدية الغنية تنبعث حين تسخن الدهون وتلين وتتحرر عبر طبقات كثيرة مطوية، فيما تتباعد طبقات العجين تحت تأثير الحرارة. والرائحة التي يسميها الناس «رائحة كرواسون جيد» مرتبطة بهذه البنية الطبقية، لا بالزبدة وحدها.
ولهذا يمكن لمعجّنتين أن تتشاركا سلالة واحدة ومع ذلك تبدوان مختلفتين تمامًا في اليد. قد يكون الكيبفل شهيًا، لكنه لا يعلن عن نفسه بذلك الغلاف الهش نفسه وبذلك الداخل الهوائي ذي البنية الشبيهة بقرص العسل. فالكرواسون الحديث يُعرف لأن التوريق غيّر الملمس والرائحة وحتى الطريقة التي يتفكك بها.
وغالبًا ما يُربط هذا الانتقال التاريخي الحاسم بباريس في القرن التاسع عشر. فقد افتتح ضابط المدفعية النمساوي أوغست زانغ مخبزًا فيينّيًا هناك، هو Boulangerie Viennoise، في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وساعد في نشر المخبوزات الفيينية بين جمهور باريس. وهذا لا يعني أنه اخترع الكرواسون بمفرده، لكنه يمنح القصة مدخلًا حقيقيًا بدل ذلك الغموض الضبابي الذي يُختزل في عبارة من نوع «تأثير أوروبي».
يَسبق الكيبفل الهلالي الشكل الكرواسون الحديث، ويقدّم الصورة الأقدم في هذا النسب.
ساعد Boulangerie Viennoise الذي أسسه أوغست زانغ في تعريف جمهور باريس بالمخبوزات الفيينية.
أعاد الخبازون الفرنسيون تشكيل الفكرة عبر العجين المورّق إلى الكرواسون الهش الذي نعرفه اليوم.
وللإنصاف، لم ينشأ هذا الاعتقاد من فراغ. فالكرواسون الذي يلقاه معظم الناس في المخابز والمقاهي وسلال الفنادق وذكريات العائلة هو الكرواسون الفرنسي. إنه حاضر في القوائم الفرنسية، ومنتمٍ إلى ثقافة المخابز الفرنسية، وقد بلغ فيها من الإتقان ما يجعل وصفه بأنه فرنسي أمرًا يبدو طبيعيًا.
لكن ما إن نفتح السجل قليلًا على اتساعه حتى يظهر الختم الأقدم. فالسلف هو الكيبفل النمساوي، أما الدعوى الفرنسية فتستقيم مع الصيغة اللاحقة التي أُعيد تشكيلها. وبعبارة أخرى، فإن «فرنسي» تصف الصورة التي غزت العالم، لا أول هلال في شجرة هذه السلالة.
وهنا تحديدًا يبدأ الناس أحيانًا في الحديث بعضهم إلى جانب بعض. فطرف يقصد الأصل، والطرف الآخر يقصد الملكية الثقافية من خلال الصقل والانتشار والحضور اليومي. وكلاهما يتحدث عن شيء حقيقي، لكنهما في الواقع يجيبان عن سؤالين مختلفين.
إذا كان السؤال عن الموضع الذي تبدأ منه سلالة هذه المعجّنات، فإن الجواب يعود إلى الكيبفل النمساوي.
أما إذا كان السؤال عن المعجّنات المورّقة الهشّة التي تُباع اليوم باسم الكرواسون، فلا بد أن تكون فرنسا جزءًا من الجواب.
فإذا كان السؤال عن النسب، وجب أن تَرِد النمسا في الجملة. وإذا كان السؤال عن المعجّنات الهشّة المورّقة التي تُباع اليوم باسم الكرواسون، وجب أن تَرِد فرنسا أيضًا. وهذا التفريق يبدد الالتباس من غير أن يختزل الطعام في علمٍ وطني.
وهناك أيضًا اختبار عملي يمكنك استخدامه من دون فتح كتاب تاريخ. فعندما تمزق المعجّنات، انظر إلى الطبقات: هل هي رقيقة ومنفصلة وتتقشر وترتفع، أم أن الداخل أشد تماسكًا وأقرب إلى الخبز؟ وجود الطبقات يعني أنك في نطاق الكرواسون كما أعادت فرنسا تشكيله.
والصياغة الأوضح هي تلك التي يمكنك فعلًا استخدامها: الكرواسون نمساوي في سلالته، وفرنسي في صورته المورّقة التي يقصدها معظم الناس اليوم. وهذا ليس من باب اصطياد الأخطاء، بل مجرد جملة أدق.
الكرواسون ليس فرنسيًا فحسب، بل هو نمساوي في جذوره وفرنسي في صورته الهشّة التي جعلت منه معجّنات ذائعة الصيت.