ذلك اللون الفيروزي الساطع في بحيرة ألبية لا يكون في كثير من الأحيان علامة على ماء نقي وخاوٍ تمامًا؛ ففي كثير من الأحواض التي تغذيها الأنهار الجليدية، يكون الماء ملوَّنًا بحجرٍ معلّق. ويصبح تصحيح هذا الافتراض الشائع الذي تصنعه البطاقات البريدية أمرًا واضحًا ما إن تعرف ما الذي كان النهر الجليدي يطحنه في المنبع.
كثير منا ينشأ على فكرة أن أفضل أنواع الماء ينبغي أن تكون شبه غير مرئية. ثم نصل إلى بحيرة مرتفعة فنجدها متوهجة بالأزرق المخضر بدلًا من ذلك، كأن أحدًا أشعلها من أسفل. وما تراه هنا في الغالب ليس أن في الماء أشياء أقل، بل أكثر: سحابة من الرواسب الدقيقة جدًا، من الصغر بحيث لا تترسب سريعًا.
قراءة مقترحة
وتشرح هيئة المتنزهات الوطنية هذه المسألة بلغة واضحة على نحو منعش. فعندما تحتك الأنهار الجليدية بالصخر الأساس، تطحن الصخور إلى رواسب دقيقة جدًا تُعرف باسم «الدقيق الجليدي»، ويُسمى أحيانًا أيضًا «دقيق الصخور»، ويمكن لهذه المادة أن تمنح الجداول والبحيرات التي تغذيها الأنهار الجليدية مظهرها الحليبي أو الباهت أو الزاهي اللون.
تخيّل الدقيق الجليدي بوصفه غبارًا حجريًا بالغ الدقة، إلى حد أن الماء يستطيع الاستمرار في حمله. فالرمل الأكبر حجمًا والحصى يترسبان. أما هذه المادة فغالبًا ما تبقى معلقة في عمود الماء، ولا سيما حين تستمر مياه الذوبان الجديدة في تغذية البحيرة.
ولهذا قد تبدو البحيرة مشرقة على نحو يلفت النظر حتى حين تتغذى من ذوبان بارد يأتي مباشرة من الجليد. فاللون هنا ليس مجرد شارة بسيطة على النظافة، بل هو دليل على أن نهرًا جليديًا كان ينهش الصخور في مكان ما فوقك ويرسل هذا المسحوق إلى أسفل المنحدر.
وقد توصل الباحثون الذين يدرسون البحيرات المحاذية للأنهار الجليدية إلى الفكرة العامة نفسها من الجانب العلمي. ففي مراجعة نُشرت عام 2015 في Journal of Plankton Research، أشار عالم البحيرات روبن سوماروجا إلى أن البحيرات القريبة من الأنهار الجليدية، مع تغيّرها بمرور الوقت، قد يتبدل لونها، بما في ذلك تحوله نحو الفيروزي الساطع، لأن المادة المعلقة ومرحلة البحيرة تؤثران فيما نراه.
إذا كانت هذه البحيرة بهذا القدر من الصفاء، فلماذا لا تبدو غير مرئية؟
إليك الجواب المباشر. تبقى الجسيمات التي طحنها النهر الجليدي معلقة، ويصطدم بها الضوء، فتعيد تشتت بعض الأطوال الموجية نحو عينيك أكثر من غيرها.
يكشط الجليد المتحرك الصخور إلى رواسب دقيقة جدًا تُعرف باسم الدقيق الجليدي.
فعلى خلاف الرمل الأكبر والحصى، يبقى هذا الغبار الحجري داخل عمود الماء، ولا سيما مع تدفق مياه الذوبان الجديدة.
يضرب الضوء الوارد الرواسب المعلقة، فتنعكس بعض الأطوال الموجية عائدة إلى الناظر بقوة أكبر من غيرها.
والنتيجة مظهر فيروزي أو أزرق مخضر متوهج يجعل البحيرة تبدو كأنها مضاءة من الداخل.
والجزء الذي يعود بقوة غالبًا هو الجزء الأزرق المخضر من الطيف. لذلك، بدلًا من أن تُقرأ البحيرة بوصفها عمقًا مظلمًا، قد تبدو وكأنها مضاءة من الداخل تقريبًا. إنها تتوهج لأن دقيق الصخور يعيد ذلك اللون إليك.
وهذه هي النقطة التي تفوت على أغلب الزائرين لأول مرة. إنهم يتوقعون أن يختفي الماء النقي عن النظر. ثم يقفون هناك، وأشرطة حقائبهم لا تزال مرتخية، أمام حوض مائي يبدو ساطعًا أكثر مما ينبغي ليكون حقيقيًا. والجواب الهادئ هنا هو أن الرؤية واللون ليسا الشيء نفسه. فالماء قد يمرر الضوء جيدًا، ومع ذلك يبدو أزرق مخضرًا إذا كانت جسيمات دقيقة معلقة فيه تعيد تشتيت ذلك الضوء إلى الخارج.
