يظن معظم الناس أن نكهة القهوة تبدأ على اللسان. لكنها تبدأ غالبًا في الهواء، قبل ذلك بثانية، حين يرسل الفنجان الساخن مركباته العطرية إلى الأعلى قبل أن تأخذ أول رشفة.
هذا ليس تعبيرًا شاعريًا. فجمعية القهوة المتخصصة تعرّف النكهة بأنها مزيج من التذوق والشم، وهو تصحيح مفيد إذا كنت قد مررت بفنجان كانت رائحته غنية ثم بدا مسطّحًا على نحو غريب ما إن لامس فمك.
يقوم لسانك بعمل حقيقي، لكنه عمل محدود. فهو يستطيع التقاط المذاقات الأساسية مثل الحلاوة والحموضة والمرارة والملوحة والأومامي. وهذه الإشارات مهمة في القهوة لأنها تشكّل الإحساس بالحموضة والمرارة والحلاوة والتوازن.
قراءة مقترحة
ويصبح هذا الفارق أوضح حين تفصل بين ما يفعله اللسان وما يضيفه الشم.
| القناة | ما الذي تلتقطه | كيف يظهر ذلك في القهوة |
|---|---|---|
| اللسان | المذاقات الأساسية مثل الحلو والحامض والمر والمالح والأومامي | يشكّل الحموضة والمرارة والحلاوة والتوازن |
| الشم | مركبات عطرية محددة | يخلق النغمات التي يصفها الناس بأنها شوكولاتية أو جوزية أو مدخنة أو زهرية أو فاكهية |
وهناك طريقتان يشترك بهما الشم في تجربة الشرب. الأولى هي الشم الأنفي المباشر، وهي الرائحة التي تلتقطها عندما تستنشق عبر أنفك قبل الشرب. أما الثانية فهي الشم الأنفي الراجع، ويحدث بعد أن تدخل القهوة إلى فمك، حين تنتقل المركبات المتطايرة عبر مؤخرة الحلق إلى التجويف الأنفي أثناء البلع والزفير.
ولهذا قد يبدو فنجان القهوة المصفّى حديثًا أعلى حضورًا قبل أول رشفة مما يكون أثناءها. ترتفع الحرارة، وتنطلق المركبات المتطايرة، ويحملها الهواء، فيلتقطها الأنف، ويسميها الدماغ، ثم يصل اللسان متأخرًا.
1,000+
أشارت مراجعة بحثية نُشرت في عام 2021 إلى أنه تم تحديد أكثر من 1,000 مركب متطاير في القهوة، وهو ما يساعد على تفسير سبب شعورك بغنى الرائحة قبل أن تستقر الرشفة.
وتشير مراجعة بحثية أعدّها أنجيلوني وزملاؤه، ونُشرت عام 2021 في Molecules، إلى أنه تم تحديد أكثر من 1,000 مركب متطاير في القهوة، مع أن نسبة أصغر منها هي التي تؤثر بقوة في ما ندركه فعليًا كرائحة. ولا تحتاج إلى حفظ الكيمياء كي تستفيد من هذه الحقيقة في المنزل. يكفي أن تتخيل سطح سائل ساخن يطلق حشدًا من الجزيئات الدقيقة المحمولة في الهواء؛ بعضها جوزي، وبعضها محمّص، وبعضها لاذع، وبعضها يميل إلى الحلاوة، وكلها تتحرك بالسرعة الكافية لتصل إليك قبل أن تصل القهوة نفسها.
انحنِ فوق كوب صُبّ للتو، وستشعر بالتوقيت في جسدك: دفء على وجهك، وبخار يصعد إلى الأعلى، ورائحة تصل أولًا.
لقد سبق الأنفُ اللسانَ إلى هناك.
وهذا مهم لأن الجزء الأول ذي المعنى مما يسميه كثير من الناس «مذاق» القهوة كان قد حدث بالفعل قبل أن يلامس الفنجان شفاههم. لم تكن الرائحة مجرد زينة تحيط بالمشروب، بل كانت تبني بالفعل التجربة التي سيجمعها دماغك لاحقًا تحت اسم النكهة.
جرّب هذا مرة واحدة مع فنجانك الساخن التالي.
لاحظ أول ما يبرز بسهولة، حتى لو لم يكن سوى التحميص أو الخَبز أو العتمة أو الحلاوة أو الحدّة.
ما يبقى هو نسخة مجرّدة من المشروب: مرارة، وحموضة، وقليل من الحلاوة، وحرارة، وقوام.