وفي الميدان، يمكنك في الغالب أن تتحقق من ذلك بنفسك. فإذا بدت البحيرة متألقة من بعيد لكنها تصبح غائمة أو باهتة قرب المجرى الداخل إليها، فربما كنت تنظر إلى مياه ذوبان جليدية غنية بالرواسب، لا مجرد ماء بالغ النقاء. وغالبًا ما تكشف حواف الشاطئ ومصبات الجداول والبقع التي تعصف بها الرياح القصة.
وهنا بالفعل حدّ واضح ينبغي الاعتراف به. فإشارة اللون هذه لا تنطبق على كل بحيرة جبلية، لأن العمق والطحالب والمادة العضوية الذائبة وزاوية الضوء وكمية الرواسب المعلقة، كلها تغيّر ما تراه العين.
غالبًا ما يبدو الماء العميق الشديد الصفاء أزرق داكنًا، لأن الماء يمتص قدرًا أكبر من الضوء الأحمر ويجعل الأطوال الموجية الزرقاء هي الغالبة.
وغالبًا ما تبدو المياه التي تغذيها الأنهار الجليدية، والمحمّلة بدقيق الصخور المعلق، أكثر سطوعًا أو حليبية أو توهجًا، لأن الرواسب الدقيقة تعيد تشتيت الضوء الأزرق المخضر إلى الخارج.
ونعم، يمكن للبحيرات الصافية حقًا أن تكون زرقاء أيضًا. فالمياه العميقة الشديدة الصفاء تبدو غالبًا زرقاء داكنة، لأن الماء نفسه يمتص قدرًا أكبر من الضوء الأحمر ويترك للأطوال الموجية الزرقاء أن تسود، ولا سيما عندما تكون البحيرة عميقة وغير محمّلة كثيرًا بالرواسب المعلقة.
وهنا يظهر الفرق المفيد. فالأزرق العميق يوحي عادة بدرجة أغمق، كأن العمق يحتفظ بأوراقه لنفسه. أما الفيروزي الذي تضيئه الرواسب فيوحي عادة بسطوع أكبر أو بحليبية أو بتوهج أشد، ولا سيما حيث يكون تدفق المياه الجليدية الذائبة نشطًا.
وتجمع بحيرات كثيرة بين هذين الأثرين. فقد ترى زرقة أغمق في المركز الأعمق، وشريطًا أشحب قرب مدخل مياه الذوبان، وتبدلًا في اللون بعد الظهيرة حين تتغير زاوية الضوء. وهذا لا ينقض القاعدة، بل يبيّن لك أن البحيرة نظام يعمل، لا مجرد عينة لون.
ابدأ بالمجاري الداخلة. فالمياه التي تصل مباشرة من الثلج والجليد تحمل في كثير من الأحيان أحدث دفعة من الرواسب الدقيقة، لذلك قد يكون اللون أو العكارة أشد ما يكون هناك.
ثم انظر على امتداد المياه الضحلة والحواف الصخرية. فإذا صار الماء قرب الشاطئ باهتًا أو عكرًا أو يكاد يكون طباشيريًا بينما يبقى الوسط ساطعًا كالجوهرة، فالأرجح أن الرواسب المعلقة جزء من الحكاية. أما إذا كانت البحيرة كلها تميل إلى الأزرق الكوبالتي الداكن مع قدر ضئيل من الضبابية، فقد يكون العمق والماء الشديد الصفاء هما العاملين الأبرز.
وأخيرًا، امنح البحيرة بضع دقائق تحت ضوء متغير. فقد تجعل سحابة عابرة أو سطح أكثر هدوءًا أو تبدل في زاوية الشمس تشتت الأزرق المخضر يبرز أو يتراجع. ولا تحتاج إلى أدوات لهذا. كل ما عليك هو أن تكف عن التعامل مع اللون بوصفه زينة، وأن تقرأه كما تقرأ علامة ميدانية.
غالبًا ما تحمل مياه الذوبان الجديدة أحدث حمولة من الرواسب الدقيقة، لذلك قد يكون اللون أو العكارة أشد في تلك النقطة.
تشير الحواف الباهتة أو العكرة أو الشبيهة بالطباشير إلى أن الرواسب المعلقة جزء من قصة لون البحيرة.
قد يشير المركز الكوبالتي الأغمق أكثر إلى العمق والماء الشديد الصفاء، أو يكشف أن الأثرين حاضران معًا في الوقت نفسه.
في نزهتك المقبلة، افحص المجرى الداخل أولًا، ثم المياه الضحلة، ثم المركز العميق؛ فهذا النظر السريع الثلاثي سيخبرك ما إذا كان اللون الفيروزي آتيًا في معظمه من العمق، أو في معظمه من الدقيق الجليدي المعلق، أو من الاثنين معًا في آن واحد.