الموجة الأكمل التي تعود هي الشم الأنفي الراجع وهو ينضم إلى إشارات التذوق الأساسية.
بالنسبة إلى كثير من الناس، فهذه هي اللحظة التي تترسخ فيها الفكرة تمامًا.
لقد أعددت ما يكفي من القهوة السيئة في المنزل حتى لم أعد أتظاهر بأن كل مشكلة تبدأ من الحبوب أو تنتهي عند المطحنة. أحيانًا تبدو الرائحة نابضة للحظة وجيزة ثم تخفت، لأن العطر يتبدد بسرعة، أو لأن القهوة تبرد، أو لأن التخمير نفسه باهت إلى درجة تجعل الأنف يعد بما لا يستطيع الحنك دعمه.
تمهّل عشر ثوانٍ وراقب ما تفعله أصلًا من دون تفكير. أنت تصب القهوة. تميل نحوها. تحوم فوق الفنجان قبل أن تشرب. هذه الوقفة الصغيرة ليست وقتًا ضائعًا. إنها اللحظة التي يسهل فيها التقاط كثير من شخصية القهوة.
وهناك عدة تفاصيل عملية قد تحدد ما إذا كانت الرائحة ستبقى نابضة أم ستتلاشى بسرعة أكبر مما ينبغي.
لا يتعلق الفنجان بعملية التحضير وحدها. بل يتعلق أيضًا بالحرارة، وتدفق الهواء، ومدى سهولة وصول الرائحة إلى أنفك.
شكل الكوب وإمكانية الوصول
يمنحك الكوب الواسع غالبًا وصولًا أكبر إلى الرائحة من غطاء السفر الضيق، لأن قدرًا أكبر من العطر يمكن أن يتجمع في الفراغ فوق المشروب.
الحرارة والتوقيت
تقذف القهوة شديدة السخونة الرائحة جيدًا، لكن الحرارة المفرطة قد تطمس التفاصيل الدقيقة وتجعلك ترتشف بسرعة قبل أن تلاحظ الكثير.
فقدان الرائحة بمرور الوقت
قد تبدو رائحة الفنجان نابضة في البداية ثم يبدو باهتًا عند الشرب، لأن العطر يتبدد سريعًا أو لأن القهوة تبرد قبل أن يظل المذاق مدعومًا.
إذا أردت تحسين التجربة اليوم، فابدأ بعادة واحدة بدل الانطلاق في دوامة شراء المعدات. شمّ الفنجان عن قصد قبل أول رشفة، ثم شمّه مرة أخرى بعد الرشفة وأنت تزفر. ستلاحظ أكثر، كما أنك ستلتقط المشكلات مبكرًا: القِدم، ونغمات التحميص القاسية، والفتور، أو فنجانًا تبدو رائحته واعدة لكن مذاقه خفيف.
لا يعني أي من هذا أن اللسان عنصر زائد. فالمرارة والحلاوة والحموضة والملوحة والحرارة والقوام لا تزال تشكّل المشروب بطرق لا تستطيع الرائحة أن تحل محلها. فقهوة ذات رائحة حية ومرارة قاسية تظل قاسية. وقهوة ذات عبير جميل من دون حلاوة قد تظل فارغة.
والصياغة الأفضل هي أن التذوق والشم يبنيان النكهة معًا، لكن الشم غالبًا ما يحمل التفاصيل التي يستخدمها دماغك ليصف الفنجان بأنه كراميلي، أو حمضيّ الفاكهة، أو خشبي، أو زهري. وإذا حجبت الأنف، صارت القهوة أقل حيوية بكثير، حتى مع استمرار اللسان في تلقي قدر وفير من الإشارات.
ولا يعمل هذا بالطريقة نفسها لدى الجميع. فإذا كنت مصابًا باحتقان، أو تعاني فقدان الشم، أو تشرب من كوب سفر بغطاء يحبس الرائحة، فقد يكون الأثر أضعف أو أصعب ملاحظة. كما أن القهوة شديدة السخونة قد تخفي النغمات الأدق إلى أن تبرد قليلًا.
ومن المهم قول ذلك بوضوح، لأن نصائح القهوة تصبح غريبة حين تنسى أن الأجساد متفاوتة. فإذا لم يكن أنفك يتلقى قدرًا كبيرًا من المعلومات، فسيبدو الفنجان أبسط، وليس ذلك إخفاقًا في الانتباه.
قبل أن ترتشف غدًا، شمّ القهوة مرة واحدة عن قصد، وامنح تلك الضربة الهوائية الأولى ثانية واحدة كي تستقر في وعيك.